من “جبروت” إلى شريط الطالبي العلمي.. تسريبات متزامنة وأسئلة أكبر من مضمونها

عبد السلام بن احمد

في ظرف سياسي وأمني شديد الحساسية، وجد المغرب نفسه خلال أيام قليلة أمام تسريبين مختلفين في الشكل، لكنهما يلتقيان في نقطة واحدة: إخراج معطيات يفترض أن تبقى داخل دوائر مغلقة إلى الفضاء العام.
الأول يتعلق ببيانات نشرتها مجموعة القرصنة التي تطلق على نفسها اسم «جبروت»، وادعت أنها تخص نحو 70 ألف شخص مرتبطين بأجهزة الأمن والاستخبارات المغربية. والثاني تسجيل صوتي منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، تضمن مواقف حادة من فوزي لقجع وانتقادات لما اعتبره محاولات لاستقطاب مرشحين ومنتخبين، في سياق الاستعداد للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل.

-رشيد الطالبي العلمي -فوزي لقجع

ظاهريا، لا رابط بين الملفين: الأول سيبراني وأمني، والثاني سياسي وانتخابي. لكن تزامنهما، وطبيعة المعطيات المسربة، والتوقيت الذي ظهرت فيه، تفرض سؤالا أكبر: لماذا الآن؟ وهل يتعلق الأمر بتسريبات متفرقة، أم أننا أمام مرحلة جديدة تصبح فيها المعلومة نفسها أداة للصراع السياسي والأمني؟
«جبروت».. بين الاختراق والدعاية:
في 24 غشت، نشرت «جبروت» أربعة جداول قالت إنها تتضمن بيانات نحو 70 ألف شخص مرتبطين بالأمن والاستخبارات المغربية، قبل أن تتحول الرواية في بعض وسائل الإعلام الأجنبية إلى حديث عن «70 ألف جاسوس مغربي». وقد أوردت جريدة «لوموند» الفرنسية أن التسريب الجديد يتعلق بأسماء نحو 70 ألف من العاملين في أجهزة الأمن والاستخبارات، مع الإشارة إلى أن البيانات نشرت عبر تلغرام.
لكن التدقيق في المعطيات يفرض قدرا كبيرا من الحذر. فطرح البيانات باعتبارها «قائمة تضم 70 ألف جاسوس» لا يزال توصيفا إعلاميا يتجاوز ما يمكن إثباته بشكل مستقل. كما أن طبيعة بعض المعطيات المنشورة تثير أسئلة حول مصدرها وحداثتها وطبيعتها، وما إذا كانت تخص جميعها عناصر أمنية واستخباراتية بالمعنى الدقيق، أم أنها تضم أيضا موظفين إداريين أو بيانات مرتبطة بأنظمة إدارية وموارد بشرية.
وقد ظهرت، بحسب تقارير تناولت الملفات، أسماء لأشخاص متوفين، من بينهم عبد الحق الخيام، الذي توفي سنة 2022، إلى جانب أسماء لموظفين إداريين، وهي معطيات تضعف على الأقل الرواية القائلة إن القائمة تضم، بشكل كامل، عناصر استخباراتية عاملة حاليا.
لكن ذلك لا يعني أن التسريب غير حقيقي أو أن البيانات غير حساسة. فحتى في حال المبالغة في توصيفها، فإن تداول بيانات شخصية ومهنية مرتبطة بموظفين في مؤسسات أمنية يظل مسألة خطيرة تستوجب التحقيق.
السؤال هنا ليس فقط: هل اخترقت «جبروت» أنظمة أمنية مغربية؟ بل أيضا: من أين جاءت البيانات؟ ومتى جمعت؟ وهل هي حديثة أم قديمة؟ وهل يتعلق الأمر باختراق مباشر لأنظمة حساسة، أم بإعادة تجميع لمعطيات سبق تسريبها أو الحصول عليها من مصادر مختلفة؟
وهي أسئلة لا تزال تنتظر أجوبة رسمية واضحة.
ثم خرج شريط الطالبي العلمي:
بعد يوم واحد من تداول معطيات «جبروت»، انتقل المشهد من البيانات الأمنية إلى قلب الحياة السياسية، مع انتشار تسجيل صوتي منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، خلال اجتماع المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار المنعقد يوم 25 غشت. ويتضمن التسجيل انتقادات لفوزي لقجع، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، على خلفية ما اعتبره الطالبي العلمي استقطابا لعدد من البرلمانيين والمنتخبين المنتمين إلى حزبه، فضلا عن حديث يتعلق بموقع لقجع المحتمل في الحكومة المقبلة.
وسرعان ما تحول التسجيل إلى مادة لصراع سياسي، خصوصا بعد رد حزب الأصالة والمعاصرة على ما ورد فيه، فيما أثار تسريب جزء من نقاش داخلي لحزب التجمع الوطني للأحرار نقاشا حول حدود الخلافات داخل الأغلبية، وحول انتقال النقاشات المغلقة إلى الفضاء العام.
وكما في ملف “جبروت”، تفرض المهنية الاحتفاظ بمسافة من التسجيل، فهو منسوب إلى الطالبي العلمي، وما يرد فيه ينبغي قراءته في سياقه الكامل، لا من خلال مقاطع مجتزأة ومتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي. كما أن صحة التسجيل وظروف تسجيله وتداوله تظل مسائل ينبغي التعامل معها بحذر إلى حين صدور معطيات موثوقة وحاسمة.
لماذا هذا التوقيت؟
هنا تكمن أهمية التسريبات. فهي تظهر في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة ملفات حساسة: الأمن، والانتخابات، وتداعيات أزمة سبتة والهجرة.
فأزمة سبتة، التي شهدت يومي 30 و31 يوليوز تدفق عشرات الآلاف من الأشخاص من جهة الفنيدق نحو المدينة المحتلة، أظهرت بدورها حجم تأثير المعلومة غير الموثوقة في توجيه الرأي العام وتحريك الناس. وقد تحدثت مصادر إسبانية عن نحو 72 ألف شخص عبروا إلى سبتة خلال تلك الفترة، بينما اختلفت الأرقام والتقديرات بين المصادر.
وفي تلك الأزمة، لعبت الرسائل المتداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي دورا في تشجيع أشخاص على محاولة الوصول إلى سبتة، في وقت ساهمت فيه صور وفيديوهات قديمة أو خارج سياقها في تضخيم روايات يصعب ضبطها لاحقا.
المشترك بين الملفات الثلاثة ليس بالضرورة وجود جهة واحدة تقف وراءها، فلا توجد، في المعطيات المتاحة حاليا، أدلة موثوقة تثبت أن تسريبات «جبروت» والتسجيل السياسي وأحداث سبتة جزء من عملية واحدة.
لكن القاسم المشترك هو الدور المتزايد للمعلومة في صناعة الأحداث والتأثير فيها.
في ملف “جبروت”، تحولت عبارة «70 ألف» بسرعة إلى «70 ألف جاسوس»، رغم أن طبيعة البيانات وأصالتها الكاملة ونطاقها لم تحسم بشكل مستقل. وفي ملف الطالبي العلمي، تحول مقطع من اجتماع مغلق إلى مادة لصراع سياسي علني، فيما أظهرت أزمة سبتة كيف يمكن للمعلومة المتداولة عبر المنصات الرقمية أن تتحول إلى عامل مؤثر في سلوك آلاف الأشخاص.
من يملك المعلومة يملك جزءا من المعركة:
لم تعد الصراعات السياسية والأمنية تخاض فقط بالوثائق الرسمية والخطابات. قواعد البيانات والتسجيلات والصور والفيديوهات وشبكات التواصل الاجتماعي أصبحت أدوات للتأثير وإعادة تشكيل الروايات.
ولهذا قد يصبح توقيت التسريب أحيانا أهم من مضمونه.
المشكلة الكبرى ليست فقط في احتمال تسريب المعلومات، بل أيضا في السرعة التي تتحول بها معلومات غير مكتملة إلى «حقائق» راسخة في الوعي العام: قائمة تقول «جبروت» إنها تضم 70 ألف شخص تتحول إلى «70 ألف جاسوس»، وتسجيل حزبي يتحول إلى مؤشر على شكل الحكومة المقبلة، وإشاعة أو معلومة غير دقيقة حول فتح الحدود تتحول إلى واقع في أذهان الآلاف.
الصمت الرسمي.. جزء من المشكلة:
في قضية «جبروت» تحديدا، يبقى التواصل الرسمي سؤالا قائما. فإذا كانت البيانات مزيفة أو قديمة أو مجتزأة، فإن توضيح ذلك يحمي المؤسسات ويحد من انتشار الروايات المضللة. وإذا كانت تتضمن فعلا بيانات حقيقية، فإن الرأي العام يحتاج إلى معرفة ما يمكن كشفه دون المساس بالأمن الوطني، وما الإجراءات المتخذة لحماية أصحاب تلك البيانات.
صحيح أن الصمت قد يكون مفهوما عندما يتعلق الأمر بأسرار أمنية، لكنه يصبح مكلفا عندما يترك المجال مفتوحا أمام الآخرين لصناعة الرواية وتحديد زاوية فهم الأحداث.
في النهاية، لا تسمح المعطيات المتوفرة بالجزم بوجود مؤامرة واحدة تجمع «جبروت» والتسجيل السياسي وأزمة سبتة. لكنها تسمح بطرح سؤال أكثر واقعية: هل أصبح المغرب أمام اختبار جديد يتعلق بقدرته على حماية المعطيات، وتأمين المؤسسات، وضبط المجال المعلوماتي، والتواصل مع المواطنين في لحظة تتداخل فيها الانتخابات مع الأمن والهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية؟
فالبيانات قد تكون قديمة، والتسجيل قد يكون مجتزأ، والرواية قد تكون مضخمة. لكن السؤال الذي لا يمكن تجاهله يبقى: لماذا أصبحت أبواب المعلومة المغلقة تفتح تباعا في هذا التوقيت بالذات؟

Comments 1

  1. Khalifa says:

    أضف الى ذلك أيضا التسريبات المتعلقة بلجنة أخلاقيات الصحافة التابعة للجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، التي كان يرأسها يونس مجاهد،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist