التونسي المنوبي زيود .. يكشف رسائله المهملة

عبد الله المتقي

أطل المنوبي زيود على القارئ العربي مؤخرا، برواية اسمها ” رسائل مهملة “، الحائزة على المرتبة الثالثة لجائزة توفيق بكار في نسختها الأخيرة، بعد أن أصدر باقة من وباقة من النصوص الروائية، وهو مسار سردي دؤوب ونوعي.

تحكي “رسائل مهملة “، عن عبدالواحد ساعي البريد الذي أحيل على التقاعد، ينظم له مركز البريد حفلا بالمناسبة، وخلاله قدم له المدير، شهادة مختومة وموقعة، وحقيبة مكتظة بالكتب والرسائل والبطاقات البريدية المهملة التي لم تصل لأصحابها بفعل التقادم، وقال في حقه كلمة اعتبر من خلالها الحقيبة ” هدية اعتبارية ذات قيمة معنوية لا تضاهيها تلك الهدايا الاعتيادية، التي تمنح للمتقاعدين العاديين ”

وعليه، ترصد الرواية مجموعة حيوات، تتمثل في مجموعة من الرسائل التي استلها عبدالواحد في شقته، واقتحم من خلالها عوالم سرية وفريدة ومنوعة، تبوح بتجاربها وإيقاع مرحلتها التاريخية، الواضح منها والمسكوت عنه، وبكل الألوان الرمادية التي مازالت خيوطها سارية المفعول والتأثير، إذ لا شيء يحدث بالصدفة، ولا شيء يكون كما يبدو عليه، وكل شيء مرتبط ببعض، وفقا لما انتهى إليه مايكل باركون.

وهكذا ، تكون حقيبة الرسائل، كما قبعة الساحر التي تخرج خباياها وأحشاءها المذهلة وتحولها إلى حضور ملفت وبمهارة يحذقها ” زيود “، رسائل تتنوع همومها وأسئلتها السياسية والاجتماعية والذاتية، مشفرة حينا، وواضحة حينا آخر، يرتشفها القارئ بلذة حكائية ويتلمظ متعتها المدهشة.

بصدد الرسائل المشفرة والملغومة، نقرأ الرسالة الموجهة للمحامي ” مهيار ” اليساري سابقا، وجها وقفا : ” كان وجه الرسالة مكتوبا بالقلم الجاف، أما قفاها فقد كتب بالحليب، بحيث لا تظهر الكلمات إلا إذا اقتربت من النار، اكتشفت أن نار الشمعة أظهرت الرسالة المكتوبة بالحليب بمجرد اقترابها منها “، كما لا تتكشف الرسالة عن المرسل : ” كان المرسل مجهولا لم تظهر هويته على الظرف. ”

هذا التشفير، ريثما يتفهمه القارئ، من خلال قراءته مضمون للرسالة بعد فك شفرتها، والتاريخ التي ذيلت به ” 1973 “، وشروط نزولها الغامض : ” أيها الرفيق، الوضع خطير جدا، بدأ البوليس يقتحم منازل الرفاق ويوقفهم ويحجز كل المنشورات، بوصفي رئيس الخلية التي تنتمي إليها سأختبئ ولن تصلك مني رسائل وحتى إذا دخلت السجن فلن أخبر عنك “.

وبعبارة واضحة ومحددة، تكون هذه الرسالة القديمة والمنسية، بمثابة المطية التي سيركبها ” مهيار ” لتلميع صورته السياسية، وكذا استراقة السمع والنظر إلى ما حبلت به الفترة البورقيبية المطولة التي استمر ثلاثة عقود، من نضالات وتنظيمات سرية، تتغيا افتضاض الانغلاق السياسي وغياب التعددية السياسية، كل من خلفيته، وقناعته ووسائله واختياراته.

وفي نفس سياق التغميض والتمويه، نقرأ رسالة حافية من اسم المرسل، والاكتفاء باسم المرسل إليه، وفي جميع الأحوال الملغومة، هناك اقتناص ذكي للتنظيمات الإسلاموية الارهابية، وآليات اشتغالها وصراعها الدموي مع النظام، وهذا ما يوحي به تاريخ الرسالة 1986 التي تحيل إلى الأحداث الدامية بين الإخوان والنظام، ثم واسم العلم الشيخ أسامة، ومتن الرسالة : ” فضيلة الشيخ بن افلح البغدادي، سلامي الحار وبعد، تصلك مع هذه الرسالة ثلاث خرائط لثكنة عسكرية ولمركز الشرطة، ولمركز الحرس البحري تنفيذا للأوامر الصادرة من القيادة العليا، لقد وجهتها لك بالبريد خشية الاتصال المباشر، وما يمكن أن ينجز عنه من مضايقات أمنية خاصة أن فرقة المخابرات مستنفرة هذه الأيام تراقب كل الأشخاص “.

نفس الحيونة وثقافة الموت، لكن تساوقا مع تبكيت الضمير، ومحاولة لغسل عظامه من الذنب الذي اقترنه عبر شحنه، نقرأ في رسالة إسلاموي متشدد على فراش الموت، والمؤرخة ب 18 ماي 1986: ” أنا المذكور أعلاه، الممضي أسفله، أشهد على نفسي، وأنا أمتلك كل مداركي العقلية وبكامل ارادتي أنني أنا من قتلت راعي الغنم دون أن يكون لي سابق إضمار أو ترصد. ”

كما يباغت عبدالواحد في رسالة ثالثة، يعود تاريخها إلى 1992، نقرأ في وجه الرسالة عن رحبة الغنم والماعز وأسعار الأبقار الحارقة، وفي قفها نقرأ المختفي والمدسوس : ” عليك بتجنيد شابين غير مشكوك في انتمائهما للتنظيم لتفكيك سكة الحديد بين ف و ج بالموقع الذي تحدثنا عنه سابقا، وبالطريقة الفنية التي اتفقنا عليها. ”

وتنبثق من الحقيبة عين التهديدات والوعد والوعيد من رسالة رابعة : ” إن لم تبتعد عن تلك اختر نهاية لحياتك بإحدى الطرق المضمنة بالصور المصاحبة “، وكلها صور وحشية وفي أوضاع مقززة، تحيل على نفس العباءة التي خرجت منها هذا العنف المرضي.

ومهما يكن من أمر هذه الرسائل المشفرة والملغومة، فإن لا أحد يشك أنها الصدى الحاكي لنوابض المرحلة الموشومة بالصراعات والتدافعات بين القوى المتصارعة في المشهد السياسي التونسي، وفضحا لوحشية الإرهاب، وذلك ما تعلن عنه قفا الرسائل التي ينوء العنف ثقيلا بين سطور رسائلها، التي تلتذ إلى حد السادية بتقطيع أوصال البنيات التحتية، بغاية التأثير على الاستقرار وإدخال المجتمع في ستقبل أشد سوداوية من الحاضر وبنتائج أكثر كارثية ومأساوية منه، ولعل ما نشهده اليوم من انتشار المد الديني، هو انتكاسة جديدة تعبر عن هروب الإنسان من الواقع المؤلم نحو الماضي والبحث في جيوبه عن عملة صدئة.

وخروجا من الترميز إلى الواضح، يستل عبدالواحد من حقيبته، رسائل بنكهة مختلفة، شفافة وواضحة، شاهدة على تجارب غرامية، الاولى رسائل غزلية كانت موجهة من طالب شاعر إلى حبيبته يرثي موتها بسكتة قلبية، لكنه من طينة شعراء الحب والنضال، الذين خاضوا، إلى جانب أعمالهم الإبداعية، في العمل السياسي : ” ثم فتحت رسالة أخرى تزامن تحريرها مع الاحتجاجات الطلابية والإضرابات العمالية، وقذ ذيلها الشاعر استحضر فيها شخصية الحجاج، وحمدان القرمطي، وثورة الزنج “.

وثاني هذه الرسائل الشفافة، رسالة ” برنادات ” لصديقها التونسي تذكره بالزمن الجميل، تحثه على استقبال ابنهما : ” أرجو أن تستقبله استقبالا يليق بأب لابنه،وهو على كل حال لا يرجو منك شيئا. ”

أما ثالثها فرسائل تعني أحمد وكوثر، الموغلة في الحب، ولا محل للمحو، رغم انتهائها بزواج كوثر، بعد رفض والدها لأحمد بدعوى فقره وخصاصته : ” أرجو أن تكوني بخير، فقد استبدت بي الحيرة، وفكرت في السفر إليك، لكن المسافة بعيدة والمشاغل كثيرة، أنا لم أجد تفسيرا لرفض والدك الارتباط بي، الفقر ليس عيبا، ولا مانعا من الزواج. ” إنه ” الحب الحقيقي كلما مر عليه الزمن، كلما زاد عمقا في نفوسنا ” يقول توماس كارليل.

وفي مقابل هذه العلائق والروابط الغرامية الصافية، نقرأ رسالة عارية من الكرامة، وتقطر خسة وحقارة، من زوج المقايضة الجنسية : ” تحية طيبة، ضع هذا القرص في حاسوبك وانظر ما فعلته بعشيقتك التي هي زوجتي، سترى نفسك وأنت تضاجعها بكل الوضعيات، إذا أردت أن تتخلص من تهمة الزنا، فعليك دفع مبلغ قدره خمسون ألف دينار “.

ولا شك في أن هذه المخزونات التي باحت بها الرسائل، هو محاولة للنبش في علاقة المرأة والرجل، فيمكن أن تكون ملتزمة وحميمية تنطوي على مشاعر التقارب، وتجعلك تضع يدك على قلبك طول الوقت، ويمكن أن تكون علاقة فارغة من الكرامة، مبنية على تعضية المرأة، تسليعها والمقايضة بأعضائها الجنسية، وتحويلها إلى حلوى مكشوفة.

تجتلب رواية ” رسائل مهملة ” عدة أشكال تعبيرية، مما يجعل منها ملتقى لخطابات متعددة، فنقرأ رسائل الترهيب والحب والتهديد، نقرأ التاريخ، ونجد الخطاب السوسيولوجي الذي يفتح لنا كوى نطل منها على تحولات المجتمع التونسي، ونقرأ الخطاب السياسي في تدافعاته وصراعاته، والخطاب السيكولوجي القائم على تعرية دواخل الشخصيات وبواطنها ونواياها، ثم الخطاب القانوني والديني السينمائي : ” أكملت فيلم ساعي بريد نيرودا ثم شرعت في مشاهدة فيلم زوربا اليوناني “، وللشعر حضور في الرواية وبخاصة منه العمودي .

وهذا ليس بقصد تزيين المحكي، ولكن من خلال بعد منتج يساهم في انتقاد مظاهر العنف والاستغلال والزيف والتسلق، والكشف عن علاقة الإنسان بالدين والسياسة، مما منح الرواية لذة مشهية.

كما تستحضر الرواية اسماء ورموزا أدبية وكتبا تراثية ومعاصرة من سجل التاريخ البعيد والقريب ” أبو العلاء المعري، أبو عثمان الجاحظ، شهرزاد، السيوطي، بودلير، كافكا، نيرودا ” لكن في أوضاع ساخرة، ومداعبة ومدعمة للحكي.

وختاما، إن رسائل زيود المهملة، في هذه الرواية الجميلة، التي تقطر سردا ماتعا، يحق للرواية التونسية، أن يزهو بها، باعتبارها صدى لمواقف واختيارات، وإبداعا طافحا بالشجون والشؤون، وأيضا باعتبارها نابعا من الروح والذاكرة، إنها على كل، اقتحام لعوالم لا تخلو من فضول، والإنسان بطبعه لا يخلو من فضول، لكنه، هنا فضول إبداعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist