مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، تعود الدائرة الانتخابية لإقليم تطوان إلى واجهة المشهد السياسي، لكن هذه المرة وسط سؤال يتجاوز أسماء المرشحين وعدد المقاعد المتنافس عليها: هل ما زال الناخب التطواني يثق في الوجوه التي اعتاد رؤيتها في الحملات الانتخابية، أم أن الصناديق قد تحمل مفاجآت جديدة؟
فبعدما بدأت الأحزاب السياسية في حسم اختياراتها وترشيحاتها، برزت أسماء سبق لها أن خاضت تجارب انتخابية وحضرت في المشهد المؤسساتي، إلى جانب أسماء أخرى تسعى إلى دخول البرلمان لأول مرة. ويبدو أن بعض الأحزاب تراهن مجددا على وجوه لها تجربة سياسية وتنظيمية، اعتقادا منها أن الخبرة والمعرفة بدهاليز المؤسسات تشكلان ورقة قوة في معركة انتخابية لا تخلو من الحسابات الدقيقة.
التجمع الوطني للأحرار جدد ثقته في رئيس مجلس النواب راشيد الطالبي العلمي، بينما اختار الأصالة والمعاصرة النائب البرلماني محمد العربي أحنين، ورشح حزب الاستقلال منصف الطوب، في حين دفع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بحميد الدراق، والاتحاد الدستوري بنورالدين الهروشي. كما يدخل العدالة والتنمية المنافسة بأحمد بوخبزة، والتقدم والاشتراكية بزهير الروكاني، إلى جانب إسحاق شارية عن الحزب المغربي الحر، وادريس افتيس عن تحالف اليسار، وإبراهيم بنصبيح عن الحركة الشعبية.
غير أن حضور الأسماء المعروفة لا يعني بالضرورة أن الطريق نحو صناديق الاقتراع سيكون سهلا. فالناخب اليوم لم يعد ينظر فقط إلى الاسم الحزبي أو إلى حضور المرشح في المناسبات الانتخابية، بل بات أكثر ميلا إلى مساءلة المرشح حول ما تحقق فعليا خلال السنوات الماضية، وما الذي يمكن أن يقدمه مستقبلا.
وفي تطوان، حيث تمنح الدائرة خمسة مقاعد برلمانية، ستكون المنافسة محكومة إلى حد كبير بقدرة المرشحين على إقناع المواطنين بأن وجودهم تحت قبة البرلمان يمكن أن يتحول إلى نتائج ملموسة خارجها. فالمواطن لا يريد فقط نائبا يحضر الجلسات أو يصوت على القوانين، وإنما يريد صوتا قادرا على نقل انشغالاته والدفاع عنها وتحويلها إلى قضايا تحظى بالأولوية داخل المؤسسات.
ولعل أبرز ما يفرض نفسه في هذه الانتخابات هو مسألة تجدد النخب السياسية. فإعادة تزكية الوجوه نفسها قد تمنح الأحزاب نوعا من الاستقرار والثقة في تجربتها، لكنها في المقابل تضع تلك الوجوه أمام مسؤولية أكبر: ماذا تحقق خلال الولاية السابقة؟ وما الذي تغير بالنسبة للمواطن؟
فالناخب التطواني ينتظر إجابات واضحة عن ملفات ترتبط بحياته اليومية، من فرص الشغل، خصوصا بالنسبة للشباب، إلى تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتقوية البنية التحتية، والنهوض بالعالم القروي، فضلا عن دعم الاستثمار والسياحة والاقتصاد المحلي، والبحث عن حلول عملية لمشاكل النقل والبيئة والخدمات الأساسية.
ولذلك، فإن المعركة الانتخابية المقبلة لن تكون فقط بين الأحزاب، بل ستكون أيضا بين الحصيلة والوعود. وستكون الوجوه التي سبق أن تحملت مسؤوليات انتخابية مطالبة أكثر من غيرها بتقديم كشف حساب سياسي واضح: ماذا وعدت؟ ماذا أنجزت؟ وما الذي تعذر عليها تحقيقه ولماذا؟
في المقابل، سيحاول الوافدون الجدد تقديم أنفسهم باعتبارهم بديلا عن الوجوه المألوفة، مستفيدين من رغبة جزء من الناخبين في ضخ دماء جديدة داخل المؤسسات المنتخبة. لكن الرهان بالنسبة إليهم لن يكون سهلا أيضا، لأن غياب التجربة قد يتحول إلى نقطة ضعف إذا لم يرافقه برنامج مقنع وشخصية قادرة على التواصل مع المواطنين.
وبين هذا وذاك، يبقى المواطن هو صاحب الكلمة الفصل. فقد تغيرت علاقة الناخب بالانتخابات، ولم يعد مجرد حضور المرشح في الأحياء والأسواق واللقاءات كافيا لضمان الأصوات. فالمواطن يريد أن يشعر بأن صوته لن ينتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، وأن النائب الذي اختاره سيظل حاضرا خلال الولاية كلها، لا فقط في موسم الانتخابات.
ومن هنا، قد تكون انتخابات تطوان المقبلة اختبارا حقيقيا للأحزاب أكثر مما هي اختبار للأسماء. فإعادة تقديم الوجوه نفسها تحتاج إلى إقناع جديد، والرهان على التجربة يحتاج إلى حصيلة، أما الرغبة في التغيير فتحتاج إلى بدائل قادرة على إثبات نفسها.
وبين مرشحين يحملون تجربة سابقة وآخرين يطرقون باب البرلمان للمرة الأولى، ستتجه الأنظار إلى صناديق الاقتراع لمعرفة ما إذا كان الناخب التطواني سيمنح ثقته للأسماء التي يعرفها، أم سيختار هذه المرة أن يكتب فصلا جديدا في الخريطة السياسية للإقليم.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: من سيفوز بالمقاعد الخمسة؟ بل: من سيتمكن من إقناع المواطن بأن صوته يستحق أن يمنح له؟