يبدو أن الانتخابات في بلادنا اكتشفت أخيرا أن الطريق إلى قلب الناخب قد لا يمر دائما عبر البرنامج الانتخابي… بل قد يمر عبر “رقصةالركادة”!
لم يعد السياسي المغربي يكتفي بالمنصة والميكروفون والوعود الثقيلة. صار مطلوبا منه أن يبتسم، يصفق، يلوح للجمهور، وإذا اقتضى الحال… أن يحرك الكتفين قليلا!
ترامب فعلها قبلا. رقص، تحرك، صنع المشهد، وأدرك أن الكاميرا أحيانا أقوى من الخطيب، وأن حركة بسيطة قد تحصل على ملايين المشاهدات بينما ينام الجمهور قبل نهاية الخطاب الانتخابي.
لكن يبدو أن السياسيين المغاربة قالوا: لماذا نترك الرقص للأمريكيين؟
وهكذا بدأ الموسم…
وزير يرقص على “مهبول أنا”، ومحمد أوزين يدخل الإيقاع، وبنكيران يشارك فرقة فلكلورية، ونبيل بنعبد الله وإدريس لشكر لا يفوتان فرصة لتأكيد أن اليسار أيضا يعرف شيئا عن فن تحريك الأكتاف.
ثم جاءت فاطمة الزهراء المنصوري، إلى جانب فوزي لقجع، لتدخل على الخط بـ”رقصة الركادة”، وكأن الحملة الانتخابية قررت أن تتحول من منافسة على البرامج إلى منافسة على أفضل أداء راقص أمام الكاميرا.
ولا بأس في ذلك.
فالسياسي إنسان، ومن حقه أن يفرح ويرقص ويضحك.
لكن المشكلة ليست في الرقص…
المشكلة في أن يتحول الرقص إلى برنامج انتخابي!
فالمواطن لا يعيش على الإيقاع وحده. المواطن يريد النقل، والمستشفى، والمدرسة، والشغل، والسكن، والأسعار التي لا ترقص هي الأخرى إلا في اتجاه واحد: إلى الأعلى!
وقد يكون السياسي بارعا في “الركادة”، لكن الناخب يريد أن يعرف: ماذا ستفعل عندما تصل إلى المجلس؟ وماذا فعلت عندما كنت فيه؟
هنا تصبح الرقصة أقل أهمية من الحصيلة.
فالفيديو الذي يحقق مئات الآلاف من المشاهدات لا يعني مئات الآلاف من الأصوات.
والتصفيق في القاعة ليس بالضرورة تصويتا في الصندوق.
والناخب الذي يرقص مع السياسي في الساحة قد يتركه وحيدا أمام صندوق الاقتراع.
ترامب فهم مبكرا أن السياسة الحديثة تحتاج إلى صورة. والسياسيون المغاربة فهموا بدورهم أن صورة واحدة قد تختصر خطابا انتخابيا كاملا.
لكن هناك فرق بسيط جدا:
ترامب يرقص ليقول: أنا قوي.
أما عندنا، فالسؤال هو: هل نرقص لأننا قريبون من المواطن، أم لأن الكاميرا موجودة؟
ومع اقتراب 23 شتنبر، قد نشاهد المزيد من الرقص، والمزيد من الأغاني، والمزيد من الصور الجماعية.
وربما تظهر لنا مواهب سياسية جديدة في “الشعبي”، و”الركادة”، و”العلاوي”… ومن يدري؟ قد نصل إلى مناظرة انتخابية يكون فيها السؤال الأول: من يملك البرنامج؟ والسؤال الثاني: من يملك الإيقاع؟
لكن فلنتذكر شيئا واحدا:
الانتخابات ليست عرسا.
وفي الأعراس، يكفي أن يصفق لك الناس.
أما في الانتخابات، فعليك أن تقنعهم أولا.
لذلك…
ارقصوا كما شئتم.
غنوا كما شئتم.
ابتسموا أمام الكاميرات كما شئتم.
لكن عندما يغلق صندوق الاقتراع بابه، تختفي الموسيقى، وتتوقف الكاميرات، وتنتهي الركادة.
هناك لا أحد يصفق للسياسي… هناك فقط ورقة اقتراع تقول له: نعم أو لا.