«متبرزطنيش»… حين يتحول الحق في المعلومة إلى «تبرزيط».

بلال حلبوز

ليس من السهل أحيانا أن تعرف أين ينتهي حق الموظف في الاستفسار، وأين يبدأ «التبرزيط» في نظر بعض المسؤولين. وليس من السهل كذلك أن تفهم كيف يمكن لمرفق عمومي، يفترض أن يكون فضاء لاستقبال المرتفقين والإجابة عن استفساراتهم، أن يتحول إلى مكان يشعر فيه الموظف بأنه متطفل لمجرد أنه طرق باب مكتب مسؤول.
حدث ذلك معي اليوم، الإثنين، بالمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بتطوان.
قصدت المديرية للاستفسار عن وضعية مرتبطة بإسناد استعمالات الزمن في المؤسسة التي أشتغل بها، وهي وضعية تعنيني بشكل مباشر، فضلًا عن صفتي كعضو في المكتب الإقليمي للنقابة الوطنية للتعليم. لم أذهب إلى المديرية لطلب امتياز، ولا لقضاء مصلحة شخصية، وإنما قصدت المصلحة المعنية، أي مصلحة الموارد البشرية، للحصول على توضيح حول وضعية إدارية وتربوية تهمني بشكل مباشر.
وقفت أمام مكتب المسؤول المعني، فوجدته على وشك المغادرة. عرفت بنفسي وشرعت في توضيح سبب حضوري، لكنني لم أتمكن حتى من استكمال جملتي الأولى.
جاءني الرد:
«آش حب الخاطر؟»
ثم، وقبل أن أستكمل حديثي:
«متبرزطنيش الله يرحم يماك، أنا راسي عامر ومعنديش الوقت.»
لم أجادل، ولم أرفع صوتي، بل قلت له وهو يغادر مكتبه:
حسنا، اقترح عليّ وقتا آخر نلتقي فيه، حتى لا أكون قد أزعجتك وأنت مشغول.
كان الجواب:
«منعرف.»
ثم غادر.
قد يبدو الأمر للبعض مجرد احتكاك عابر بين موظف ومسؤول، لكنه بالنسبة إلي يتجاوز ذلك، خصوصا أن هذه ليست المرة الأولى التي تثار فيها ملاحظات حول أسلوب تعامل المسؤول نفسه مع نساء ورجال التعليم.
فقد سبق أن عبر عدد من الأساتذة، في مناسبات مختلفة، عن استيائهم من طريقة التعامل معهم، وما يعتبرونه أسلوبا غير لائق في التواصل والاستقبال. وإذا كانت هذه الشكاوى والانطباعات تتكرر، فإن الأمر لم يعد مجرد واقعة معزولة تستحق التجاهل، وإنما يستدعي، على الأقل، طرح سؤال جدي حول طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع المسؤول الإداري بالموظفين الذين يقصدون المرفق الذي يشرف عليه.
وهنا تحديدا تكمن خطورة الأمر.
فالموظف لا يدخل الإدارة متسولا، ولا يطلب «حب الخاطر»، ولا يأتي لإزعاج المسؤولين. إنه يأتي باعتباره صاحب مصلحة وحق في الاستفسار، ومن واجب الإدارة أن توفر له المعلومة والتوجيه، أو أن تحدد له موعدا مناسبا إذا تعذر استقباله في تلك اللحظة.
المسؤول الإداري من حقه أن يكون مشغولا، ومن حقه أن يكون تحت ضغط العمل، لكن ليس من حق ضغط العمل أن يتحول إلى مبرر للتجريح أو الاستعلاء أو مخاطبة الموظفين بطريقة تنتقص من كرامتهم.
الإدارة ليست ملكا للمسؤول، والمكتب ليس فضاء شخصيا مغلقا في وجه الموظفين.
المسؤولية الإدارية ليست امتيازا في التعامل مع الآخرين من موقع أعلى، وإنما هي تكليف ومسؤولية وخدمة للمرفق العمومي.
والأكثر إثارة للاستغراب أن قطاع التربية الوطنية، الذي يفترض أن يكون من أكثر القطاعات حرصا على قيم الاحترام والحوار والتواصل، ما زال يعرف أحيانا مثل هذه الممارسات التي تجعل الأستاذ يشعر بأن مجرد طلبه لمعلومة إدارية قد يتحول إلى إزعاج للمسؤول.
إن احترام الموظف ليس مجاملة شخصية، وإنما جزء من أخلاقيات المرفق العمومي.
وإذا كان هناك ضغط في العمل، فالحل بسيط:
«أنا مشغول الآن، تفضل في وقت كذا وسأستقبلك.»
جملة بسيطة، لكنها تعكس الفرق بين مسؤول يدرك معنى المسؤولية، ومسؤول يرى في كل من يطرق باب مكتبه شخصًا جاء ليزعجه.
لا أطرح هذه الواقعة من باب تصفية الحسابات الشخصية، وإنما من باب التساؤل عن الإدارة التي نريدها.
إدارة تجعل الموظف يتردد قبل أن يدخل إليها ويطرح سؤالا؟
أم إدارة تعتبر التواصل مع الموظفين والاستماع إلى انشغالاتهم جزءًا من صميم مهامها؟
إن عبارة «متبرزطنيش» ليست هي المشكلة في حد ذاتها.
المشكلة أن يصبح طلب المعلومة تبرزيطا، والسؤال إزعاجا، والولوج إلى الإدارة امتيازا، والاستماع إلى الموظف ترفا إداريا.
وعندما تتكرر شكاوى الموظفين من أسلوب التعامل، يصبح من المشروع أن نطالب بفتح نقاش جدي حول هذه الممارسات، لا بهدف التشهير بالأشخاص، وإنما بهدف حماية كرامة الموظف وتحسين جودة المرفق العمومي وإعادة الاعتبار لعلاقة الإدارة بموظفيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist