في 10 شتنبر 1919، وقعت النمسا معاهدة سان جيرمان أون لي مع دول الحلفاء، في واحدة من أبرز محطات إعادة تشكيل أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، لتكرس رسميا انهيار الإمبراطورية النمساوية المجرية وتفتح الباب أمام ولادة دول جديدة وتغيير جذري في حدود القارة.
المعاهدة، التي وقعت في قصر سان جيرمان أون لي قرب باريس، جاءت بعد أشهر من انتهاء الحرب العالمية الأولى، ولم تكن مجرد وثيقة لإنهاء الحرب، بل كانت جزءا من مشروع سياسي واسع قادته الدول المنتصرة لإعادة ترتيب أوروبا على أنقاض إمبراطوريات سقطت خلال الحرب.
وبموجب الاتفاق، اعترفت النمسا باستقلال دول وكيانات جديدة، وفقدت مساحات واسعة من أراضيها، فيما تقلصت الإمبراطورية السابقة إلى جمهورية نمساوية صغيرة، بعد أن كانت في قلب قوة إمبراطورية امتدت على أجزاء واسعة من وسط وشرق أوروبا.
كما فرضت المعاهدة قيودا عسكرية قاسية على النمسا، من بينها الحد من حجم قواتها المسلحة ومنع التجنيد الإجباري، إضافة إلى حظر الاتحاد السياسي مع ألمانيا إلا بموافقة عصبة الأمم.
وكانت المعاهدة بمثابة إعلان رسمي لنهاية حقبة تاريخية امتدت لعقود، إذ انهارت معها إحدى آخر الإمبراطوريات الأوروبية متعددة القوميات، وظهرت على الخريطة دول جديدة، من بينها تشيكوسلوفاكيا ومملكة الصرب والكروات والسلوفينيين.
غير أن إعادة رسم الحدود لم تضع حدا للمشكلات، بل خلقت بدورها توترات جديدة، بعدما وجدت مجموعات قومية وإثنية كبيرة نفسها داخل حدود دول لم تكن تنتمي إليها سياسيا أو قوميا. كما واجهت النمسا الجديدة أزمات اقتصادية وسياسية عميقة جعلت السلام الذي أعقب الحرب هشا وقابلا للاهتزاز.
وتعد معاهدة سان جيرمان واحدة من سلسلة معاهدات السلام التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، إلى جانب فرساي وتريانون ونويي وسيفر، والتي أعادت تشكيل النظام السياسي الأوروبي والدولي.
لكن المفارقة التاريخية أن السلام الذي صاغته هذه المعاهدات لم ينه الاضطرابات في أوروبا. فبعد أقل من عقدين، ستجد القارة نفسها أمام حرب عالمية ثانية أكثر دموية واتساعا.
في مثل هذا اليوم، لم توقع النمسا معاهدة سلام فقط، بل وقعت شهادة نهاية إمبراطورية كاملة، وبدأ معها فصل جديد من تاريخ أوروبا.