هل يحاسب الناخب المغربي المنتخبين على وعودهم أم أن الذاكرة الانتخابية قصيرة؟

نعيمة آيت إبراهيم

المغرب يعيش حاليا أجواء الحملة الانتخابية التشريعية، التي تمتد من 10 إلى 22 شتنبر 202، هذا الموعد انتخابي، الذي عاد إلى الواجهة كما لو أنه كتب للمرة الأولى. مشاريع جديدة، مستشفيات، طرق، فرص شغل، تحسين النقل، دعم الشباب، إنصاف النساء، محاربة الفساد، تجويد التعليم، والاهتمام بالأحياء والمناطق الهامشية ووو…
وعود كثيرة تتنافس على انتباه المواطن خلال أيام قليلة، قبل أن يصل موعد الاقتراع ويضع الناخب ورقته في الصندوق.
لكن السؤال الذي أطرحه دائما: ماذا يحدث لهذه الوعود بعد انتهاء الانتخابات؟
هل يحتفظ المواطن بقائمة ما سمعه من مرشحيه؟ هل يتابع ما تحقق منها وما بقي مجرد كلام؟ وهل يعود بعد خمس سنوات ليسأل المنتخب: ماذا فعلت بما وعدت به؟
أم أن الذاكرة الانتخابية للمغاربة قصيرة، بحيث تختفي الوعود القديمة بمجرد أن تبدأ حملة انتخابية جديدة، ويصبح كل استحقاق انتخابي فرصة جديدة لسماع الوعود نفسها بعبارات مختلفة ووجوه أحيانا مختلفة؟
المسألة، في الحقيقة، في نظري لا يمكن اختزالها في تحميل المواطن وحده مسؤولية النسيان. فالانتخابات ليست امتحانا للذاكرة فقط، وإنما هي علاقة تعاقدية وسياسية بين الناخب والمنتخب. المواطن يمنح صوته، والمنتخب يحصل على تفويض لتمثيله والدفاع عن مصالحه والعمل على تنفيذ البرنامج الذي قدمه للناس. وإذا كان التصويت لحظة للمحاسبة، فإن ما بعد التصويت يجب أن يكون مرحلة للمراقبة والمتابعة.
غير أن الواقع يكشف مفارقة واضحة. فدراسة ميدانية حديثة أنجزت قبل انتخابات 2026 حسب تقرير/استطلاع وطني بعنوان “كيف يرى المغاربة انتخابات 2026″،صادر عن جمعية المواطنين (Les Citoyens Maroc)، أظهرت أن 90.4 في المائة من المستجوبين يرون أن المنتخبين لا يحترمون الالتزامات التي يقدمونها خلال الحملات الانتخابية. وفي المقابل، كشفت المعطيات نفسها أن نسبة كبيرة من المشاركين لم تكن أصلا على اطلاع كاف بالبرامج الانتخابية للمرشحي، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
كيف يمكن للناخب أن يحاسب منتخبا على وعد لم يقرأه، أو برنامج لم يطلع عليه، أو التزام لم يتابعه منذ اليوم الأول؟
المحاسبة الانتخابية لا تبدأ يوم الاقتراع، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير. تبدأ عندما يسأل المواطن المرشح: ما الذي ستفعله تحديدا ؟ كيف ستنفذه؟ ما الجدول الزمني؟ وما حدود صلاحياتك؟ وما الموارد التي ستعتمد عليها؟
فالوعود الانتخابية ليست شعارات أدبية، ولا ينبغي أن تكون مجرد عبارات مصممة لاستمالة الناخب. البرنامج الانتخابي يفترض أن يكون عقدا سياسيا وأخلاقيا، حتى وإن لم يكن عقدا قانونيا بالمعنى الضيق.
وفي المقابل، على المواطن نفسه أن يغير طريقة تعامله مع الانتخابات. لا يكفي أن يسأل المرشح عن قدرته على حل مشكلته الشخصية أو قضاء مصلحة فردية، بل ينبغي أن يسأله عن المدرسة، والمستشفى، والنقل، والبطالة، والفضاءات العمومية، والعدالة المجالية، والخدمات الاجتماعية، ومستقبل الشباب…
فالناخب الذي يختار مرشحا لأنه وعده بمصلحة شخصية، قد يجد نفسه بعد سنوات أمام منتخب لا يشعر بأنه مطالب بتقديم كشف حساب عن السياسات العامة، لأن العلاقة بين الطرفين تأسست منذ البداية على المنفعة الخاصة لا على التمثيل السياسي.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب أيضا. فإذا كانت الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة قد تراجعت، فإن استعادتها لا يمكن أن تتم بخطابات انتخابية جديدة فقط، بل تحتاج إلى تواصل مستمر مع المواطنين، وإلى تقديم حصيلة واضحة ومفهومة، وإلى الاعتراف بالفشل عندما يحدث، وشرح أسباب عدم تنفيذ بعض الالتزامات عندما تكون هناك أسباب موضوعية.
المواطن لا يحتاج بالضرورة إلى منتخب يحقق له كل شيء، فهذا غير ممكن. لكنه يحتاج إلى منتخب صريح يقول له: وعدتك بهذا، أنجزت منه كذا، تعذر علي تنفيذ كذا، وهذه هي الأسباب.
مثل هذا السلوك يمكن أن يعيد بناء الثقة أكثر من عشرات الملصقات الانتخابية والخطابات الحماسية.
وفي المقابل، فإن الناخب مطالب أيضا بالخروج من دور المتلقي إلى دور المراقب. فالديمقراطية لا تنتهي عند وضع الورقة في الصندوق. بل تبدأ، في جانب مهم منها، في اليوم الموالي للانتخابات.
ومن الخطأ أيضا القول إن المواطن المغربي ينسى دائما.
فالمواطن قد يتذكر جيدا من وقف إلى جانبه ومن خذله، ومن حضر بين الناس ومن اختفى بعد الفوز. لكنه قد يفتقد أحيانا أدوات المراقبة أو المعلومات الكافية التي تسمح له بتحويل هذا التذكر إلى محاسبة سياسية فعلية.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل ذاكرة الناخب المغربي قصيرة؟
بل السؤال الأهم هو: هل نملك ثقافة انتخابية تجعل المواطن يحتفظ بوعود المرشحين ويقارنها بالحصيلة عند كل استحقاق؟
إذا أصبح لكل ناخب دفتر غير مكتوب في ذاكرته السياسية، يسجل فيه ما قيل وما تحقق وما لم يتحقق، وإذا تحولت البرامج الانتخابية من منشورات موسمية إلى وثائق يتابعها المواطنون والصحافة والمجتمع المدني، فإن الانتخابات ستتحول تدريجيا من موسم للوعود إلى مناسبة حقيقية للمحاسبة.
أما إذا ظل المواطن يسمع الوعود ثم ينساها، وظل المرشح يقدم الوعود نفسها دون أن يسأل عما سبق أن وعد به، فإن الحلقة ستظل تدور: حملة انتخابية، وعود، تصويت، انتظار، خيبة، ثم حملة انتخابية جديدة ووعود جديدة.
وفي نهاية المطاف، الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد الأصوات التي يحصل عليها المنتخب، وإنما أيضا بمدى قدرة أصحاب تلك الأصوات على تذكيره، بعد سنوات، لماذا منحوه ثقتهم أول مرة.
فالانتخابات ليست يوم الاقتراع فقط… الانتخابات أيضا ذاكرة. ومن لا يتذكر ما وعد به، يصعب عليه أن يحاسب من وعده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist