السكن والتمويل التشاركي.. قراءة في إصدار الحليمي

سلمى القندوسي

يظل الحق في السكن واحدًا من القضايا التي تتقاطع عندها الأبعاد الاجتماعية و الاقتصادية و القانونية في المشهد المغربي الراهن، بما يجعل البحث عن حلول مستدامة للولوج إلى السكن رهينًا بفهم دقيق لمسببات الأزمة، و بتقييم السياسات العمومية المعتمدة، و استشراف بدائل تمويلية قادرة على الاستجابة للتحولات التي يعرفها المجتمع.

من هذا المنطلق، يأتي كتاب «السياسة السكنية بالمغرب ورهان التمويل التشاركي» للدكتور محمد الحليمي، الصادر حديثًا عن مجموعة كلتورا الدولية للنشر و التوزيع و الإعلام، ليقدم قراءة قانونية و تحليلية في واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطن المغربي: السكن، و ما يرتبط به من سياسات و تمويلات و إكراهات و آفاق.

و يكتسي هذا الإصدار خصوصية إضافية باعتباره العمل الثاني للدكتور محمد الحليمي الذي يصدر عن مجموعة كلتورا الدولية للنشر و التوزيع و الإعلام، بعد كتابه الأول معها «التأمين التكافلي في المغرب»، الذي اقترب فيه المؤلف من منظومة التأمين التكافلي، متتبعًا جذورها و مبادئها التضامنية، و مسار إدماجها داخل الإطار القانوني المغربي، إلى جانب ما يحيط بها من تحديات تنظيمية و تطبيقية.

و هكذا، يواصل الحليمي من خلال إصداره الجديد اشتغاله على قضايا تلتقي فيها القانون و الاقتصاد و البعد الاجتماعي، منتقلًا من مجال التأمين التكافلي إلى موضوع السكن و التمويل التشاركي، في امتداد واضح لاهتمامه بالمنظومة المالية و القانونية المرتبطة بحياة المجتمع و تحولاته.

ينطلق الكتاب من واقع يفرض نفسه بقوة: الحق في السكن بالمغرب يواجه تحديات متزايدة، تتداخل في تشكيلها عوامل متعددة، من طبيعة السياسات السكنية إلى القدرة على الولوج إلى التمويل، وصولًا إلى الإكراهات الاقتصادية و الاجتماعية و القانونية التي تجعل امتلاك السكن حلمًا مؤجلًا بالنسبة إلى فئات من المجتمع.

و من خلال مقاربة قانونية و تحليلية، يتوقف المؤلف عند أسباب أزمة السكن، كما يتناول مختلف السياسات العمومية التي تم اعتمادها من أجل معالجتها، محاولًا قراءة مدى قدرتها على الاستجابة للتحولات و الحاجات المتجددة.

و تنبع أهمية هذه المقاربة من كون قضية السكن تتجاوز مفهوم العقار في حد ذاته، لتتصل بالأمن الاجتماعي و الاستقرار الأسري و الاستقرار الاقتصادي، الأمر الذي يجعل النقاش حول السياسات السكنية نقاشًا حول جزء أساسي من مستقبل المجتمع.

في قلب هذا النقاش، يضع الكتاب التمويل التشاركي باعتباره أحد المداخل التي تستحق الدراسة و الاستثمار، مع تركيز خاص على المرابحة العقارية.

فالولوج إلى السكن يرتبط، في جانب كبير منه، بإمكانية الوصول إلى تمويل ملائم، و هو ما يجعل تطوير أدوات التمويل جزءًا أساسيًا من أي تصور يروم توسيع دائرة المستفيدين من التملك العقاري.

و من هنا، يحاول المؤلف أن يضيء الإمكانات التي تتيحها المرابحة العقارية، مع عدم الاكتفاء بالجانب النظري، و إنما البحث في أبعادها القانونية و العملية، و ما يمكن أن تتيحه من فرص لتطوير المنظومة التمويلية التشاركية بالمغرب.

و يطرح الكتاب، من خلال ذلك، سؤالًا يتجاوز الآلية التمويلية نفسها: كيف يمكن للتمويل التشاركي أن يساهم في تعزيز الأمن السكني و توسيع فرص التملك لفئات أوسع من المجتمع؟

من أبرز ما يمنح الكتاب قيمته أنه لا يتعامل مع الموضوع من زاوية قانونية مجردة، و إنما يحاول وصل النص القانوني بالواقع العملي.

فدراسة السياسات السكنية و التمويل التشاركي تقتضي فهم الإطار القانوني المنظم لها، و في الوقت نفسه استحضار طبيعة الممارسة و الإكراهات التي يمكن أن تواجه مختلف المتدخلين.

و هنا تظهر أهمية الجمع بين التحليل القانوني و البعد العملي، بما يسمح بطرح الموضوع بعيدًا عن القراءة التقنية الضيقة، و يفتح المجال أمام نقاش أوسع حول مدى قدرة المنظومة الحالية على التطور و الاستجابة للحاجات المستقبلية.

يحمل هذا الكتاب أيضًا دلالة خاصة في مسار صاحبه، باعتباره الإصدار الثاني له مع مجموعة كلتورا الدولية للنشر و التوزيع و الإعلام.

فبعد أن تناول في كتاب «التأمين التكافلي في المغرب» تجربة مالية تقوم على مفاهيم التضامن و تقاسم المخاطر، ينتقل في عمله الجديد إلى قضية السكن، مستحضرًا هذه المرة العلاقة بين السياسة السكنية و التمويل التشاركي.

و يكشف هذا المسار عن اهتمام بحثي يتجه نحو قضايا ذات صلة مباشرة بالتحولات الاقتصادية و القانونية التي يعرفها المغرب، مع الحرص على تقديمها في صيغة تجمع بين التأصيل و التحليل و استشراف الآفاق.

كما أن حضور الكتابين ضمن إصدارات كلتورا يضيف بعدًا آخر للتجربة، إذ تواصل المجموعة من خلال هذه الأعمال دعم الإصدارات الفكرية و القانونية التي تفتح نقاشًا حول قضايا معاصرة، و تمنح البحث مساحة للانتقال من صفحات الكتب إلى النقاش العام.

وراء هذا الإصدار، توجد حكاية إنسانية يختصرها تصريح الدكتور محمد الحليمي بعد صدوره.

فالمؤلف لم يتحدث عن كتابه من زاوية علمية فقط، و إنما اختار أن يكشف جانبًا من الرحلة التي رافقت ولادته، مستحضرًا ما مر به من محن و ابتلاءات، و ما وجده من قوة في معية الله و الصبر و الرضى.

و يقول الدكتور الحليمي:

«رغم كثرة المحن والابتلاءات المتلاحقة، إلا أن معية الله كانت حاضرة معي في تفريج كربي، وجمع شتات قلبي، مواجها بواسطتها نوائب الدهر بالصبر الجميل والرضى الكبير، ولعل الكتاب الذي بين يديكم ولد قيسريا وعاش بين التحمل والعجز، والصبر والتعب، والألم والأمل…
فإن وجدتم فيه ما يفيد فمن الله، وإن كان غير ذلك فمن نفسي…»

تصريح تختصر عباراته الكثير من المسافة التي تفصل بين فكرة الكتاب و ولادته. فخلف العمل الأكاديمي صفحاتٌ تحمل جهدًا، و خلف الجهد تجربة إنسانية قد لا تظهر للقارئ حين يمسك الكتاب للمرة الأولى.

و لعل أكثر ما يلفت في هذا التصريح هو ذلك التداخل بين الألم و الأمل؛ فالمؤلف يصف كتابه بأنه «ولد قيسريًا»، و عاش بين التحمل و العجز، و الصبر و التعب، و هي عبارات تمنح الإصدار بعدًا إنسانيًا يتجاوز موضوعه القانوني.

كما تكشف خاتمة التصريح عن تواضع الباحث أمام عمله، حين يرد الفائدة إلى الله، و يحمّل نفسه مسؤولية ما قد يعتري العمل من نقص، و هي روح تعكس علاقة الباحث الحقيقي بعمله: اجتهادٌ يبذل فيه أقصى ما يستطيع، ثم يترك أثره للقارئ و تقييمه.

يمكن النظر إلى «السياسة السكنية بالمغرب ورهان التمويل التشاركي» بوصفه كتابًا يلتقي فيه سؤالان أساسيان: كيف يمكن تطوير السياسة السكنية؟ و كيف يمكن للتمويل التشاركي أن يكون جزءًا من الحل؟
و إذا كانت أزمة السكن تحمل أبعادًا اجتماعية و اقتصادية متعددة، فإن معالجتها تحتاج بدورها إلى مقاربات متعددة، تجمع بين السياسة العمومية و التشريع و التمويل و الواقع الاجتماعي.

و من هنا تأتي أهمية الكتاب في كونه يضع المرابحة العقارية و التمويل التشاركي داخل نقاش أكبر حول مستقبل الولوج إلى السكن، بدل التعامل معها كآلية مالية منفصلة عن محيطها.

إنه إصدار يفتح الباب أمام التفكير في تطوير أدوات التمويل، و تحسين الإطار القانوني و العملي، و توسيع دائرة الاستفادة من التملك العقاري، بما يجعل سؤال السكن جزءًا من ورش أوسع يتعلق بالأمن الاجتماعي و الاقتصادي.

و تأتي هذه المحطة بعد حضور الدكتور محمد الحليمي في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط خلال شهر ماي، حيث عبّر عقب مشاركته عن امتنانه لكل من شاركه تلك المناسبة، وخص بالشكر القائمين على دار كلتورا والساهرين على إحياء فعل القراءة.

و في تصريحه آنذاك، وصف مشاركته بأنها «عرس علمي متواضع»، موجّهًا الشكر لكل من حضر أو ساند، قبل أن يختتم بكلمات تعكس تواضع الباحث و إصراره على مواصلة الطريق، قائلًا:

«وإلى عرس علمي جديد، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه…
زميلكم الذي بدأ رحلة الحبو في مجال البحث، فلا تنسوه من صالح دعائكم…»

و بين ذلك التصريح و تصريحه بعد صدور الكتاب الجديد، تتشكل صورة أكثر اكتمالًا لتجربة الباحث: امتنان لمن ساند، إيمان بما يقدمه، و إصرار على مواصلة رحلة البحث رغم ما قد تفرضه الطريق من تعب.

يشكل «السياسة السكنية بالمغرب ورهان التمويل التشاركي» إضافة جديدة إلى رصيد الإصدارات الفكرية و القانونية لمجموعة كلتورا الدولية للنشر و التوزيع و الإعلام، كما يمثل محطة جديدة في تجربة الدكتور محمد الحليمي البحثية.

كتاب يضع أزمة السكن و السياسات العمومية و التمويل التشاركي و المرابحة العقارية في فضاء واحد، و يدعو إلى التفكير في العلاقة بينها من منظور قانوني و عملي يستحضر حاجات المجتمع و تحولاته.

أما تصريح صاحبه، فيمنح الإصدار وجهًا آخر؛ وجه الباحث الذي يحمل مشروعه العلمي وسط الحياة بكل ما فيها من تعب و أمل، و يختصر رحلته في كلمات صادقة: «الصبر والتعب، والألم والأمل…».

و ربما هنا تكمن إحدى أجمل دلالات الكتاب: أن بعض الإصدارات تُقرأ بما تحمله صفحاتها من أفكار، و أخرى تُقرأ أيضًا بما تختزنه خلف صفحاتها من رحلة إنسانية في سبيل أن ترى الفكرة النور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist