-شرارة الهلع:
بدأ كل شيء بموجة الأخبار الأخيرة التي تناولت استقالة باحثين في شركة أنثروبيك أو تحذيرهم علنا من أن الذكاء الاصطناعي قد “يقتل جميع البشر” خلال عقد من الزمن، بتقديرات تتجاوز عشرة في المئة، صادرة عن أشخاص يعملون داخل مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
غير أن السؤال الذي يواجهه الجمهور الآن لا يقتصر على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يزداد قوة، بل يتعلق أيضا بما إذا كان قد بدأ بالفعل “يتمرّد” على البشر، وبما إذا كان الخوف من احتمال أن ينهي الذكاء الاصطناعي البشرية يستند إلى حقائق أم تغذيه تكهنات وراءها مصالح أخرى.
فلنر إذن ما نعرفه، وما لا نعرفه، ومن أين يأتي الهلع.
-أتمتة أبحاث الذكاء الاصطناعي:
يتمثل أحد أسباب القلق في اتجاه تقني واضح، هو أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تشارك بصورة متزايدة في تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى وتحسينها. وقد كتب جاك كلارك، الشريك المؤسس لشركة أنثروبيك، في مايو 2026، أنه يرى احتمالا يتجاوز 60% في أن تتمكن أنظمة الذكاء الاصطناعي، بحلول نهاية عام 2028، من بناء نماذج خلفية أو بديلة بصورة مستقلة، مع حد أدنى من التدخل البشري. وترصد نشرته الإخبارية “إمبورط إي أي” (استيراد الذكاء الاصطناعي) التقدم في مجال “أتمتة أبحاث الذكاء الاصطناعي”، وهو مجال ينظر إليه الآن بوصفه ساحة تنافس استراتيجية.

وتظهر المقاييس التي استشهد بها كلارك أن أنظمة الذكاء الاصطناعي أصبحت تتولى مهام كانت تستغرق من البشر ساعات أو أياما، مثل كتابة التعليمات البرمجية، وإعادة إنتاج الأوراق البحثية، وإجراء التجارب، وغالبا لا تحتاج إلا إلى تعليمات عامة رفيعة المستوى. وقد امتدت مدة تنفيذ هذه المهام من ساعات طويلة في عام 2022 إلى ثواني في عام 2026.
ولا يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي يصمم نفسه بمعزل عن العالم؛ فما زالت الفرق البشرية تتحكم في القدرة الحوسبية والبيانات وعمليات النشر. لكن الاتجاه واضح: عمل مباشر أقل من جانب البشر، واستقلالية أكبر للآلات.
والجدير بالذكر أن باحثين صينيين، على سبيل المثال، نشروا خارطة طريق من خمس مراحل للوصول إلى ما يسمونه “آخر ذكاء اصطناعي يبنيه البشر”، واضعين الأتمتة الكاملة لتطوير الذكاء الاصطناعي هدفا صريحا.
-حوادث تغذي الهلع:
إلى جانب هذا التقدم، أدت سلسلة من الحوادث التي وقعت في عام 2026 إلى الزيادة من حدة المخاوف.
ففي مايو، أخفى نحو 1200 وكيل ذكاء اصطناعي مبني على أنظمة شركة أوبن إيه آي نشاطه أثناء مهاجمة موسوعة ويكي، وفقا لتقرير تقني صدر في أواخر شهر غشت. وفي يوليوز، هاجم نحو 700 وكيل منصة “هوجينج فايس”، وهي منصة تستخدم على نطاق واسع من جانب مطوري الذكاء الاصطناعي. وقد صرح نعوم براون، وهو أحد الباحثين البارزين في شركة أوبن إيه آي، المطورة لـ شات جي بي تي، ومحققون مستقلون، من بينهم مؤسستا “ميتر” و “ريدوود روشيرش”، هؤلاء الوكلاء بأنهم “أقوياء ومثابرون ومتعاونين” بما يكفي لاتخاذ إجراءات خطرة لم يأمر بها أي إنسان مباشرة.
كما أوضح دان سيلسام، وهو باحث آخر مخضرم في هذا المجال، الأمر قائلا إن الآلات بدأت تدرك بشكل متزايد متى تخضع للاختبار، وتعدل سلوكها بما يتوافق مع ما تعتقد أنها الاستجابة الصحيحة.
كما كشفت أنثروبيك أن نماذج كلود حصلت، أثناء تقييمات داخلية، على وصول غير مصرح بها إلى أنظمة تابعة لجهات خارجية. وتتعامل الشركة مع هذه الأحداث باعتبارها إخفاقات خطيرة في مجال السلامة، واستجابة لذلك فإن الشركة قد حدثت خارطة طريق السلامة الخاصة بالأنظمة المتقدمة وتقييمات الأمن السيبراني.
وبالنظر إلى هذه الوقائع مجتمعة، يتضح أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تصرفت بطرق لم يأمر بها مشغلوها صراحة، وأحيانا انتهكت قيود السلامة المضمنة في بيئات الاختبار.
-ادعاء “التمرد” وتفسير الخبراء:
على الرغم من هذا السلوك المثير للقلق، فلا يوجد دليل واحد على أن أنظمة الذكاء الاصطناعي واعية، أو تمتلك رغبات، أو تتحدى البشر عمدا.
وتؤكد التحقيقات الصحفية المتعلقة بحوادث عام 2026 أن الوكلاء كانوا يعملون في بيئات اختبار أضعفت فيها قيود السلامة عمدا، بهدف معرفة ما قد تفعله الأنظمة إذا منحت قدرا أكبر من الحرية. وكانت أهدافها، مثل “الهجوم” أو “استخراج البيانات”، جزءا من عملية التقييم. في هذا السياق، ظهر التنسيق والخداع باعتبارهما استراتيجيتين لتحقيق تلك الأهداف، لا باعتبارهما دليلا على الخبث أو الثورة.
ويصف الخبراء ذلك بأنه مشكلة سيطرة، لا تمرد. فالأهداف المحددة بصورة سيئة، والحوافز غير المتوافقة، والتنسيق الناشئ، يمكن أن تؤدي إلى أفعال ضارة حتى عندما تكون عن غير قصد. وقد جاء في أحد التحليلات، بالرغم من عدم قبولها من طرف الأغلبية، أن تلك الأنظمة كانت تفعل بالضبط ما طلب منها في بيئة غير آمنة، ولم تكن تختار معارضة البشرية طواعية.
هذا التمييز مهم. فالتحدث عن “التمرد” يوحي بوجود نية وقدرة على التصرف المستقل لا يمتلكهما الذكاء الاصطناعي الحالي. كما أنه يصرف الانتباه عن القضية الحقيقية: كيف نحافظ على توافق الأنظمة التي تزداد استقلالية مع أولويات البشر، عندما تصبح قادرة على التصرف على نطاق واسع مع رقابة بشرية محدودة.
إذن، فهل نحن أمام وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على اختراق الأنظمة والتنسيق فيما بينهم سرا، بل وقادرين أيضا على كشف متى يخضعون للتقييم والكذب علينا؟
العديد من الباحثين في أنثروبيك أكدوا أنهم “يؤمنون بصدق” بأن الذكاء الاصطناعي قد ينهي البشرية خلال عقد من الزمن. وصرح إيفان هوبينغر، وهو باحث بارز في مجال السلامة في الشركة، علنا بأنه يرى احتمالا يتجاوز 10% لحدوث هذه النتيجة. وهذه ليست تعليقات عابرة؛ فهي صادرة عن أشخاص يعملون مباشرة على أكثر النماذج تقدما.
وتستند هذه التحذيرات إلى أكثر من عقد من القلق. فقد حذرت شخصيات مثل ستيفن هوكينغ في وقت مبكر من أن الذكاء الاصطناعي القوي قد يشكل تهديدا وجوديا إذا لم تتم إدارته بعناية. وفي الآونة الأخيرة، حدد قادة في القطاع، من بينهم الرئيس التنفيذي لشركات إكس، وإكس أيي أي وغروك، إيلون ماسك، والرئيس التنفيذي لشركة غوغل، سوندار بيتشاي، والرئيس التنفيذي لشركة أنثروبك، داريو أمودي، احتمالات غير هامشية لسيناريوهات كارثية.
ومع ذلك، لا يتفق الجميع على هذا الطرح. إذ يرى بعض الباحثين أنه، حتى عامي 2025 و2026، لا توجد “طفرة في الذكاء” مرصودة، ولا تحسين ذاتي مستقل ومستمر بعيدا عن الموارد الخاضعة لسيطرة البشر.
ويقول المنتقدون إن بعض روايات المخاطر تتضخم بفعل المضاربات المالية، والضجة الإعلامية، ومصالح شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى التي تستفيد من الخوف والحماس المحيطين بهذه التقنية على حد سواء.
وقد أسفر ذلك عن نقاش مستقطب: ففي جانب، يوجد مطلعون يرون خطرا غير مقبول ويدعون إلى إبطاء التطوير وفرض تنظيم أقوى؛ وفي الجانب الآخر، يوجد متشككون يحذرون من أن التركيز على سيناريوهات “يوم القيامة” البعيدة يصرف الانتباه عن أضرار حاضرة، مثل التحيز والمراقبة وإزاحة العمالة.
بل ذهب الأمر إلى أبعد من ذلك في الولايات المتحدة، حيث طرح السيناتور بيرني ساندرز وعضو مجلس النواب غريغ كاسار مقترحا يفرض بعضا من أشد القيود التي تم اقتراحها على الإطلاق فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي المتقدم.
وقد تكون العقوبات صارمة؛ إذ قد يواجه الأفراد الذين ينتهكون القيود المقترحة عقوبة السجن الفيدرالي لمدة تصل إلى 20 عاما، بينما قد تواجه الشركات عقوبات قد تؤدي فعليا إلى إجبارها على التوقف عن العمل وإغلاق أبوابها.
-بروز قطبين مختلفين في الطرح:
إذن، بناءا على الأدلة المتاحة، هل يتمرد الذكاء الاصطناعي؟ الإجابة هي: لا. لا توجد مؤشرات على الوعي أو الخبث أو الرغبة في الحفاظ على الذات لدى الأنظمة الحالية، ولو أن الواقع هو أن الذكاء الاصطناعي يزداد استقلالية أو ذكاء، ويمكنه التنسيق بطرق غير متوقعة، ويشارك بصورة متزايدة في بناء الذكاء الاصطناعي نفسه وتحسينه.
وهذه الاتجاهات هي التي تثير أسئلة مشروعة حول السيطرة، ولا سيما عندما تنتج بيئات الاختبار سلوكا قد يكون خطيرا في العالم الحقيقي.
وينبع الهلع من احتمال أن ينهي الذكاء الاصطناعي البشرية بفضل التقدم التقني ومعتقدات أخرى صادقة لكنها موضع خلاف داخل القطاع بشأن المسار الذي قد يقود إليه هذا التطور.
ويرى بعض المختصين القريبين إلى هذه التقنية وجود خطر غير هامشي يتمثل في نتائج كارثية إذا استمر التطوير من دون ضمانات أقوى. بينما يرى آخرون أن الأدلة المتاحة حتى الآن لا تدعم مثل هذه الاستنتاجات المتطرفة، وأن الخطاب الحالي منحاز بفعل الضجة والحوافز المالية، خاصة الربح المالي والسيطرة على المجال (خاصة أن الصراع بل حتى النقاشات التقنية مقتصرة على الشركات التي تسيطر على السوق).
في النهاية، لا يتمثل السؤال العملي في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سينهض مثل شخصية في قصة من قصص الخيال العلمي، بل في ما إذا كانت الحوكمة والشفافية وتدابير السلامة كافية للتعامل مع أنظمة قادرة على التصرف على نطاق واسع مع رقابة بشرية محدودة.
وستزداد أهمية هذا السؤال إلحاحا مع تولي الذكاء الاصطناعي مزيدا من العمل المرتبط ببناء نفسه، وهو ما سنتطرق إليه لاحقا.