صباح هذا اليوم، استوقفتني في أحد شوارع تطوان امرأة ترتدي قبعة شمسية تحمل أحد رموز حزب إحدى المرشحات، وكانت توزع أوراق الحملة الانتخابية على المارة.
مدت يدها نحوي بورقة، فأخذتها وسألتها بعفوية: من هو هذا الحزب؟
نظرت إلي وقالت، دون تردد: “لا أعرفه”.
سألتها: وهل ستصوتين له؟
أجابت: “لا، أنا أريد حزبا آخر. لدي أمل أن يكون أفضل وأن يصنع التغيير الذي نحلم به”.
كان إلى جانبها امرأة أخرى، دخلت معنا في الحديث، فقالت إنها لن تشارك في العملية الانتخابية أصلا ، وإن وجودها في الحملة ليس تعبيرا عن قناعة سياسية، وإنما هو عمل تؤديه مقابل أجر طوال فترة الحملة.
لحظة صغيرة، عابرة في شارع من شوارع تطوان، لكنها بدت لي أكبر من مجرد حديث عادي بين ثلاثة أشخاص. ففي كلمات المرأتين اختصرت مسافة طويلة بين الحملة الانتخابية والناخب؛ بين الأوراق التي توزع في الشوارع، والبرامج التي يفترض أن تقنع الناس، وبين الشعارات التي تملأ الفضاء العام والأسئلة التي تبقى معلقة في ذهن المواطن.
نحن أمام مفارقة تستحق التأمل: امرأة تحمل رمز حزب وتوزع منشوراته، لكنها لا تعرف الحزب الذي تحمله، ولا تنوي التصويت له. وامرأة أخرى تشارك في المشهد الانتخابي من موقع العامل المأجور، لكنها تقول بوضوح إنها لن تشارك في الاقتراع.
قد تبدو هذه الواقعة محدودة، ولا يمكن بالطبع تحويلها وحدها إلى حكم على مزاج مدينة بأكملها أو على اتجاه الناخبين جميعا ، لكنها تكشف شيئا من طبيعة العلاقة التي أصبحت تربط جزءا من المواطنين بالمشهد الانتخابي: علاقة يختلط فيها العمل السياسي بالطقس الانتخابي، وتصبح فيها الحملة احيانا مجرد حركة في الشارع أكثر منها لحظة لإقناع المواطن وإعادة بناء ثقته.
تطوان، مثل غيرها من المدن المغربية، تعيش هذه الأيام إيقاع الحملة الانتخابية استعدادا لاقتراع 23 شتنبر الجاري. وعلى مستوى الدائرة الانتخابية لتطوان، يتنافس المرشحون على خمسة مقاعد بمجلس النواب، وسط حضور عدد من الأسماء التي سبق أن خاضت الاستحقاقات الماضية، إلى جانب وجوه وأحزاب أخرى تدخل السباق بحثا عن تغيير موازين القوى.
وعلى المستوى الوطني، أعلنت وزارة الداخلية إيداع 1850 لائحة ترشيح تضم 7288 مرشحا، بمشاركة 28 حزبا وتحالفات حزبية، وهو ما يعكس كثافة العرض الانتخابي على مستوى الترشيحات.
لكن كثرة اللوائح والأسماء لا تعني بالضرورة ارتفاع الحماس لدى الناخب. فالمشكلة الأعمق ليست في عدد المرشحين، وإنما في قدرة السياسة على استعادة المواطن الذي ابتعد عنها، وإقناعه بأن صوته لا ينتهي في صندوق الاقتراع، بل يمكن أن يكون بداية لمحاسبة من اختارهم.
ولعل أكثر ما يلفت في المشهد الانتخابي الحالي هو هذه المسافة بين الأمل واللامبالاة. فإلى جانب مواطنين ما زالوا يؤمنون بأن التغيير ممكن عبر صناديق الاقتراع، هناك آخرون فقدوا الثقة قرروا عدم المشاركة، أو أصبحوا ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها موسما عابرا ينتهي بانتهاء الحملة.
وهنا لا يعود السؤال فقط: من سيصوت لمن؟
بل يصبح السؤال الأعمق: لماذا يصوت المواطن أصلا؟ وماذا ينتظر من صوته؟ وهل ما زالت البرامج والوعود قادرة على استعادة ثقته، أم أن تراكم التجارب السابقة جعل جزءا منه أكثر حذرا ، وأقل استعدادا لمنح ثقته بسهولة؟
لقد أظهرت نتائج انتخابات سابقة في تطوان أن الخريطة الانتخابية نفسها قابلة للتغير من محطة إلى أخرى، وأن مواقع الأحزاب والأسماء ليست ثابتة بالضرورة. وهذا يعني أن الصندوق يمكن أن يحمل مفاجآت، وأن الناخب يظل في النهاية صاحب القرار في تحديد من يمثله.
لكن قبل أن يصل الناخب إلى الصندوق، هناك معركة أخرى أكثر عمقا: معركة استعادة الثقة.
فالديمقراطية لا تقاس فقط بعدد مكاتب التصويت ولا بعدد المرشحين واللوائح، وإنما أيضا بمدى شعور المواطن بأن صوته مسموع، وأن اختياره مؤثر، وأن الوعود الانتخابية ليست مجرد كلمات مؤقتة تنتهي صلاحيتها بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
وربما لهذا بدت لي تلك المرأة، وهي تحمل قبعة الحزب وتوزع منشوراته دون أن تعرفه، صورة مكثفة لمفارقة الانتخابات نفسها: الكثير من الأوراق، الكثير من الشعارات، الكثير من الوجوه… لكن في الجهة الأخرى مواطن يبحث عن سبب حقيقي يجعله يؤمن بأن مشاركته تستحق العناء.
قد لا يكون العزوف قدرا محتوما، ولا يمكن استنتاج نسب المشاركة من مشاهد الشارع وحدها. لكن كلما اتسعت المسافة بين المواطن والسياسة، أصبحت الانتخابات مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بأن تجيب عن سؤال بسيط وصعب في آن واحد: ماذا سيجد المواطن بعد أن يضع صوته في الصندوق؟
فالمشكلة في النهاية ليست أن المواطن لا يعرف أسماء الأحزاب فقط، وإنما أن السياسة نفسها مطالبة بأن تجعل المواطن يعرف لماذا يهمه أن يعرفها.