في 24 شتنبر 1869، استيقظت الأسواق المالية الأمريكية على واحدة من أعنف الصدمات التي عرفتها وول ستريت في القرن التاسع عشر، بعدما انهار سعر الذهب بشكل مفاجئ، إثر انكشاف محاولة ضخمة لاحتكار سوق الذهب وتحقيق أرباح هائلة من المضاربة.
القصة بدأت قبل ذلك بأسابيع، عندما شرع المضاربان جاي غولد وجيمس فيسك في شراء كميات كبيرة من الذهب بهدف تقليص المعروض في السوق ودفع الأسعار إلى مستويات قياسية، قبل إعادة بيع ما بحوزتهما بأسعار مرتفعة. واستفادا في ذلك من شبكة واسعة من العلاقات المالية والسياسية.
ومع توالي عمليات الشراء، أخذ سعر الذهب في الارتفاع بسرعة، وتحولت سوق الذهب في نيويورك إلى مسرح لمضاربات محمومة، وسط اعتقاد متزايد بأن المضاربين أصبحوا قادرين على التحكم في حركة السوق.
لكن الخطة اصطدمت بعامل لم يكن المضاربون قادرين على تجاهله: الحكومة الأمريكية كانت تمتلك احتياطيا من الذهب يمكنها طرحه في السوق لزيادة المعروض وكبح الأسعار.
وفي 24 شتنبر، بلغ التوتر ذروته. فقد قفز سعر الذهب خلال ساعات من نحو 143 دولارا إلى 150 دولارا، قبل أن يقترب من 162 دولارا، في واحدة من أكثر موجات المضاربة جنونا في تاريخ السوق الأمريكية.
ثم جاء القرار الذي قلب المشهد رأسا على عقب.
فبعد أن أدرك الرئيس أوليسيس غرانت خطورة الوضع، سمح لوزير الخزانة جورج بوتويل بطرح كمية كبيرة من الذهب الحكومي في السوق. وما إن وصلت أخبار التدخل الحكومي إلى المتعاملين حتى انقلبت موجة الصعود إلى موجة بيع عاصفة.
وخلال وقت قصير، تراجع سعر الذهب من مستويات تقارب 160 دولارا إلى نحو 135 دولارا، لتتحول الأرباح الورقية الهائلة التي حققها المضاربون إلى خسائر ضخمة، وتنتقل العدوى إلى أسواق الأسهم والسلع.
ولم يكن الانهيار مجرد مشكلة تخص المضاربين. فقد أصابت الصدمة عددا من الوسطاء والشركات، واضطربت تجارة الحبوب، وتعرضت قطاعات من الاقتصاد الأمريكي لخسائر كبيرة. وقدرت الخسائر المرتبطة بانهيار الذهب والأسهم بنحو 100 مليون دولار آنذاك.
وسرعان ما التصق بالحدث اسم «الجمعة السوداء»، ليصبح رمزا مبكرا لمخاطر المضاربة الجامحة ومحاولات السيطرة على الأسواق المالية.
وأثارت الأزمة، في ما بعد، تحقيقات في الكونغرس الأمريكي بشأن طبيعة المخطط والعلاقات السياسية التي أحاطت به. ورغم عدم توجيه اتهامات جنائية إلى غولد وفيسك، كشفت القضية عن مدى هشاشة الأسواق أمام تداخل المال والنفوذ والمعلومات السياسية.
وهكذا، لم تكن «الجمعة السوداء» مجرد انهيار مفاجئ لسعر الذهب، بل كانت واحدة من أولى الأزمات التي كشفت الوجه شديد الخطورة للمضاربة المالية: حين يتحول السعي إلى السيطرة على السوق إلى مقامرة يمكن أن تهز اقتصادا بأكمله.