لم يكن عزوفاً عن الوطن… بل عن الطريق إليه

عبدالحميد البجوقي

باستثناء واجب التصويت، الذي مارسته هذه المرة كما في كل مرة عن قناعة ومسؤولية، لم تكن لديّ نية الخوض في نتائج هذه الانتخابات أو الإدلاء برأي فيها. آثرت، عن وعي أن آخذ مسافة من هذا النقاش على مستوى التعبير، وأن أترك للأرقام ونسبة المشاركة، وللمشهد العام أن يُفصح عن تفسير لها. لكن ثقل الشعور بالمسؤولية، وما تُثيره اللحظة من أسئلة تتجاوز نتائج الاقتراع نفسها، جعل الصمت يبدو لي أقلّ مسؤولية من هذه التدوينة.
تبدو نتائج الانتخابات التشريعية المغربية، في جانب منها، كأنها مرآة صامتة لشيء أعمق من مجرد أرقام الصناديق.
مُشاركة لم تتجاوز 38.02%، ليست رقماً عابراً، إنها رسالة سياسية واجتماعية عن اتساع المسافة بين جزء كبير من المواطنين، وخاصة الشباب، وبين النخب والأحزاب وآليات التمثيل التقليدية.
لكن من السذاجة اعتبار أن هذه المسافة بدأت يوم الاقتراع. كانت هناك إشارات في الطريق، احتجاجات شبابية لم تُقرأ بما يكفي، وأسئلة متراكمة حول العمل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، وذاكرة احتجاجات الريف التي ما تزال مثقلة بجراح لم تُغلق، وبمعتقلي رأي واحتجاج سلمي ما زالوا خلف القضبان. ثم جاء مشهد الهجرة الجماعية نحو سبتة في نهاية يوليوز الفارط، بما حمله من يأس ورغبة في الرحيل قبل أن يكون مجرد محاولة لعبور الحدود. وحتى حين اختلفت القراءات حول دوافع تلك الأحداث وأرقامها، فإنها جميعاً كانت تقول شيئاً واحداً، هناك مجتمع يرسل إشارات متتالية، ولا يجوز التعامل معها كأحداث معزولة.
لقد كان ذلك، في جوهره، جرس إنذار اجتماعي وسياسي، لا ينبغي أن يمر بلا تأمل، لأن المجتمعات لا تصل فجأة إلى لحظة العزوف، بل تصل إليها عبر تراكم طويل من الأسئلة التي لم تجد من يصغي إليها، ومن الأصوات التي ظلت تبحث عن باب مفتوح.
المشكلة ليست فقط في الشباب الذي لم يذهب إلى الصندوق، بل ربما في النخب التي لم تذهب بما يكفي إلى حيث يوجد الشباب، إلى أسئلتهم ومخاوفهم وأحلامهم ولغتهم الجديدة. هناك فاعلون سياسيون ما زالوا يتصرفون كأن الزمن توقف عند خطاب الأمس، بينما تغيّر الشارع وتغيّرت أدوات التعبير، وتغيّر معنى المشاركة نفسه.
مع ذلك، لا أرى في هذا المشهد نهاية الطريق.
في العتمة أيضاً كانت هناك نقاط ضوء، وشموع ورسائل تقول إن المجتمع لم يفقد رغبته في المستقبل، وربما يكون عزوف اليوم بالنسبة إلى جيل جديد، ليس لامبالاة كما يُتهم، بل بحثاً مُرتبكاً عن معنى آخر للمشاركة والثقة.
لذلك لا أريد أن أتهم جيلاً بأنه لا يُبالي، ربما نحن الذين لم نُحسِن الإصغاء إليه.
الشباب الذين حلموا بالوطن من وراء الحدود، والذين خرجوا إلى الشارع محتجين، والذين امتنع بعضهم عن الذهاب إلى الصندوق، ليسوا بالضرورة جيلاً هارباً من المغرب، قد يكونون على العكس، جيلاً يبحث عن مغرب يستطيع أن يرى نفسه فيه.
والأمل، رغم كل شيء، ما زال هناك… مثل شمعة لم تنطفئ بعد، وبقليل من الجهد تناسلت وضاعفت حضورها بما يبعثُ الأمل..

– عبدالحميد البجوقي 09/25/ 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist