التجربتين الشيلية والكولومبية نموذجا :
في ظل النقاش المتواصل حول واقع التعليم العمومي وآفاق إصلاحه، يفتح هذا المقال نافذة على تجربة مختلفة من أمريكا اللاتينية، من خلال قراءة في النموذج الكوبي وما اعتمده من اختيارات في مجال محاربة الأمية، ومجانية التعليم، وتكوين المدرسين، وتعميم الولوج إلى الجامعة. ويطرح المقال أسئلة حول إمكانية الاستفادة من هذه التجربة من خلال التفكير في إصلاح التعليم العمومي، بعيدا عن منطق تسليعه وخوصصته
—–الحلقة الثانية—–
التجربة الشيلية في مواجهة السياسات النيوليبيرالية المتوحشة في قطاع التعليم
ومقارنة بين وضعي المغرب والشيلي فيما لهم من خصوصيات مشتركة فيما يخص النضال من أجل قضية التعليم باعتبارها أحد الأوجه البارزة للتناقض القائم بين النظام المخزني وجماهير الشعب.
لقد عرفت الشيلي بعد العقود الأولى من سقوط الحكم العسكري المطلق (سنة 1990)، ودخولها الى نظام سياسي هجين حال مغرب بعد الانتقال الديمقراطي المعاق والعدالة الانتقالية وطي صفحة الماضي…
ثانيا، كما المغرب، كانت الشيلي مختبر لتطبيق وصفات السياسات النيو-ليبيرالية المتوحشة خاصة في القطاعات الاجتماعية ومنها على وجه الخصوص قطاع التعليم. والحال هنا، أن القوى السياسية الخائفة من عودة البلد لسنوات القمع قد قامت بتحالف مع بقايا ” البينوشية ” مما أدى إلى قمع وتجاهل مطالب المجتمع السياسية والاجتماعية. وبالمغرب يمكن استحضار انهيار الكتلة الديمقراطية في انصهار مكوناتها مع النظام المخزني وفقدانها لاستقلاليتها ووهجها. والنتيجة حالة من اللامساواة والميز التعليمي وتشجيع منطق السوق انعكاس هذا المعطى الاقتصادي على الواقع الاجتماعي مما أدى إلى ما يشبه ”بالابارتايد ” ما بين أطفال وشباب مجتمع واحد انطلاقا من مستواهم العائلي والمادي.
ولقد انتج هكذا وضع في الشيلي ردة فعل جماهير الطلبة و التلاميذ عبر ابتكار أشكال تنظيمية جديدة على المستويات المحلية و الوطنية سنة 2006، بانتفاضتهم ضد أشكال العمل النقابي القديمة من تراتيبة و تمثيلية، و استبدالها عبر سلطة الجمع العام و التدافع الفكري بين مختلف الفصائل اليسارية المناضلة داخل هاته الحركة وصلت إلى حد خلق اجماع وطني حول قضية التعليم و فرض مطلبهم على رئيسة الجمهورية التي كانت إلى تلك الحدود ترفض أي مطلب من ذلك النوع، بل مكن الحركة الطلابية الشيلية من اعادة بناء مفهوم الممارسة السياسية في سياق دولة استبدادية، فقد تمكنت من تأسيس مفهوم جديد” المواطنة الفاعلة هو أعمق من أن تقدم الدولة تنازلا في ما يخص قضية التعليم كمؤطر للنقاش و التشاور وديمقراطية القرار والتقرير.
كما ان احدى المعارك الناجحة والتي تطورت تدريجيا في كولومبيا والتي تدحرجت ككرة الثلج ليحتضنها مجتمع منصت لنبض أساتذته وطلابه من اجل الدفاع سويا عن تعليم شعبي ديمقراطي استطاع ان يكون للمجتمع فيه صوت مسموع وتأثير خاص لتغليب موازين القوى حماية للتعليم العمومي وللمدرسة والجامعة العمومية من اختراق منطق السوق والتصدي لخوصصة المؤسسات التعليمية العمومية وتحصين مكتسب مجانية التعليم والدفاع المجتمعي المشترك طلابا واساتذة واباء وامهات مع باقي افراد المجتمع ، كانتفاضة شعبية كولومبية ضد اختراق النظام النيوليبرالي نظامها التعليمي وكمعارك رائدة لليسار اللاتيني وسنحاول في ما يلي التطرق لأهم محطاتها النضالية.
التجربة الكولومبية ونضالات اساتذة التعليم من اجل ارساء الديمقراطية
لقد شكل تطور حركة الراديكالية للاساتذة وممارستها من خلال الحركة التعليمية الكولومبية Movimento Pedagogico en Colombia (CPM) تعبيرا مؤسساتيا وسياسيا لقوة التعليم النقدي والتي التي تشكلت سنة 1982 من خلال Federacion Colombiana de Educadores (اتحاد الاساتذة الكولومبين) واللتي استطاعت توحيد ازيد من 200000 معلم في مؤسسات التعليم العمومية. لقد ساهمت الظروف التي سهلت ظهور هذه الحركة المتزامنة مع نمو الحركات الاجتماعية وبدايات فرض نظام تعليمي “عصري”.
ولقد كان لدى اتحاد الاساتذة الكولومبين رؤية بديلة للاستاذ كعامل حيث ان الاتحاد ينبغي اختزاله إلى مجرد مدافع عن حقوق خاصة بالاساتذة بقدر ما كان يدفع في اتجاه تطوير مشروع تربوي سياسي بمحتوى وطني وديمقراطي في خدمة تحرير البلاد والثورة الاجتماعية وخلق حوار سياسي ونظري بين النقابيين اليساريين والمثقفين والباحثين في علوم التربية والتعليم.
ويتم اعتبار دور الاستاذ اساسيا في تعزيز التفكير النقدي والممارسة التي بنيت من الخبرات والاحتياجات الملموسة للمجتمعات التي تأسست فيها المدرسة.كما لا يمكن فصل التدريس عن البحث بل العمل على تكامله من خلال إنشاء حوار معرفي يعمل الاساتذة على تيسيره بين الاساتذة و الطلاب والأسر والباحثين والجهات الفاعلة الأخرى حتى يكون التعليم مفيدًا للفئات المضطهدة كما تبنتها وثائق الحركة التعليمية الكولومبية Fundamentos y Propositos del Movimento Pedagogico (1984)، اذ “يمكن للاساتذة أن يصبحوا جزءًا من قوى ثقافية مستقلة نسبيًا عن سلطة رأس المال والدولة بحيث هناك الكثير مما يمكن وينبغي القيام به في مجال العمل الثقافي السياسي”
كما اشارت وثائق الحركة التعليمية الكولومبية ان الصلة بين علوم التربية التدريس والسياسة قائمة على فهم الوعي المرتبط حسب تحليل غرامشي. هنا يتم تصور الذاتية التجربة كمتناقضات، تنسج معًا عناصر الحس المشترك والسليم ” common and good sense”. إن اجزاء “good sense” الحس السليم هي الأساس التربوي الذي يمكن من خلاله أن تظهر شروط التفكير الجماعي والنقدي في الممارسة. والأهم من ذلك أن هذا المشروع السياسي التربوي تعامل المربين على أنهم مثقفون يعترفون بمعرفتهم وحكمتهم. وقد عمل ذلك على استعادة هويتهم السياسية والمهنية ودعم انتزاعهم للحق في أن يكونوا خاضعين للسياسة التعليمية وعاملين رئيسيين في الإصلاحات التعليمية. مما رفع من منسوب كرامة الاساتذة وإعلاء صوتهم. ولقد دعمت الحركة التعليمية الكولومبية ارساء ممارسات تربوية يمكن من خلالها تعزيز الفهم المستقل والنقدي للتعليم، وعلوم التربية والتعليم. وقد مكن هذا أن يلعب الاساتذة دورا رئيسيًا في السياسة التربوية والتحول وتطوير مفاهيمهم الخاصة عن التعليم والتعلم ودور المدارس. واعتبار المربي النقدي مفكرًا عضويًا قادرًا على رعاية ظروف الفكر الجماعي. والأهم أن الحركة احترمت حق الاختلاف والتعددية في ممارسة هذا المشروع التربوي السياسي مما شكل تراثًا ثقافيًا وسياسيًا وإبستمولوجيًا وأخلاقيًا حول مبادئ وممارسات التعددية والحوار التي ستنشأ عنها النضالات التعليمية للقرن الحادي والعشرين ضدا على الهيمنة التعليمية الراسمالية
ولقد أدى هذا الحوار المعرفي إلى نقد في ممارسة الاستبداد في السياسة، ونقد علوم التربية، وخلق المعرفة، وبدلاً من ذلك عزز اعادة الاعتبار للذات التعليمية ودمقرطتها افقيا، وعزز العلاقات الاجتماعية، والمشاريع السياسية التربوية. كما عرفت مواضيع المعرفة وأشكال المعرفة وطرق إنتاج المعرفة قطيعة مع سياسات الاستعمار الرأسمالي البتريركالي من خلال تبني التعددية وتهيئة الظروف للاختلاف الجذري و “الغيرية”. ان هذا الموروث والممارسات والمعرفة والتقاليد في علم البيداغوجيا النقدية، والأستاذ ذو الحس النقدي يعتبر تاريخا مخفيا يساعدنا على فهم ظهور وإبداع وتوطيد حركة الطلاب الكولومبيين في القرن الحادي والعشرين
نضال الحركة الطلابية الكولومبية و من اجل انبعاث الحياة الديمقراطية
ظهرت الحركة الطلابية الكولومبيةMesa Amplia Nacional Estudiantil (MANE)، على المسرح السياسي الوطني في مارس 2011 احتجاجًا على الإصلاح المقترح تحت مسمى “القانون رقم 30” المتعلق بخوصصة مؤسسات التعليم العالي. ولقد اقترح “القانون رقم 30” إنشاء مؤسسات مختلطة ومؤسسات التعليم العالي هادفة للربح profit-making، والتي من شأنها تعزيز دور القطاع الخاص في التعليم العالي استمرا تآكل دعم الدولة للتعليم العالي العمومي. وطرحت الحركة الطلابية الكولومبية التناقضات في صياغة قانون التعليم باعتباره حلقة الوصل لإمكانية التقدم والتنمية والكرامة في عصر العولمة. ولقد أثر الاقصاء المستمر لفئات كبيرة من المجتمع الكولومبي من الوصول إلى التعليم العالي على الطلاب الفقراء، وتزايد مديونية المواطنين الاكثر فقرا بمحاولتهم الولوج إلى التعليم العالي، وكما ساهمت الانقسامات المتزايدة في جودة التعليم بشكل خاص مما فضح الشرخ القائم بين خطاب الحكومة والواقع المعاش.
ولقد تركز نضال الحركة الطلابية الكولومبية ضد الإصلاح بلغة ديمقراطية التي اعتبر فيها التعليم كمنفعة عامة يجب أن يكون لكل الكولومبيين الحق في الحصول اليه مجانا دون مقابل. وهكذا، تمكنت الحركة الطلابية الكولومبية من الجمع بين قطاعات كبيرة من المجتمع بما في ذلك الطلاب من جميع أنحاء قطاع التعليم العالي، وطلاب المدارس الثانوية، وعائلاتهم، والنقابات، والمنظمات غير الحكومية، والمعلمين، والحزب السياسي “القطب الديمقراطي”. على الرغم من محاولات حكومة سانتوس نزع الشرعية وتجريم التحركات الجماهيرية عندما كانت في أوجها بين مارس ونوفمبر 2011، الا ان الحركة استمرت في جذب دعم شعبي واسع النطاق.
ولقد تبنت الحركة الطلابية الكولومبية ملفا مطلبيا متكاملا ضم مجموعة من المحاور كبرنامج الحد الأدنى المتفق عليه في الاجتماع الوطني لغشت 2011:
- معارضة تمويل القطاع الخاص للتعليم العالي الذي اقترحه “القانون رقم 30″، موضحين ان التعليم حق لتمكين التنمية الوطنية والديمقراطية التي يجب أن توفرها الحكومة مجانًا كما رفضت كل اشكال الخوصصة للخدمات العامة.
- وركزت الحركة على تعزيز استقلالية الجامعات من خلال ضمان الحق في انتخاب إدارتها، وتحديد مناهجها وتوجهاتها البحثية، وتحديد معايير الجودة الخاصة بها بشكل جماعي، وبالتالي رفض أنظمة التقييم والتصنيف الدولية المطبقة من طرف الحكومة والتي نعتت على أساس انها جزء “الثورة التعليمية”.
- تضمنت مطالب الكرامة والعيش الكريم توفير جميع الخدمات التعليمية والاجتماعية، بما في ذلك صحة وإسكان ورياضة بالجامعة لضمان رفاه الطلاب.
- دعم حقوق العاملين بالجامعة من خلال ضمان العقود الدائمة وتوظيفهم من قبل الجامعة وليس الشركات الخاصة.
- كما طالبت الحركة الطلابية باحترام حقوق الإنسان والمشاركة الديمقراطية في الحرم الجامعي ورفضت عسكرة ووجود قوات الأمن في الحرم الجامعي.
- في العلاقة بين الجامعة والمجتمع طالبوا بربط رسالة الجامعة وممارستها باحتياجات المجتمع الكولومبي من خلال اعتماد نموذج تعليمي جديد يناقش ويولد بدائل فيما يتعلق بالمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تواجهها كولومبيا.
خلال الفترة 2003-2006، تم تطوير عمليات التنظيم المحلي هذه على المستويين الإقليمي والوطني من خلال Coordinadora Nacional de Estudiantes Universitarios (CNEU). منذ عام 2007، تم تنظيم اجتماعات وطنية لتنسيق سلسلة من التعبئة التي ستنطلق من المحلي إلى الإقليمي والوطني في وقت واحد.
بدأت هذه التجارب في التغلب على العزلة والانفصال والخوف من الليبرالية الجديدة المُعسكرة وتعزيز علاقات الثقة والتضامن والالتزام. وفي الوقت الذي توحد فيه عدد من الجماعات والأفراد، شددوا على التغلب على الطائفية وخلق فضاء للوحدة داخل الاختلاف. ومن خلال عمليات التعبئة والاستراتيجية الأوسع نطاقا، تمكنوا من إجبار الحكومة على سحب اقتراح الإصلاح والالتزام بمراجعته. كما فازوا بالشرعية الاجتماعية والسياسية لتطوير إصلاح تعليمي بديل يفتح المجال لممارسة سياسية تربوية وطنية غير مسبوقة تستمر حتى الوقت الحاضر.
وانطلاقا من سنة 2012 الى 2013، اطلقت الحركة الطلابية الكلومبية عمليات غير مسبوقة لخلق لمقترح إصلاح تشاركي البديل وأتاحت العمليات تسييس الممارسة التربوية وارساء بداغوجيا سياسة لمقاربة الاصلاح في عدة فضاءات مما عزز نبذ المفاهيم المهيمنة عن الذات والعلاقات الاجتماعية والمجتمع والبناء الجوهري لمفاهيم جديدة لدعم التعليم الجامعي كحق أساسي غير قابل للتصرف وباعتباره منفعة مجتمعية مشتركة، ولدعم بناء نظام التعليم العالي الذي تكون نواته دولة ومؤسسات تعليم عال عمومي، باعتبارها مؤسسات ثقافية عالمية وديمقراطية وناقدة ومتعددة الأعراق، بتعليم مناهض للنظام البتريركالي وكتعلم علمي يضمن الاستقلال التكنولوجي والعلمي والثقافي للمجتمع الكولومبي
كما تم نشر جميع الوثائق التي تم تطويرها والمنهجيات المختارة والقرارات المتخذة لعموم المجتمع الكولومبي الذي تم تضمينه كعنصر رئيسي في البناء المشترك لهذا المشروع التعليمي السياسي.وهكذا تم إطلاق المشروع البديل الذي يحتوي على 65 نظامًا أساسيًا في يناير 2013 ولكن تستمر عملية النقاش والمناقشة والتعبئة وتطوير مشاريع التعليم النقدي المحلية.
وباستقرائنا لهذه التجربة المتميز فبديهي ان يكون التعليم قضية تعكس البعد الطبقي للصراع من أجل تحقيق الديمقراطية، فليس من مصلحة الحاكمين من الطبقة البرجوازية أن تكون للجماهير الشعبية القدرة على التغيير الديمقراطي وممارسة حق التعبير على مصلحتهم لضمان أبسط الحقوق الانسانية التي تستلب نزولا عند مصلحة النظام المخزني.
وتبقى الخلاصة التي يجب الاستفادة منها عبر تجارب كوبا، الشيلي وكولومبيا هو قدرة الحركة الطلابية أن تشكل دعامة تغيير موازين القوى خلال الصراع من أجل الديمقراطية كفئة ضمن الأكثر تغلغلا وتجذرا داخل المجتمع عبر تعبيراتها السياسية والمدينة والثقافية وجسرا بين الجماهير الشعبية والقوى الديمقراطية التقدمية. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الرهان التعليم خيارا نضاليا من مقدوره أن يساهم في تفعيل الحركة الجماهيرية وتوجيه نضالها من أجل تحقيق الديمقراطية.

