حبر نسائي :صوت من قلب التجربة وأسئلة من عمق المجتمع
ماذا لو لم تكن رئيسة الحكومة امرأة؟ هل كان النقاش سيأخذ المنحى نفسه؟ وهل كنا سنطرح الأسئلة ذاتها حول قدرتها على القيادة أم كنا سنكتفي بمناقشة برامجها واختياراتها السياسية وحجم التحديات التي تنتظرها؟
يبدو أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة في المغرب لا يفتح فقط نقاشا حول سابقة سياسية في تاريخ المملكة بل يعيد إلى الواجهة أسئلة أعمق حول نظرتنا إلى المرأة حين تغادر المواقع التي اعتاد المجتمع أن يراها فيها وتتقدم إلى مواقع السلطة وصناعة القرار.

فاطمة الزهراء المنصوري أمام مسؤولية سياسية ثقيلة في مرحلة لا تبدو فيها الطريق مفروشة بالانتظارات الإيجابية وحدها. هناك إرث اجتماعي واقتصادي خلفته الولاية الحكومية السابقة، وهناك استياء من غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وأسئلة معلقة حول التشغيل والصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية، فضلا عن رهانات كبرى مرتبطة بمستقبل التنمية والاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030.

إنها تحديات كانت ستواجه أي رئيس حكومة، رجلا كان أم امرأة، لكن وصول امرأة إلى هذا الموقع في ظل هذه الظروف يطرح مفارقة تستحق التأمل. فبدل أن ينحصر النقاش في طبيعة البرامج التي ستقدمها الحكومة، وفي مدى قدرتها على الاستجابة للانتظارات المجتمعية، نجد أنفسنا أمام خطابات تشكك في أهلية المرأة للقيادة، وكأن جنس من يتولى المسؤولية أصبح في حد ذاته موضوعا سياسيا.
المشكلة ليست في الاختلاف حول شخص رئيسة الحكومة، ولا في معارضة اختياراتها أو مساءلة حزبها، فذلك جزء من الممارسة الديمقراطية. المشكلة تبدأ حين يصبح كونها امرأة سببا إضافيا للتشكيك، وحين تتحول كل خطوة تخطوها إلى مناسبة لاستحضار تصورات اجتماعية ترى في القيادة امتيازا ذكوريا، وفي وصول المرأة إلى مواقع القرار استثناء يحتاج إلى تبرير.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل نحن مستعدون فعلا لرؤية امرأة في موقع القرار، أم أننا ما زلنا نقبل حضورها في حدود معينة، ونرتبك حين تصبح صاحبة القرار والمسؤولة عن تدبير الشأن العام؟
في مجتمع ما زالت فيه المرأة مطالبة في كثير من الأحيان بإثبات كفاءتها أكثر من الرجل لا يبدو مستغربا أن تتحول تجربة امرأة في موقع قيادي إلى موضوع لتقييم يتجاوز أحيانا حدود أدائها الفعلي. فالرجل قد يخطئ في تقديراته السياسية وقد تتعثر حكومته، وقد يفشل في تنفيذ وعوده لكن النقاش غالبا ما ينصرف إلى حزبه وبرنامجه وخياراته. أما المرأة فقد تجد نفسها أمام سؤال آخر يسبق كل هذه الأسئلة: هل المرأة قادرة أصلا على القيادة؟
وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات تعقيدا أن تتحول تجربة سياسية تخص امرأة واحدة إلى امتحان اجتماعي لقدرات النساء جميعا. وكأن نجاحها سيكون دليلا على أهلية النساء بينما قد يستعمل أي تعثر لها لتغذية أحكام مسبقة لا علاقة لها بالمسؤولية السياسية ولا بشروط تدبير الشأن العام.
لكن هل من العدل أن تحمل امرأة واحدة عبء تصحيح نظرة مجتمعية تشكلت عبر سنوات طويلة؟ وهل ينبغي أن تكون مطالبة بتحقيق نجاح استثنائي حتى تثبت أن النساء قادرات على تحمل المسؤولية، في حين لا يطالب الرجل بذلك نيابة عن جنسه؟
إن وصول المرأة إلى مواقع القرار لا ينبغي أن يتحول إلى معركة لإثبات التفوق على الرجل كما لا ينبغي أن يصبح مجرد مناسبة للاحتفاء بالتمثيلية النسائية دون مساءلة حقيقية عن السياسات والنتائج. فالمساواة لا تعني إعفاء المرأة من النقد مثلما لا تعني إخضاعها لمعايير مضاعفة لمجرد أنها امرأة.
وفي خضم هذا النقاش تبرز أيضا مواقف بعض الأحزاب التي تعلن توجهها نحو المعارضة قبل اكتمال تشكيل الحكومة. والمعارضة حق سياسي ودستوري بل إن وجودها ضرورة لضمان الرقابة والتوازن ومساءلة الحكومة. لكن أهمية المعارضة لا تقاس بحدة خطابها بل بقدرتها على تقديم بدائل ومناقشة السياسات ومراقبة القرارات. ومن الضروري أن يظل الاختلاف السياسي قائما على البرامج والاختيارات، بعيدا عن أي تشكيك مرتبط بالنوع الاجتماعي.
فليس كل من يعارض حكومة تقودها امرأة يعارض المرأة كما أن مجرد وجود امرأة على رأس الحكومة لا يجعل كل نقد موجه إليها استهدافا نسائيا. غير أن التمييز بين النقد السياسي المشروع والخطاب الذي يستند إلى الصور النمطية يظل ضروريا خصوصا في فضاء رقمي أصبح يسمح بانتشار التنمر والسخرية والأحكام المسبقة بسرعة كبيرة.
وقد يكون التحدي الأعمق الذي تطرحه هذه التجربة هو قدرتنا على الفصل بين المرأة باعتبارها فاعلة سياسية، والمرأة باعتبارها موضوعا لأحكام المجتمع. فحين تتولى امرأة منصبا رفيعا لا ينبغي أن تتحول ملامحها أو اختياراتها الشخصية أو جنسها إلى معايير موازية لتقييم أدائها السياسي. ما يهم هو القرارات التي ستتخذها والسياسات التي ستدافع عنها ومدى استجابتها لحاجيات المواطنات والمواطنين.
ولأننا نتحدث عن امرأة في موقع القرار فإن مسؤولية الإعلام والنخب السياسية والمجتمع المدني لا تقل أهمية عن مسؤولية الحكومة نفسها. فالنقاش العمومي ليس مجرد مساحة لتبادل المواقف بل هو أيضا فضاء تتشكل داخله الصور الاجتماعية وقد يساهم في تكريس التمييز أو في تفكيكه.
لا تحتاج النساء إلى خطاب يضعهن دائما في موقع الضحية ولا إلى تعاطف مشروط مع كل تجربة نسائية في السياسة. ما يحتجن إليه هو الاعتراف بحقهن في الوصول إلى المسؤولية، وفي اتخاذ القرار وفي النجاح والتعثر وفي أن يكن موضوعا للنقد السياسي دون أن يتحول ذلك إلى انتقاص من النساء عموما.
ربما لم تكن هذه هي الظرفية التي تمنينا أن تبدأ فيها امرأة تجربتها على رأس الحكومة بالنظر إلى حجم الانتظارات والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وربما كانت هناك حاجة إلى شروط أكثر ملاءمة حتى لا تختلط رمزية التعيين بثقل الملفات المتراكمة. لكن المسؤولية اليوم لا تتعلق فقط بما ستقدمه الحكومة من برامج بل أيضا بما سيكشفه النقاش حول هذه التجربة من مواقف وتمثلات تجاه المرأة والسلطة.
فهذا التعيين لفاطمة الزهراء المنصوري لا ينبغي أن يكون انتصارا للنساء على الرجال ولا أن يكون أي تعثر لها هزيمة للمرأة المغربية. إنها تجربة سياسية ستخضع لتقييم المواطنات والمواطنين بناء على ما ستقدمه من اختيارات ونتائج تماما كما هو الشأن بالنسبة لأي حكومة.
فهل سنمنح هذه التجربة حقها في التقييم السياسي أم سنظل نضع المرأة أمام امتحان لا ينتهي فقط لأنها اختارت أن تكون في موقع القيادة؟
لعل التحدي الحقيقي لا يكمن في أن تثبت المرأة أنها قادرة على الحكم بل في أن نصل إلى مرحلة لا يعود فيها جنس من يحكم هو السؤال الأول الذي يشغلنا.
فحين تصبح المرأة موضوعا للنقاش بسبب قراراتها لا بسبب جنسها نكون قد خطونا خطوة نحو مجتمع لا يكتفي بالحديث عن المساواة بل يمارسها في أبسط تفاصيل الحياة السياسية.
في حبر نسائي دائما هناك حكايات وأسئلة لم تكتب بعد ومازال للحبر كلام
فما يكتب هنا ليس نهاية الحكاية بل أول اثر للحبر …
حبر نسائي: صوت من قلب التجربة وأسئلة من عمق المجتمع