حين تهلوس الآلة: الذكاء الاصطناعي يصنع الحقائق من العدم

إدريس العمراني

كان الإنسان، إلى وقت قريب، وحده من يهلوس. وحده من يخلط الوهم بالحقيقة، والظن باليقين، والخيال بالواقع. اما الآلة فكانت تبدو اكثر انضباطا: تحسب ولا تتخيل، تخزن ولا تختلق، تنفذ ولا تتوهم. وكان الاعتقاد السائد ان التكنولوجيا، كلما تقدمت، قربتنا اكثر من الحقيقة وابعدتنا عن الخطأ.
لكن الذكاء الاصطناعي جاء ليضع هذه المسلمة موضع السؤال.
فها نحن امام آلات لا تكتفي بمعالجة المعلومات، بل تنتجها، ولا تكتفي باعادة ترتيب المعرفة، بل قد تضيف اليها من عندها؛ ولا تتوقف دائما عند حدود ما تعرف، بل تواصل الكلام حتى عندما تغيب عنها الحقيقة.
انها هلوسة الذكاء الاصطناعي، حين تجيب الآلة عن سؤال لا تملك له جوابا، وحين تخترع اسما لشخص لا وجود له، وكتابا لم يكتب، ودراسة لم تنشر، وحدثا لم يقع، ثم تقدم كل ذلك في لغة رصينة، واثقة، ومقنعة.
المفارقة ان الخطأ لم يعد يأتي دائما في صورة خطأ. لقد اصبح قادرا على ارتداء افضل ثيابه: لغة سليمة، ترتيب منطقي، تفاصيل دقيقة، ونبرة لا توحي للحظة بان وراء الكلمات فراغا معرفيا.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالانسان يستطيع، في كثير من الاحيان، ان يشك في كلام مرتبك او متناقض. اما عندما يأتيه الخطأ مصاغا باتقان، فان مقاومته تصبح اصعب. لقد اصبح الوهم قادرا على الاستعانة باللغة لاقناعنا بانه حقيقة.
والذكاء الاصطناعي لا يكذب بالمعنى الانساني للكلمة؛ فهو لا يملك نية الكذب ولا رغبة التضليل. لكنه قد ينتج معلومات مختلقة لان طبيعة عمله تقوم على توليد استجابات اعتمادا على انماط واحتمالات تعلمها من البيانات. ولذلك قد تكون الجملة سليمة من الناحية اللغوية، لكنها بلا اساس من الناحية الواقعية.
وهذا ما يجعل المسألة اكبر من مجرد خلل تقني.
انها مسألة ثقة.
فماذا يحدث عندما نمنح الآلة ثقة اكبر مما تستحق؟ وماذا يحدث عندما تتحول الاجابة المحتملة الى حقيقة في اذهان المستخدمين لمجرد انها جاءت في صياغة واثقة؟ وماذا يحدث عندما تنتشر المعلومة المختلقة بسرعة تفوق قدرة الناس على التحقق منها؟
هنا يصبح الانسان امام مسؤولية جديدة: الا يكتفي بسؤال الآلة، بل ان يسأل ايضا عن حدود معرفتها؛ والا يكتفي بجمال الاجابة، بل ان يبحث عن اصلها؛ والا يخلط بين الطلاقة والدقة، ولا بين الثقة والحقيقة.
لقد كنا نعتقد ان التحدي الاكبر امام الذكاء الاصطناعي هو ان نجعله اكثر ذكاء. وربما اصبح التحدي الاكثر الحاحا ان نجعله اكثر تواضعا امام ما لا يعرف.
ان تقول الآلة لا اعرف قد يكون احيانا اكثر فائدة من الف اجابة مصاغة باتقان.
فالمشكلة ليست ان الذكاء الاصطناعي قد يخطئ؛ فالانسان يخطئ، والآلة تخطئ. المشكلة ان الآلة تستطيع ان تمنح الخطأ مظهرا شديد الاقناع، وان تجعل الاختلاق يبدو معرفة، والوهم يبدو معلومة، والاحتمال يبدو يقينا.
لقد دخلنا زمنا لم يعد فيه الجهل صامتا. اصبح الجهل يتحدث، ويشرح، ويسترسل، ويجيب بثقة.
وهنا تحديدا ينبغي ان يتغير تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي: لا باعتباره صندوقا سحريا للحقيقة، ولا باعتباره خصما لها، وانما باعتباره اداة قوية تحتاج الى عقل يقظ، وسؤال دقيق، ومراجعة مستمرة.
فالآلة تستطيع ان تساعدنا على الوصول الى الحقيقة، لكنها تستطيع ايضا ان تبعدنا عنها اذا منحناها ثقة بلا تحقق.
وفي زمن تستطيع فيه الآلة ان تهلوس، يصبح الشك في الاجابة ليس علامة على التخلف عن التكنولوجيا، بل شرطا لحسن استخدامها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist