الرباط ومدريد في مهبّ أكتوبر: “الملك، سبتة، المونديال والصحراء المغربية”

عبدالحميد البجوقي

لم تبدأ حكومة فاطمة الزهراء المنصوري عملها في زمن عادي. تصل أول امرأة إلى رئاسة الحكومة المغربية في لحظة تبدو فيها العلاقات المغربية الإسبانية معلقة بين مسارين متناقضين. مسار المصالح الكبرى الذي يدفع البلدين نحو مزيد من التعاون، ومسار سبتة ومليلية والهجرة والصحراء المغربية الذي يمكن، في أي لحظة، أن يعيد فتح الملفات التي ظن البعض أنها أخذت مكانها في الأرشيف.
من جهة، هناك شراكة استراتيجية تراكمت خلال السنوات الأخيرة، وتعاون اقتصادي وأمني وقضائي، ثم مشروع كأس العالم 2030 الذي جعل المغرب وإسبانيا والبرتغال شركاء في أكبر حدث رياضي عالمي. وفي أبريل 2026، وقعت الدول الثلاث مذكرة لتعزيز التعاون القضائي والأمني استعداداً للمونديال، بما يؤكد أن المشروع ليس مجرد توزيع للملاعب، وإنما شبكة مصالح مشتركة تمتد إلى الأمن والقضاء والتنقل ومكافحة الجريمة.
لكن من جهة أخرى، هناك أزمة سبتة في يوليوز. لم تكن مجرد موجة هجرة عابرة. فقد دخل أكثر من سبعين ألف شخص إلى المدينة خلال يومي 30 و31 يوليوز، وفق مصادر حكومية إسبانية، وخلفت الأزمة قتلى وأثارت توتراً سياسياً وإعلامياً كبيراً بين مدريد والرباط.
ثم جاءت المفاجأة التي تجعل أكتوبر شهراً شديد الحساسية، إعلان زيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيسيا إلى سبتة يوم 13 أكتوبر ومليلية يوم 14 أكتوبر، في أول زيارة ملكية للمدينتين منذ زيارة خوان كارلوس سنة 2007، وهي الزيارة التي كانت قد تسببت آنذاك في أزمة دبلوماسية مع المغرب.
هنا تبدأ السياسة في الاقتراب من الرواية، ماذا لو لم تمر الزيارة بهدوء؟
لا يعني ذلك بالضرورة أزمة دبلوماسية كبرى. فقد تختار الرباط، كما فعلت في مناسبات سابقة، لغة الصمت أو الاحتجاج الدبلوماسي المحسوب. لكن مجرد الصور الملكية في المدينتين، في أعقاب أزمة يوليوز، يمكن أن تعيد إلى الواجهة سؤال السيادة بطريقة يصعب التحكم في مداها الإعلامي والسياسي. وقد يكون التحدي الحقيقي ليس في الزيارة نفسها، بل فيما قد يأتي بعدها.
ماذا لو تزامنت الزيارة مع أزمة جديدة حول الهجرة، أو حادث أمني، أو مواجهة إعلامية، فقد تتحول سبتة ومليلية من ملف ثنائي حساس إلى ورقة في السياسة الداخلية الإسبانية، خصوصاً أن الحكومة الإسبانية أكدت بعد أزمة الصيف التزامها بسيادة إسبانيا ووحدة أراضيها في المدينتين، بينما بقي الموقف المغربي من السيادة معروفاً.
ومن هنا يمكن أن نتخيل سيناريو آخر، أكثر إثارة، سيناريو تخييلي لا خبراً منتظراً. أن يحدث مثلا ما يجعل كأس العالم 2030 يدخل فجأة في منطقة السياسة.
حادث حدودي كبير، أزمة دبلوماسية، توتر أمني، أو حملة سياسية واسعة في إسبانيا تربط المغرب بالهجرة وسبتة ومليلية… ثم يبدأ السؤال عن مدى قدرة الدول الثلاث فصل المونديال عن خلافاتها السياسية؟
نظرياً، نعم تستطيع الدولتين رفع التحدي، لكن التاريخ يقول إن الرياضة والسياسة لا تعيشان دائماً في غرف منفصلة.
لذلك فإن أي توتر كبير بين الرباط ومدريد لن يهدد بالضرورة تنظيم كأس العالم، لكنه قد يفرض إعادة ترتيب كثير من الحسابات المتعلقة بالأمن والتنقل والجمهور والتنسيق السياسي. وهذا بالضبط ما يجعل الشراكة في مونديال 2030 عاملاً للتهدئة من جهة، ومجالاً جديداً للضغط المتبادل من جهة أخرى.
أما الملف الذي قد يكون أكثر حسماً، فهو الصحراء.
في 31 أكتوبر 2025، شكل قرار مجلس الأمن رقم 2797 محطة مهمة، بعدما جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات نحو تسوية سياسية نهائية. وينتهي تفويض بعثة الأمم المتحدة في الصحراء في 31 أكتوبر 2026، ومن المنتظر أن يصوت مجلس الأمن على تجديده في هذا الشهر.
وهنا تظهر واشنطن، الولايات المتحدة لا تُخفي دعمها للموقف المغربي، لكن مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس قال في سبتمبر 2026 إنه لا يرى تسوية فورية تلوح في الأفق، مع تأكيده استمرار الموقف الأمريكي الداعم للاعتراف بالسيادة المغربية وبخيار الحكم الذاتي.
لذلك سيكون من الخطأ تحويل نهاية أكتوبر إلى موعد محسوم لــ”حل تاريخي”.
لكن من المشروع التساؤل عن ماذا لو قررت واشنطن ممارسة ضغط أكبر هذه المرة من أجل دفع الأطراف نحو صيغة أكثر وضوحاً؟
ماذا لو جاءت صياغة قرار مجلس الأمن الجديد أكثر حسماً من القرار السابق؟
وماذا لو ترافقت الضغوط الأمريكية مع تحولات أوروبية جديدة، ومع استمرار مدريد في موقفها المؤيد لمقترح الحكم الذاتي؟
عندها قد نجد أنفسنا أمام مفارقة غريبة.
قد يكون أكتوبر شهراً تتوتر فيه العلاقات المغربية الإسبانية بسبب سبتة ومليلية، بينما تتقدم في الوقت نفسه المصالح الاستراتيجية بين البلدين بسبب الصحراء والمونديال.
وهذه هي المفارقة التي ستجد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمامها.
قد لا تكون الحكومة الجديدة مطالبة فقط بإدارة الاقتصاد والسياسة الداخلية، بل بإدارة مرحلة دقيقة في العلاقات مع الجار الشمالي. كيف يمكنها أن تحافظ على الشراكة دون أن تبدو وكأنها تتنازل عن الملفات السيادية؟ وكيف تستخدم المصالح المشتركة للضغط من أجل احترام المصالح المغربية، دون دفع مدريد إلى ردود فعل قد تكون مكلفة للطرفين؟
وربما تكون المفاجأة الأكبر أن أكتوبر لن يحمل أزمة واحدة، وإنما مقايضة غير معلنة بين ملفات كثيرة. سبتة ومليلية في جهة. الصحراء في جهة أخرى. الهجرة في الوسط. وكأس العالم فوق الجميع.
وقد يحدث العكس تماماً. زيارة ملكية تمر، والأزمة تهدأ، وتستمر الترتيبات الخاصة بالمونديال، ثم يأتي قرار مجلس الأمن بصيغة أكثر انسجاماً مع الاتجاه الذي بدأ في 2025.
حينها، بدل أن يكون شهر أكتوبر، شهر الانفجار، سيكون شهر تثبيت التحولات.
لكن في السياسة المغربية الإسبانية، هناك قاعدة قديمة لا ينبغي نسيانها:
كلما بدا البحر هادئاً أكثر من اللازم، إلاّ ويُنذر بالعاصفة.
المغرب وإسبانيا لا تربطهما الحدود فقط، ولا الاقتصاد فقط، ولا الهجرة فقط..
تربطهما أيضاً ذاكرة طويلة، ومدينتان معلقتان بين التاريخ والجغرافيا، ومشروع عالمي اسمه 2030، وملف يتحرك داخل مجلس الأمن، وقوة أمريكية تبدو أكثر انخراطاً في محاولة إعادة ترتيب هذا الملف.
لهذا قد لا يكون السؤال الراهن عن توَتُّر محتمل للعلاقات المغربية الإسبانية؟
بل، هل تستطيع مدريد والرباط، هذه المرة، تحويل أسباب التوتر نفسها إلى أدوات تفاوض، قبل أن تتحول إلى أزمات؟
وربما يكون الجواب مكتوباً، جزئياً، بين 13 و14 أكتوبر في سبتة ومليلية، ثم في 30 أكتوبر داخل مجلس الأمن، إذ يُتوقع أن يصوّت المجلس على مشروع قرار تجديد ولاية المينورسو.
أما ما بين التاريخين… فقد يكون هو الجزء الأكثر إثارة في الحكاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist