ملايين الأطفال تسفك دماؤهم بدم بارد في فلسطين… نرقب مأساتهم عبر شاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى استحال الفجيع، في وجداننا، مشهداً عادياً، وألفت أعيننا المأساة كأنها مجرد لقطات من فيلم سينمائي.
في خضم هذا الذهول، وفي ظل حياد إنساني بلغ مداه، كان يفترض بمنظمة من قبيل “منظمة العفو الدولية” (أمنيستي)، بما راكمته من ثقل حقوقي غير حكومي، وما تضطلع به من رسالة تقوم على مناهضة الانتهاكات ورصدها وتوثيقها والضغط من أجل وقفها، أن تسلط ضوءاً أكثر سطوعاً وحزماً على هذه المذابح، متحررة من أي اعتبارات أو حسابات؛ بدءاً من صون حرية التعبير والتصدي للتعذيب والاعتقال التعسفي، وصولاً إلى حقوق اللاجئين والمهاجرين، والنزاعات المسلحة وجرائم الحرب، وانتهاء بأدوات المراقبة الرقمية والتجسس. لا ننكر أن منظمة العفو الدولية حررت صك اتهام ضد المحتل، لكنها لم تقوَ على تسجيل الموقف دون “مساواة” بين الضحية والجلاد عندما اعتبرت المقاومة “ارتكبت جريمة ضد الإنسانية”.
ولعل استقراء الحراك التوثيقي للمنظمة خلال هذه السنة، 2026، يكشف عن حضور كثيف لملفات المنطقة، من خلال تقارير متتابعة مست كلاً من الجزائر وإسبانيا والمغرب.
في الشأن الجزائري، أطلقت المنظمة في 24 يونيو 2026 تقريراً يوثق إخفاق السلطات في حماية الناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي، مشيرة إلى عدم إنشاء سوى ثلاثة ملاجئ رسمية، رغم مرور أكثر من عقدين على التعهدات الوطنية. وتبعت ذلك بتعقيبات حادة، في 15 سبتمبر و1 أكتوبر 2026، حذرت فيها مجلس الأمة من النكوص الحقوقي، على خلفية التوجه نحو توسيع نطاق عقوبة الإعدام عقب حرائق أغسطس. كما دعت، في 13 مايو 2026، إلى الإفراج الفوري عن الصحفيين المحتجزين تعسفياً، وكف يد القضاء عن تكميم الأصوات الناقدة.
أما في الملف الإسباني، وتحديدا في معبر سبتة، ونظراً لما يمثله هذا الملف من تماس مباشر مع المغرب، فقد طالبت المنظمة، في 13 أغسطس 2026، بالشفافية بشأن آليات التعاطي مع التدفقات الجماعية للمهاجرين، محذرة من عمليات الإعادة القسرية الموجزة. ثم عادت، في 30 سبتمبر 2026، بما وصفته بـ “تحقيقها الأهم والأحدث”، عقب زيارة ميدانية إلى سبتة، وثقت خلالها، عبر شهادات حية، ممارسات ترقى إلى التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية على يد القوات العسكرية، إلى جانب ظروف الاستقبال المزرية، فضلا عما يرصده تقريرها السنوي من قضايا تتعلق بحقوق الأطفال غير المصحوبين وحرية التجمع.
وفي الملف المغربي، توج هذا المسار، في 1 أكتوبر 2026، بنشر تقريرها الضخم المعنون: “نبدأ بالحكم: داخل آلة المراقبة المغربية”، وهو ملف يمتد على 168 صفحة، وتضمن اتهامات للمغرب بممارسة التجسس المنهجي على الصحفيين والنشطاء.
وأمام هذا التقرير الأخير، بذل الزميل “لطيف كاسيدي”، المقيم بالولايات المتحدة، جهداً تحليلياً كبيراً في تفكيك معطياته وتلخيص مضامينه. ومن هنا، كان لا بد أيضا من تقديم قراءة نقدية في منهجية المنظمة وطبيعة المعطيات التي تستند إليها، والتساؤل حول حدود العمل الحقوقي عندما يتقاطع مع قضايا السيادة والأمن الوطني، فضلا عن مساءلة توظيف التقارير الحقوقية في العلاقات الدولية، وما تثيره من إشكالات تتصل بازدواجية التعامل مع قضايا حقوق الإنسان بين دول الشمال والجنوب، في إطار مساءلة أوسع لدور المنظمات الحقوقية العابرة للحدود ومصادر معلوماتها.
ومن هذا المنطلق، فتحنا النقاش حول الخلل البنيوي في الحقوق والحريات بالمغرب، من خلال مساءلة مسؤولية مختلف الفاعلين، من الدولة والأحزاب إلى النقابات والجمعيات والفاعلين الحقوقيين. فبين ضيق الفضاء الداخلي وتراجع أدوار الوساطة، وبين اللجوء إلى الخارج باعتباره آلية للضغط أو الإنصاف، يظل السؤال مطروحا: من يتحمل مسؤولية هذا الخلل؟ وكيف يمكن إعادة بناء فضاء داخلي قادر على استيعاب الاختلاف والمطالب الحقوقية؟ وهي الأسئلة التي يتناولها مقال عبد السلام بن أحمد، فيما نتوقف، من خلال مقال إدريس العمراني، عند المفارقات التي عرفها التقرير.
غير أن قراءة التقرير والوقوف على خلفياته ومراميه فرضت علينا، بالضرورة، الإحاطة بالموضوع من زوايا متعددة؛ نقداً وتفكيكاً للسياق والمقاصد، لنرفع أمام هذا الأداء كلمة العتاب والمكاشفة: “عفواً.. منظمة العفو: نقطة نظام!”، وهو ما تكفل به الزميل أحمد الخمسي في المقال الأخير ضمن هذا الملف المتكامل.
وبينما نمضي في تفكيك هذا التقرير، ونتتبع خلفياته ومعطياته، وما أثاره من أسئلة حول المنهج والمصادر والغايات، يظل السؤال الذي افتتحنا به هذا الملف قائماً: أين يقف صوت منظمة العفو الدولية أمام المأساة الإنسانية التي تعيشها فلسطين، وأمام أطفال تسفك دماؤهم على مرأى العالم؟
ليس السؤال هنا للمقارنة بين الانتهاكات، ولا للمفاضلة بين الضحايا، وإنما للتذكير بأن حقوق الإنسان لا ينبغي أن تكون انتقائية، وأن قيمة أي منظمة حقوقية تقاس أيضا بقدرتها على مواجهة الانتهاكات الكبرى، أياً كان مرتكبوها وأينما وقعت. وبين تقرير وآخر، واتهام يليه رد، تبقى المصداقية الحقوقية رهينة بميزان واحد، لا يميل حيث تميل المصالح.
ومن هذا السؤال تحديدا، ينفتح ملفنا على قراءات متعددة، تضع تقرير منظمة العفو الدولية حول المغرب تحت المجهر؛ لا بهدف إصدار حكم مسبق، ولا دفاعا عن طرف أو إدانة لآخر، وإنما بحثا عن إجابات أكثر وضوحا حول ما قيل، وما لم يُقل، وما الذي تقوله الوقائع خلف التقرير.
