كعادته، بذل الزميل لطيف كاسيدي، المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، جهد قراءة وتفحص وتلخيص مترجم لتقرير مطول لمنظمة العفو الدولية، بحجم 168 صفحة.
وقد رصد أهم ما فيه، من معطيات. صحيح أن المنظمة منظومة من الأجهزة التي تتابع بل وتتسرب لأنظمة أمن الدول ذات السيادة. مستندة إلى قوة الغرب الاستعماري، الذي يستعملها كأداة ناعمة للضغط على الحكومات.
ومما يسجل عليها: كيف يمكنها التوفر على مخبرين متخصصين، في اختراق التكنولوجيات للأجهزة الأمنية في دول الجنوب ذات السيادة، في الوقت الذي لم تبذل ما يكفي من الجهد لحشد الرأي العام العالمي لوقف قتل الأطفال في فلسطين؟

نعم، لا أحد في العالم، عالم اليوم حيث كل شعوب الأرض تطمح للحرية، كل أنواع الحرية. ولكن كل شعوب الأرض، مهما تفوق الغرب في مستوى الرفاه واشتغال المؤسسات، لا تسمح باختراق المنظومة الأمنية لبلدانها. لأن أيا كان المعارض في أي بلد، يوم يتمكن من ممارسة السلطة، أقل ما يتمناه هو أن يستند في تدبير الشأن العام إلى أجهزة أمنية قوية، تحمي بلده من عبث التفكيك والإضعاف…ونحن نرى يوميا الحروب الأهلية في بلدان لا توفر لسكانها أبسط شروط الوحدة الوطنية، والإنتاج الاقتصادي والاستقرار السياسي.
ولا يغرب عن البال أن القوة الناعمة التي لا يهمل الغرب الرأسمالي الاستعماري، دورها، يمد لها العون لتمده بالاسرار السيادية عن الدول الأجنبية، لتأتي الحكومات الغربية في الأخير لتبتز حكومات الجنوب في المفاوضات الاستثمارية، لتربح الصفقات بأبخس الأثمان. مما يعني في غالب الأحيان أن التقارير التي تدبج حول أسرار الدول باستعمال أساليب التجسس المضاد، تخدم في آخر المطاف مصالح النهب الاستعماري. فلو كانت المنظمات الحقوقية الغربية تخدم فعلا دور التضامن مع الشعوب، كان عليها أن تتصل رسميا بالسلطات في البلدان المعنية بالتقارير الصادرة، وتحرجها بشبكة من الأسئلة الشفافة…حول السياسات العامة وفق معايير الأمم المتحدة ،
إن التقارير المخدومة بطريقة التجسس والتجسس المضاد مرفوضة من الشعوب في بلدان الجنوب. فالمناضلون الحقيقيون من أجل حقوق الإنسان، هم الذين يرابطون في بؤر البؤس. ولأن الفارق كبير بين حقوق الإنسان في الميدان وبين الضغط الخارجي المستعمل بتكنولوجيات غربية، لا تصلح في آخر الحساب سوى لتدريب الجواسيس الصغار المبتدئين لرسم طريقهم نحو الاحتراف التجسسي، لفائدة الأنظمة والشركات العابرة للسيادات الوطنية، وهو ما يرفضه المغاربة جملة وتفصيلا.
إن استعمال الحريات العامة التضامنية هي التظاهر السلمي في الساحات الغربية مع الشعوب التي تعاني من الحروب الاهلية أو من التطهير العرقي كما يقع في فلسطين، هو الشكل الذي تراه شعوب الجنوب فعلا ملموسا للتضامن الأممي فيما بين شعوب الأرض. لأن دور الدول أيضا له أهميته المحلية. والاستقرار السياسي له أهمية قصوى داخل البلدان المعنية جنوب الكرة الأرضية.
وبالتالي خلط الأوراق بين الدفاع عن حقوق الإنسان الأكثر إضرارا والتي تصل حد الإبادة الجماعية والعقاب الجماعي عن طريق العقوبات الاقتصادية هي المعنية، بالتضامن الشعبي. ولا يهم من بعد التقارير التجسسية التي تدبج باسم الدفاع عن فلان أو فلان. لأن غالب النخب الذين يستندون إلى مناصب الخبرة الأكاديمية في الغرب، قليلا ما يهتمون بالنضال الميداني دفاعا عن حقوق الإنسان