منظمة العفو الدولية تتهم المغرب بالتجسس المنهجي على الصحفيين والنشطاء

من ميامي (الولايات المتحدة): لطيف كاسيدي

أصدرت منظمة العفو الدولية في الفاتح من أكتوبر تقريرا جديدا تتهم فيه السلطات المغربية بتشغيل جهاز مراقبة موسع يجمع بين برامج التجسس عالية التقنية والأساليب التقليدية لتتبع وترهيب وإسكات الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والأصوات المنتقدة الأخرى.

التقرير الذي يحمل عنوان “نبدأ بالحكم” والعنوان الجانبي “داخل آلة المراقبة المغربية”، والذي تجاوز عدد صفحاته 168 صفحة، يستند إلى شهادة مخبر مبلغ، وبيانات مراقبة مسربة، وتحليل جنائي، ومقابلات مع ضحايا، لتوثيق ما أسمته المنظمة الحقوقية “نظاما قمعيا” تستخدمه السلطات للمراقبة غير القانونية لاستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين وغيرهم من الأصوات المعارضة، وإخضاعهم للملاحقات الجنائية والمضايقات القضائية وأشكال أخرى من القمع، وذلك في انتهاك لحقوقهم في الخصوصية والحرية وحرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي.

تقول أنييس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية: “لقد تبنى المغرب كل الممارسات الإستبدادية التكنولوجية، واقتنى مجموعة واسعة من تقنيات المراقبة لإنشاء وإرساء نظام قمعي مصمم خصيصا لبث الخوف بين نشطاء حقوق الإنسان والصحفيين، وإسكات أصواتهم، وعرقلة عملهم داخل المغرب وخارجه”.

ورغم الإنكار المتكرر من السلطات المغربية، التي أصرت على أن المملكة “دولة قانون تضمن سرية الاتصالات الشخصية”، تقول منظمة العفو إن أدلة جديدة تثبت العكس. ويحدد التقرير المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، أي جهاز الاستخبارات الداخلية المغربي، كالجهة المسؤولة عن نشر برنامج بيغاسوس للتجسس وتنسيق عمليات المراقبة ضد النشطاء والصحفيين بين عامي 2017 و2021، وربما أبعد من ذلك، حسب ما ورد في التقرير.

في قلب التحقيق توجد شهادة موظف سابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني يعرف بالاسم المستعار سفير، حيث وصف الأعمال الداخلية للوكالة في مقابلات متعددة على مدى عدة سنوات. وتؤكد منظمة العفو أنها قارنت الجوانب الرئيسية لرواية سفير بأدلة تقنية وبيانات مسربة ومقابلات مع 10 مستهدفين بالمراقبة.

تقول المنظمة أن المخبر سفير فصل كيف تم اختراق الأجهزة الشخصية عبر مجموعة من الأساليب كالعدوى المادية للهواتف في المطارات وعبر بائعي الهواتف المستعملة؛ وتزويد خفي بأجهزة جديدة حملت فيها برامج تجسس مسبقا؛ واستغلال محلات الهواتف ومقاهي الإنترنت لتوصيل البرمجيات الخبيثة.

يقول سفير في شهادته: ” لقد أصبنا العديد من مقاهي الإنترنت ببرامج التجسس المتحكم فيها عن بعد، فبعد أن يخبرنا العملاء الميدانيون باسم مقهى الإنترنت الذي يزوره المستهدف، نتمكن من رؤية كل ما يفعله لأننا نكون قد أصبنا جميع الأجهزة هناك مسبقا”.

وبالإضافة إلى الأدوات الرقمية، وصف سفير كيف تم تصوير المستهدفين وتسجيل أصواتهم سرا أثناء الاحتجاز وفي المكاتب والسيارات والمقاهي وحتى في غرف نومهم. كما وصف كيف يتم اعتراض المكالمات الهاتفية بشكل روتيني، وتتبع بيانات الموقع، وتجنيد المخبرين الجدد من جيران الحي.

و يذكر التقرير أن “هذه الأساليب لا تؤثر فقط على النشطاء المستهدفين، بل تمتد لتشمل أفراد عائلاتهم وأصدقائهم وشبكاتهم المهنية”.

يؤكد التحليل الجنائي لمنظمة العفو أن عمليات بيغاسوس المغربية كانت تعمل بكامل طاقتها بحلول أكتوبر 2017، مع إعطاء الأولوية لمراقبة ومتابعة المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين المستقلين كأهداف رئيسية.

ولتحقيق الوقائع ذكرت المنظمة أنها قامت بمطابقة 103 أرقام هواتف مغربية أدخلت في نظام بيغاسوس بين سبتمبر وديسمبر 2017 بأفراد محددي الأسماء منهم: 65 من أعضاء المجتمع المدني، وبينهم 34 مدافعا عن حقوق الإنسان، و22 صحفيا وإعلاميا، و5 محامين، و4 أكاديميين؛ و25 من أعضاء الأحزاب أو المسؤولين السياسيين؛ و5 دبلوماسيين أو ممثلين لمنظمات دولية؛ و8 آخرين، من بينهم رجال أعمال وشخصيات دينية.

وذكر دونشا أو سيربهايل، رئيس مختبر الأمن بمنظمة العفو الدولية ، أن “هذه السجلات تظهر إلى أن أرقام هواتف المدافعين البارزين عن حقوق الإنسان والصحفيين كانت من بين أوائل الأرقام التي تم إدخالها في نظام بيغاسوس، مما يدل على أن هذا كان الغرض الأساسي الذي من أجله حصلت المديرية العامة للأمن السيبراني على نظام برامج التجسس شديد التوغل”.

ويقول التقرير أن وثائق داخلية أفصحت عنها مجموعة “إن إسي أو”، وهي شركة إسرائيلية متخصصة في الاستخبارات السيبرانية، وذلك في إطار دعوى مدنية أقيمت في الولايات المتحدة، كشفت أن موظفي الشركة أجروا تدريبات واختبارات للسلطات المغربية لاستعراض قدرات جديدة لبرنامج تجسس يحمل الاسم الرمزي الداخلي “مورغن”.

“التقرير يثبت، وذلك استنادا إلى أدلة جنائية تقنية، مسؤولية الادارات العامة لمراقبة التراب الوطني عن حالات عديدة من الانتهاكات المرتبطة ببرنامج بيغاسوس، وذلك بناء على تحليل تقني لهجمات هذا البرنامج”، يضيف أو سيربهايل.

ويشير التقرير إلى أن الأدلة الجنائية تظهر أن المدافعين عن حقوق الإنسان استهدفوا باستخدام طرق عدوى متعددة كإصابة هواتفهم ببرامج تجسس، أو عبر هجمات النقرة الواحدة التي تعتمد عادة على نقر الضحية على رابط خبيث، أو عبر هجمات حقن الشبكة، التي تنفذ عبر شبكة اتصالات المغرب المملوكة للدولة.

وذكرت المنظمة أيضا مثال الصحفي عمر الراضي قائلة أنه استهدف باستخدام هجمات حقن الشبكة، بعد سنوات من المضايقات والسجن لاحقا بسبب عمله في فضح الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان. كما وصف المخبر سفير كيف تم زرع ميكروفونات لاسلكية صغيرة تعمل عبر إرسال لاسلكي مشفر في وحدات الإضاءة بشقة الراضي.

وتحدث التقرير عن حملات التشويه والأثر النفسي حيث يقول أنه تم إستعمال المعلومات المستمدة من المراقبة في حملات تشويه عبر منصات إعلامية متحالفة مع الدولة لتقويض شرعية النشطاء.

ووصف عمر الراضي التجربة قائلا: “بمجرد أن أتحدث في العلن، بمجرد أن أكتب منشورا على فيسبوك، بمجرد أن أنشر شيئا على إنستغرام، يراقبون كل تحركاتي، ويهينونني ويشتموني. إنه ليس إعلاما بل أدوات رعب”.

كما ذكر التقرير قضية الناشط المخضرم فؤاد عبد المومني قائلا أنه عام 2021 تم تصويره سرا في منزله مع خطيبته، وبعد ذلك نشروا الفيديو على واتساب.

“عندما شاهدت مقاطع الفيديو لي ولشريكتي في السرير، لاحظت أن موقع وزاوية التسجيل واضحين تماما وهو جهاز التكييف. بعد ذهبت لأبحث عنه لكنني لم أجد شيئا، فاستنتجت أنهم قد تمكنوا من تركيبه وإزالته بسهولة. لقد كانت جودة الصورة والصوت عالية جدا، رغم أن الإضاءة كانت خافتة، لذا فحتما كان الجهاز متطور للغاية”، يشرح عبد المومني.

وأكد المخبر سفير أن هذه كانت “حالة نموذجية” لعملية المراقبة والتنظيف التابعة للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المصممة لعدم ترك أي أثر.

وأكدت المنظمة أن الأثر النفسي لهذه الأساليب جد عميق، حيث صرح هشام المنصوري، الصحفي الاستقصائي المغربي وضحية المراقبة المنفي حاليا في فرنسا، لمنظمة العفو: “إن الأمر عنيف للغاية، لدرجة أن أحد أصدقائي أخبرني أنه بعد سنوات من هذا الوضع، كان يوم دخوله السجن بمثابة راحة له”.

ووثقت منظمة العفو شبكة من البائعين الدوليين الذين يزودون أدوات المراقبة للمغربية. ومن بين هذه الشركات توجد مجموعة إن إيس أو الإسرائلية، مطورة برنامج بيغاسوس للتجسس؛ ومخبر مومنتو الإيطالي (هاكنغ تيم، سابقا) والمغلق حاليا؛ ومجموعة غاما وفينفيشر وهي شبكة بريطانية ألمانية؛ وشركة فيرينت (عبر كوغنيت سوفتوير).

وأكدت المنظمة صحة المعلومات بالرغم من تصريحات بعض الشركات عند الاتصال بهم قبل نشر التقرير، كمخبر مومنتو الإيطالي الذي أكد أنه “لا يوجد أي عقد نشاط ساري المفعول مع أي وكالة مغربية”، مضيفة أنها قد “غيرت بشكل جذري طريقة ممارسة الأعمال التجارية في السنوات الأخيرة، وقامت بالفعل بتنفيذ برنامج امتثال داخلي من أجل مراقبة أوضاع الدول بعناية”، أو شركة فيرينت التي ذكرت أنها “تخلت عن خط أعمال المراقبة في الفاتح من فبراير 2021”.

وتقول كالامار أن تقرير المنظمة “يقدم الصورة الأكثر تفصيلا حتى الآن للأدوات التي نشرتها السلطات المغربية، مثل برامج التجسس عالية التقنية، وأنظمة التنصت الصوتي وأجهزة التتبع للتجسس على الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وأفراد آخرين. وشرائها أدوات المراقبة من شركات مقرها في إسرائيل والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية”.

وتضيف قائلة أن “هذا دليل آخر على اقتصاد عالمي للقمع التكنولوجي، والذي تم من قبل شركات ودول فشلت في الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي”.

وفي نهاية التقرير دعت منظمة العفو السلطات المغربية إلى إنهاء المراقبة غير القانونية للمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين فورا، كما طلبت من السلطات القضائية إطلاق تحقيقات مستقلة وفعالة في جميع حالات المراقبة المبلغ عنها التي قامت بها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.

كما حثت المنظمة الدول على وقف تصدير برامج التجسس و أدوات الأدلة الجنائية الرقمية وغيرها من التقنيات التي تنتهك الخصوصية إلى المغرب حتى يتم وضع ضمانات حقوق الإنسان.

وتقول ريبيكا وايت، باحثة مختبر الأمن بمنظمة العفو الدولية، أن “الأدوات التي يستخدمونها متنوعة جدا، لكن الهدف منها واضح: الابتزاز، والتشويه، والإذلال، وإذا لزم الأمر، السجن ظلما لمن يتحدثون دفاعا عن حقوق الإنسان في المغرب”.

وتضيف قائلة أنه “في النهاية، بالنسبة للمدافعين عن حقوق الإنسان في المغرب، لا يوجد تقريبا مكان للاختباء ولا طريقة للهروب من شبكة المراقبة الشاملة للدولة، والتي تمتد حتى خارج حدود المغرب”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist