ضد الخلل البنيوي للحقوق والحريات في المغرب

عبد السلام بن احمد

من مسؤولية الدولة إلى أزمة الوسائط السياسية والاجتماعية؟

ليس الخلل في وضع الحقوق والحريات بالمغرب مجرد تراكم لحالات منفردة، ولا يمكن اختزاله في علاقة مباشرة بين المواطن والدولة. فالمشهد أكثر تعقيدا: هناك مسؤولية مؤسسات الدولة في توسيع أو تضييق المجال العام، ومسؤولية الأحزاب في طبيعة اشتغالها وتمثيلها للمجتمع، ومسؤولية النقابات والجمعيات في قدرتها على إنتاج الوساطة الاجتماعية، ثم مسؤولية الفاعلين الحقوقيين أنفسهم في اختيار أدوات الدفاع عن الحقوق، بما فيها اللجوء إلى الخارج.


الدستور المغربي نفسه جعل من حماية الحقوق والحريات وتعزيز المشاركة الديمقراطية والمجتمع المدني والأحزاب والنقابات عناصر أساسية في البناء المؤسساتي. لكن الإشكال يبدأ عندما تتسع المسافة بين النص الدستوري والممارسة اليومية.
1. الدولة وإغلاق الفضاء الداخلي: عندما تصبح إدارة المجال العام جزءا من المشكلة
أحد مداخل فهم الخلل البنيوي هو النظر إلى كيفية إدارة الدولة للفضاء العام: حرية التعبير، الاحتجاج، التنظيم، العمل الصحفي والحقوقي، وقدرة المواطنين على تحويل مطالبهم الاجتماعية إلى مطالب سياسية ومؤسساتية.
فكلما ضاق المجال الداخلي أمام التعبير والاحتجاج والتنظيم، لم تختف المطالب بالضرورة، وإنما تبحث عن منافذ أخرى. وهنا تتحول الدولة، من حيث لا تريد، من طرف مطالب بإدارة الخلاف إلى طرف يصبح جزءا من الخلاف نفسه.
وتوجد بالفعل انتقادات حقوقية دولية متواصلة بشأن القيود المفروضة على حرية التعبير والتجمع والعمل المدني في المغرب. وفي تقريرها المنشور في فاتح أكتوبر 2026، أي بعد يومين من تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة المغربية كأول امرأة تشغل هذا المنصب، وذهبت منظمة العفو الدولية “أمنيستي” إلى أبعد من ذلك، إذ اتهمت السلطات باستخدام المراقبة والتشهير والتضييق ضد مدافعين عن حقوق الإنسان، وهي اتهامات ينبغي، صحفيا، عرضها باعتبارها مواقف موثقة لمنظمة حقوقية، لا باعتبارها حقيقة قضائية محسومة.
المسألة الجوهرية هنا ليست فقط: هل توجد قيود؟ بل: هل يمتلك المجتمع المغربي فضاء داخليا كافيا لحل نزاعاته الحقوقية والسياسية قبل أن تتحول إلى ملفات خارجية؟
فالدولة التي تريد تقليص التدخل الخارجي في قضاياها الداخلية تحتاج، بالدرجة الأولى، إلى تقوية آليات الإنصاف والحوار والمساءلة داخل حدودها.
2. الأحزاب السياسية: من تمثيل المجتمع إلى إدارة الاستحقاق الانتخابي
الطرف الثاني في المعادلة هو الأحزاب السياسية.
فالانتخابات ليست سوى إحدى لحظات الديمقراطية، بينما الديمقراطية في معناها الأوسع تبدأ بين انتخابين: في الأحياء والقرى والجامعات والنقابات والجمعيات والفضاءات المهنية والاجتماعية.
وهنا يبرز سؤال محرج: إلى أي حد أصبحت بعض الأحزاب أكثر انشغالا بمنطق الاستحقاق الانتخابي من انشغالها بالبنيات الاجتماعية المنتجة للهشاشة؟
فئات واسعة من المجتمع لا تحتاج فقط إلى برامج انتخابية، بل إلى تمثيل سياسي مستمر: الشباب، النساء، سكان المناطق الهشة، العمال، صغار الفلاحين، الفئات التي تعاني من ضعف الولوج إلى الخدمات والفرص، والمواطنون الذين يشعرون بأن المؤسسات بعيدة عن تفاصيل حياتهم اليومية.
وعندما تتحول السياسة إلى موسم انتخابي، تصبح العلاقة بين المواطن والحزب علاقة دورية، يظهر الحزب في لحظة طلب الأصوات، ثم تتراجع الوساطة السياسية بين استحقاق وآخر.
وهذا لا يعني أن الأحزاب وحدها مسؤولة عن الهشاشة الاجتماعية، ولا أن كل الأحزاب تشتغل بالطريقة نفسها، وإنما يعني أن الدور الوسيط للحزب السياسي يحتاج إلى إعادة بناء حتى لا يصبح المجتمع بلا قناة سياسية فعالة للتعبير عن مطالبه.
3. النقابات والجمعيات: تآكل الوساطة الاجتماعية
المشكلة نفسها تمتد إلى النقابات والجمعيات.
فحين تضعف النقابة كأداة للدفاع عن المصالح الاجتماعية، وتفقد الجمعية قدرتها على تأطير المواطن ومراقبة السياسات العمومية، يصبح المجال العام أكثر فراغا، وتصبح العلاقة بين الدولة والمجتمع أكثر مباشرة وتوترا.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بعدد الجمعيات أو النقابات، وإنما بمدى استقلاليتها، وقدرتها على تمثيل قواعد اجتماعية حقيقية، وإنتاج خطاب مبني على المطالب والمعطيات والحلول.
الدستور نفسه أعطى للأحزاب والنقابات والمجتمع المدني مكانة مؤسساتية واضحة، ما يعني أن ضعف هذه الوسائط لا يمثل مشكلة تخصها وحدها، بل يمس بنية المشاركة الديمقراطية برمتها.
4. رئاسة الحكومة و”مجتمع النساء”: الرمزية لا تكفي
ومن أكثر المفارقات دلالة أن النساء يشكلن نحو نصف المجتمع، بينما لا تختزل المشاركة السياسية للمرأة في عدد المناصب الوزارية أو التمثيلية الانتخابية.
وجود امرأة على رأس الحكومة، أو في موقع سياسي رفيع، يمكن أن يحمل قيمة رمزية وسياسية مهمة، لكنه لا يصبح تحولا بنيويا إلا إذا انعكس على علاقة الدولة بالنساء في التعليم والعمل والصحة والحماية الاجتماعية والمشاركة الاقتصادية والسياسية ومواجهة أشكال التمييز.
بمعنى آخر: رمزية الموقع لا ينبغي أن تحجب سؤال البنية.
فالمطلوب ليس فقط أن تصل المرأة إلى قمة الهرم، وإنما أن تتغير شروط الصعود إلى الهرم بالنسبة إلى ملايين النساء في القاعدة.
5. ضد الاستقواء بالخارج… ولكن أيضا ضد دفع المظالم إلى الخارج
هنا نصل إلى الجانب الأكثر حساسية في المعادلة.
الدفاع عن حقوق الإنسان لا يفقد مشروعيته لأنه يعبر الحدود. وفي المقابل، فإن تحويل كل خلاف داخلي إلى قضية دولية، أو بناء خطاب يقوم على استدعاء الخارج باعتباره أداة ضغط دائمة، يمكن أن يحول الحقوق من قضية مواطنة إلى ورقة في صراع سياسي وجيوسياسي.
لذلك ينبغي التمييز بين أمرين:
التدويل الناتج عن انسداد قنوات الإنصاف الداخلية، والتدويل المستخدم كاستراتيجية ضغط أو استقواء.
الأول قد يكون نتيجة طبيعية لضعف آليات الانتصاف الداخلي، والثاني يمكن أن يضعف الثقة في استقلالية الفاعل الحقوقي إذا أصبح الخارج هو نقطة الانطلاق وليس الملاذ الأخير.
لكن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بتجريم اللجوء إلى المؤسسات الدولية أو بتخوين الحقوقيين، وإنما بجعل الداخل أكثر قدرة على معالجة مشكلاته.
فكلما كانت المحاكم والمؤسسات المنتخبة والهيئات الحقوقية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام قادرة على استقبال الشكايات ومناقشتها ومساءلة المسؤولين عنها، تقل الحاجة إلى نقل المعركة إلى الخارج.
المعادلة المفقودة: دولة قوية ومجتمع قوي
المغرب لا يحتاج إلى الاختيار بين دولة قوية ومجتمع قوي.
الدولة القوية ليست الدولة التي يغلق فيها الفضاء العام، كما أن المجتمع القوي ليس المجتمع الذي يستمد قوته من الاستقواء بالخارج.
الدولة القوية هي التي تستطيع تحمل النقد والاحتجاج والمساءلة، والمجتمع القوي هو الذي يستطيع ممارسة حقوقه دون أن يحول كل خلاف إلى خصومة مع الدولة أو إلى ملف دولي.
ومن هنا، فإن مواجهة الخلل البنيوي في الحقوق والحريات لا تمر فقط عبر مطالبة الدولة بمزيد من الانفتاح، ولا عبر مطالبة الأحزاب بمزيد من الحضور، ولا عبر نقد النقابات والجمعيات، بل عبر إعادة بناء منظومة الوساطة كلها.
فالاختبار الحقيقي للديمقراطية المغربية ليس في عدد النصوص التي تضمن الحقوق والحريات، ولا في عدد الانتخابات التي تنظم، وإنما في سؤال أبسط وأعمق:
هل يستطيع المواطن المغربي أن يجد داخل بلده، وداخل مؤسساته، قناة عادلة وفعالة يسمع من خلالها صوته، ويدافع من خلالها عن حقه، ويختلف من خلالها مع السلطة، دون أن يتحول الخلاف إلى قطيعة أو إلى معركة تبحث عن فضاء خارج الحدود؟
هذه هي، في جوهرها، معركة الانتقال من إدارة الاحتقان إلى إدارة الاختلاف، ومن منطق حماية الدولة من المجتمع، إلى منطق حماية الدولة والمجتمع معا عبر القانون والمؤسسات والحقوق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist