بين التوازنات الحزبية ومحدودية القيادة النسائية: قراءة نقدية في تشكيلة مكتب مجلس النواب ورئاسة لجانه

كوثر المقدمي

لا تقتصر أهمية إعادة تشكيل أجهزة مجلس النواب على توزيع المسؤوليات بين الفرق والمكونات السياسية، بل تتجاوز ذلك إلى الكشف عن طبيعة التوازنات التي تحكم تدبير المؤسسة التشريعية، وحدود انعكاس التمثيلية السياسية على توزيع مواقع القيادة وصناعة القرار. ومن هذا المنطلق، تتيح التشكيلة المتداولة لمكتب المجلس ورؤساء لجانه الدائمة، بتاريخ 14 أكتوبر 2026، مدخلا لقراءة نقدية تتقاطع فيها ثلاثة أسئلة أساسية: كيف توزعت المسؤوليات بين الأحزاب؟ وما طبيعة المواقع التي آلت إليها هذه الأحزاب؟ وإلى أي حد يعكس الحضور النسائي داخل هذه الأجهزة انتقالا فعليا نحو تقاسم السلطة، بدل الاكتفاء بالتمثيل العددي؟

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في سياق تتجدد فيه المطالب بتعزيز الثقة في المؤسسات التمثيلية والارتقاء بأداء البرلمان في مجالات التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية، فضلا عن تكريس المشاركة السياسية للنساء باعتبارها مدخلا للديمقراطية والمساواة.
وتستند هذه القراءة إلى المعطيات المتداولة بشأن التشكيلة، مع ضرورة التمييز بين التوافقات الحزبية المعلنة قبل التصويت والنتائج النهائية التي يتعين الرجوع فيها إلى المصادر الرسمية لمجلس النواب.
– توزيع المسؤوليات بين الأحزاب.. تعددية في الرئاسات وتوازنات تحكمها الحسابات السياسية
تكشف المعطيات المتعلقة برئاسة اللجان الدائمة التسع عن توزيع متعدد الأطراف، إذ أسندت، وفق اللائحة المتداولة، رئاسة لجنتين إلى حزب الأصالة والمعاصرة، فيما توزعت الرئاسات السبع الأخرى على التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، والعدالة والتنمية، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الدستوري، بمعدل لجنة واحدة لكل حزب.
وباحتساب هذه المعطيات يستحوذ حزب الأصالة والمعاصرة على 22.2 في المائة من رئاسة اللجان مقابل 11.1 في المائة لكل واحد من الأحزاب السبعة الأخرى.
غير أن القراءة السياسية لهذا التوزيع لا ينبغي أن تتوقف عند الحساب العددي، لأن رئاسة اللجان البرلمانية ليست مسؤولية متجانسة من حيث طبيعة الاختصاصات والتأثير في النقاش العمومي. فهناك لجان تتصل مباشرة بالسياسات المالية والاقتصادية، وأخرى تضطلع بأدوار أساسية في التشريع المتعلق بالحقوق والحريات والعدالة أو في قضايا الأمن الداخلي والجماعات الترابية، أو في القطاعات الاجتماعية والبنيات الأساسية.
ومن ثم فإن السؤال لا يتعلق فقط بعدد اللجان التي حصل عليها كل حزب، وإنما أيضا بنوعية الملفات التي أصبح مسؤولا عن تدبير النقاش البرلماني بشأنها، ومدى ارتباط ذلك بموقعه داخل الأغلبية أو المعارضة وبحجم تمثيليته وقدرته على التأثير في الأجندة التشريعية والرقابية.
ويظهر من التوزيع المتداول أن التوافقات الحزبية تؤدي دورا مركزيا في تدبير المسؤوليات داخل المجلس، وهو أمر يدخل في منطق العمل البرلماني التعددي. لكن مشروعية هذه التوافقات السياسية لا تعفي من تقييم نتائجها من زاوية الفعالية المؤسساتية، ووضوح المسؤولية السياسية وقدرة اللجان على ممارسة اختصاصاتها باستقلالية ونجاعة.
فالتوازن الحزبي، في حد ذاته، ليس مؤشرا كافيا على جودة الأداء البرلماني؛ إذ تظل القيمة الحقيقية لهذه التشكيلة مرتبطة بما ستنتجه من تشريع يستجيب للحاجات المجتمعية، ورقابة فعالة على العمل الحكومي، ونقاش عمومي جاد حول السياسات العمومية.
– الحضور النسائي.. من التمثيل العددي إلى سؤال الوصول إلى مراكز التأثير
إذا كان توزيع المسؤوليات بين الأحزاب يكشف عن تعددية سياسية في قيادة اللجان، فإن قراءة التشكيلة من منظور النوع الاجتماعي تبرز تفاوتا واضحا بين حضور النساء في مكتب المجلس وحضورهن على رأس اللجان الدائمة.
فبحسب اللائحة المتداولة تضم تشكيلة المكتب خمس نساء من أصل ثلاثة عشر عضوا، أي ما يعادل نحو 38.5 في المائة. ويتعلق الأمر بمريم أوحساة، وأمينة ماء العينين، وهدى المغاري، وفاطمة الزهراء البصراوي، وعزيزة بداد.
في المقابل لا تتضمن لائحة رؤساء اللجان التسع سوى اسم نسائي واحد، هو حنان الماسي، المرتبطة برئاسة لجنة مراقبة المالية العامة والحكامة، وفق المعطيات المتداولة. وبذلك تبلغ نسبة النساء في رئاسة اللجان نحو 11.1 في المائة.
وتكشف المقارنة بين النسبتين عن فجوة تستحق الوقوف عندها: فبينما تقترب نسبة النساء في المكتب من 40 في المائة، تنخفض إلى ما يزيد قليلا على عُشر المناصب عند الانتقال إلى رئاسة اللجان الدائمة.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية حضور النساء في مكتب المجلس أو من قيمة المسؤوليات المسندة إليهن بل يقتضي التمييز بين مستويات المشاركة المؤسسية. فالمشاركة في المكتب تتيح الإسهام في تدبير شؤون المجلس بينما تمنح رئاسة اللجان موقعا مباشرا في توجيه النقاشات القطاعية، وتنظيم العمل التشريعي والرقابي، والإشراف على مناقشة مشاريع ومقترحات القوانين ذات الصلة باختصاص كل لجنة.
ومن هنا فإن الإشكال لا يتعلق بمجرد وجود النساء داخل أجهزة المؤسسة التشريعية، وإنما بمدى حضورهن في مختلف مستويات القيادة، وبقدرتهن على التأثير في الملفات ذات الأولوية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن حضور نسبة لابأس بها من النساء في المكتب مقابل محدودية حضورهن في رئاسة اللجان يطرح سؤالا حول طبيعة المعايير التي تحكم توزيع المسؤوليات، ومدى إدماج تكافؤ الفرص بين النساء والرجال ضمن المفاوضات السياسية التي تسبق تشكيل الأجهزة البرلمانية.
– ليست كل المسؤوليات متساوية.. أهمية التوزيع النوعي لمواقع القيادة
يقتضي التحليل النقدي تجاوز المقاربة التي تكتفي بإحصاء النساء والرجال، والانتقال إلى فحص طبيعة المناصب التي يشغلونها. فالتكافؤ في الحضور العددي لا يضمن بالضرورة التكافؤ في التأثير، كما أن إدماج النساء في بعض مواقع المسؤولية لا يعني تلقائيا إزالة الحواجز التي قد تحول دون وصولهن إلى مواقع أخرى.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية رئاسة لجان المالية والعدل والداخلية والخارجية والقطاعات الاجتماعية، بالنظر إلى ارتباطها بملفات استراتيجية تمس الاختيارات الاقتصادية، وضمانات الحقوق والحريات، وتدبير الشأن الترابي، والعلاقات الخارجية، والسياسات الاجتماعية.
وحسب اللائحة المتداولة، لا تتولى أي امرأة رئاسة هذه اللجان الأربع الأولى، فيما تتركز التمثيلية النسائية في رئاسة لجنة مراقبة المالية العامة والحكامة. وهي ملاحظة تفتح النقاش حول مدى تنوع مجالات القيادة النسائية، دون أن تسمح، بمفردها، باستنتاج وجود تمييز متعمد أو تحديد أسبابه.
فالحكم على عدالة توزيع المسؤوليات يتطلب معطيات إضافية، من قبيل عدد النائبات داخل كل فريق، وترتيبهن في مواقع المسؤولية، ومسارهن البرلماني، ومعايير اختيار المرشحين والمرشحات لرئاسة اللجان، فضلا عن نتائج المفاوضات التي أفضت إلى هذه التشكيلة.
لكن غياب هذه المعطيات لا يلغي مشروعية طرح السؤال السياسي: لماذا لا ينعكس الحضور النسائي داخل مكتب المجلس بالقدر نفسه على رئاسة اللجان الدائمة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي مساءلة الممارسات الحزبية الداخلية، ومدى حضور النساء في مواقع التفاوض وصنع القرار داخل أحزابهن، وطبيعة الفرص المتاحة أمامهن للوصول إلى المسؤوليات التي تتيح تأثيرا مباشرا في العمل التشريعي والرقابي.
فالمساواة في المشاركة السياسية لا تتحقق بمجرد فتح أبواب المؤسسات أمام النساء، وإنما تقتضي أيضا إزالة الحواجز التي تحد من وصولهن إلى مختلف مواقع القيادة، وضمان أن تكون الكفاءة والخبرة والاستحقاق معايير فعلية لتوزيع المسؤوليات.
– بين المناصفة وتكافؤ الفرص.. ما الذي تقوله المؤشرات؟
يؤطر الدستور المغربي المشاركة السياسية للنساء ضمن منظومة من المبادئ المرتبطة بالمساواة والمشاركة الديمقراطية. وينص الفصل 19 على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كما يدعو الدولة إلى السعي إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء.
وتوفر هذه المرجعية أساسا لتقييم التمثيلية النسائية داخل المؤسسات المنتخبة، لكنها لا تعني أن كل توزيع للمناصب يقل عن نسبة 50 في المائة يشكل، بمجرده، خرقا قانونيا لمبدأ المناصفة. إذ يتطلب التقييم القانوني الدقيق تحديد القواعد الواجبة التطبيق، وطبيعة المنصب المعني، والإجراءات المنظمة للانتخاب، والمعطيات الكاملة المتعلقة بالتمثيلية.
ومع ذلك، فإن غياب المخالفة القانونية المثبتة لا يمنع طرح سؤال الملاءمة السياسية والديمقراطية. فالمؤسسات التمثيلية مطالبة بأن تعكس، في بنيتها وممارساتها، الالتزام المعلن بالمساواة، وأن تترجم هذا الالتزام إلى فرص حقيقية للوصول إلى مواقع المسؤولية.
ومن المهم هنا التمييز بين ثلاثة مستويات متكاملة: التمثيلية، التي تقاس بعدد النساء الحاضرات؛ وتكافؤ الفرص، الذي يتعلق بمدى عدالة شروط الوصول إلى المسؤوليات؛ ثم المناصفة، بوصفها توجها دستوريا يرمي إلى تقاسم أكثر توازنا للتمثيل والسلطة.
وعليه، فإن نسبة النساء في مكتب المجلس أو في رئاسة اللجان ليست سوى مؤشر أولي. أما التقييم الأكثر عمقا، فيقتضي النظر إلى توزيع المسؤوليات داخل كل لجنة، وحضور النساء في مكاتبها، ومشاركتهن في إعداد التقارير والتعديلات التشريعية، ومدى تأثيرهن في تحديد الأولويات ومراقبة تنفيذ السياسات العمومية.
كما ينبغي عدم الخلط بين التمثيلية النسائية في أجهزة المجلس وبين نسبة النساء من مجموع أعضاء مجلس النواب. فالمؤشرات الواردة هنا تخص المناصب المحددة في اللائحة، ولا تسمح بتعميم الاستنتاجات على مجمل التمثيلية البرلمانية النسائية.

– مسؤولية الأحزاب :هل تتحول المشاركة النسائية إلى أولوية مؤسساتية
لا يمكن فصل توزيع المسؤوليات داخل البرلمان عن الممارسات السياسية للأحزاب التي تشكل بنيته. فالأحزاب ليست مجرد قنوات للترشيح والتمثيل، بل تتحمل مسؤولية أساسية في إعداد القيادات السياسية، وتوفير فرص التكوين والتدرج في المسؤولية، وضمان حضور النساء في مواقع التفاوض وصناعة القرار.
ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز القيادة النسائية لا ينبغي أن يظل رهينا بالمبادرات الفردية أو بالاعتبارات الظرفية المرتبطة بتوزيع المناصب. بل يتطلب اعتماد معايير واضحة داخل الأحزاب لاختيار المسؤولات والمسؤولين، وإتاحة فرص متكافئة للنساء لتولي رئاسة اللجان والمشاركة في قيادة الفرق، وتقييم مدى احترام الالتزامات المرتبطة بالمساواة في الممارسة الفعلية.
كما أن تطوير التمثيلية النسائية يقتضي الانتقال من منطق الحضور الرمزي إلى منطق المسؤولية والمحاسبة. فالمرأة التي تتولى منصبا قياديا ينبغي أن تتوفر لها الشروط التنظيمية والسياسية اللازمة لممارسة اختصاصاتها كما ينبغي تقييم أدائها على أساس المعايير نفسها المعتمدة في تقييم أداء الرجال.
وفي المقابل لا ينبغي اختزال النقاش في مقارنة النساء بالرجال من حيث الكفاءة، وإنما في مساءلة الشروط التي تحدد من يحصل على فرصة القيادة، والمعايير التي تستند إليها عملية توزيع المسؤوليات، ومدى انفتاحها على الكفاءات النسائية المتاحة داخل مختلف الفرق السياسية.
إن التمثيلية النسائية الفعالة ليست امتيازا يمنح، بل جزء من جودة الديمقراطية التمثيلية، وشرط من شروط بناء مؤسسات أكثر قدرة على استيعاب تنوع المجتمع والاستجابة لانتظاراته.
هنا نجد انفسنا امام نقطة تفكير اساسها : من إعادة توزيع المناصب إلى إعادة التفكير في معنى المشاركة
تتيح التشكيلة المتداولة لمكتب مجلس النواب ورؤساء لجانه الدائمة قراءة أولية للتوازنات الحزبية التي تحكم توزيع المسؤوليات، كما تكشف عن تفاوت بين حضور النساء في المكتب ومحدودية تمثيليتهن في رئاسة اللجان.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه القراءة لا تكمن في إصدار حكم نهائي على التشكيلة من خلال الأرقام وحدها بل في تحويل هذه المؤشرات إلى أسئلة مؤسساتية وسياسية حول معايير توزيع المسؤوليات، وفعالية التوافقات الحزبية، ومدى ترجمة الالتزامات الدستورية المرتبطة بالمساواة إلى ممارسات ملموسة.
فالتحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بضمان حضور النساء داخل المؤسسات، وإنما بضمان مشاركتهن في مختلف مستويات القرار، بما فيها المواقع التي تؤثر مباشرة في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية.
ومن ثم فإن تجديد هياكل البرلمان لا ينبغي أن يُقاس فقط بمدى نجاح الأحزاب في التوافق على توزيع المناصب، بل أيضا بقدرة هذا التوزيع على تعزيز الفعالية المؤسساتية وتوسيع قاعدة المشاركة، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص.
فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد تمثيل النساء داخل المؤسسات وإنما تترسخ حين يصبح لهن نصيب فعلي في توجيه القرار وصناعة السياسات التي تؤثر في حياة المواطنات والمواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist