إسبانيا: من ذاكرة الغزو إلى هواجس “الحرب الهجينة”

عبدالحميد البجوقي

ليس الخطر الأكبر في بعض الوقائع التي شهدتها سبتة خلال الأشهر الأخيرة، ولا في الأسئلة المشروعة التي يمكن طرحها حول جاهزية الدولة الإسبانية أو طريقة تدبيرها للهجرة وحماية حدودها. الخطر يكمن في شيء آخر، يكمنُ في الطريقة التي بدأ بها جزء من الخطاب السياسي والإعلامي الإسباني يعيد تركيب هذه الوقائع داخل رواية واحدة، تبدو فيها كل الأحداث مترابطة، وكل مصادفة خطة، وكل تحرك مغربي اختباراً لإسبانيا، وكل موجة هجرة «غزواً» مُدبَّراً.
إننا أمام ظاهرة تستحق أكثر من مجرد الرد السياسي. إنها تكشف عودة مقلقة إلى نوع من المِخيال الذي كان يفترض أن إسبانيا تجاوزته، أن المغرب مصدر دائم للتهديد، وتحويل الهجرة من قضية اجتماعية وإنسانية وأمنية معقدة إلى أداة في «حرب هجينة» مستمرة.
المشكلة لا تكمن في أن تكون هناك أسئلة حول ما جرى في مياه سبتة، أو حول جاهزية البحرية الإسبانية، أو حول طبيعة التنسيق بين المؤسسات الأمنية والعسكرية. من حق الصحافة والمعارضة والرأي العام الاسباني أن يطالب حكومته بالمعلومات والتفسيرات. بل إن الشفافية تصبح أكثر ضرورة عندما يتعلق الأمر بأمن الحدود.
لكن شيئاً آخر يحدث عندما تتحول الأسئلة إلى استنتاجات قطعية من دون أدلة مُعلنة، عندها لا يعود الأمر بحثاً عن الحقيقة، بل صناعةً لرواية.
حين يُقال إن عشرات الآلاف من المهاجرين لا يمكن أن يتحركوا إلا بتوجيه مباشر من المغرب، ثم تُربط هذه الحركة بمناورات بحرية، ثم تُضاف إليها تحركات قوارب الصيد، ثم يُستنتج من تزامنها جميعاً أنها أجزاء من عملية واحدة، نكون قد انتقلنا من التحليل إلى بناء نظرية متكاملة على أساس التزامن والشك. وحين تتكرر مفردات مثل «الغزو»، و«الاختبار»، و«التسلل»، و«التجريب»، و«المفاجأة»، فإن اللغة نفسها تصبح جزءاً من المشكلة.
الهجرة الجماعية إلى سبتة يمكن أن تكون نتيجة لعوامل متعددة، شبكات التواصل الاجتماعي، يأس فئة واسعة من الشباب المغربي، ديناميات شبكات الهجرة، تأثير الأخبار والشائعات، ضعف الرقابة في لحظة معينة، أو حسابات سياسية وأمنية. وقد تكون هناك أيضاً أخطاء أو تقصيرات أو حتى قرارات متعمدة من جهات مختلفة. لكن إثبات ذلك يحتاج إلى تحقيقات وأدلة، لا إلى جمع الوقائع المتزامنة داخل سردية واحدة ثم تقديمها باعتبارها حقيقة مكتملة.
الأخطر أن هذه اللغة لا تبقى في حدود التحليل، بل تُنتج مناخاً نفسياً وسياسياً. ومع تكرار كلمة «الغزو»، يصبح المهاجر في الوعي العام «جنديا مهاجماً»، ويصبح المغربي المحتمل وراءه «مُخطِّطاً»، وتتحول العلاقات بين البلدين إلى “عدُوَّين” في حالة حرب دائمة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى، مفارقة أن يصدر هذا النوع من الخطاب عن شخصيات تنتمي إلى النخب السياسية أو الدبلوماسية والأمنية يجعل الأمر أكثر خطورة، لا أكثر إقناعاً. الدبلوماسية، في جوهرها، تقوم على الفصل بين الوقائع والاحتمالات، وبين الخصومة والمصلحة، وبين ما نعرفه وما نظنه. أما إشعال المخاوف وتوسيع دائرة الاتهام فلا يحتاج إلى دبلوماسيين، يكفيه خطاب غاضب وشبكات التواصل الاجتماعي.
ليس المطلوب من إسبانيا أن تقبل شروط المغرب ـ إذا كانت هناك شروط ـ في تدبير خلافاتهما، ولا أن تتخلى عن مصالحها أو أمنها أو “سيادتها” على سبتة ومليلية. المنتظر هو العكس تماماً، أن تكون إسبانيا دولة واثقة من نفسها، تعرف كيف تحمي حدودها من دون تحويل كل أزمة إلى معركة حضارية، وكيف تختلف مع الرباط من دون العودة إلى لغة القرن التاسع عشر.
المغرب ليس دولة هامشية يمكن اختزالها في صورة «الجار الذي يُهدد الحدود». إنه بلد تربط إسبانيا به مصالح استراتيجية ضخمة، منها التجارة، الأمن، الطاقة، مكافحة الإرهاب، الهجرة، الاقتصاد، والحدود الأوروبية نفسها. ومن العبث أن تُبنى هذه العلاقة على الشك الدائم وعلى الاعتقاد بأن كل ما يحدث قرب سبتة ومليلية جزء من مؤامرة مغربية طويلة الأمد.
إن أخطر ما في هذه السردية الإسبانية أنها قد تُصبح نبوءة تُحقق ذاتها. فعندما يُقدَّم المغرب باستمرار باعتباره خصماً محتملاً وجاراً غير موثوقاً، يصبح أي حادث جديد دليلاً إضافياً على صحة الرواية، حتى قبل التحقيق فيه. وعندما تُستعمل الهجرة لإثارة الخوف، يصبح المهاجر نفسه مادة سياسية أكثر منه إنساناً، وتتحول العلاقات الثنائية إلى مسرح دائم للتعبئة.
إسبانيا تحتاج اليوم إلى مزيد من المعلومات، نعم، وإلى يقظة أمنية أكبر، بالتأكيد، وإلى مُساءلة الحكومة عندما تخفق، بلا شك. لكنها تحتاج قبل كل شيء إلى شيء أبسط وأصعب، تحتاج إلى برودة الأعصاب.
بين اليقظة والبارانويا paranoia السياسية خيط رفيع. وبين حماية الحدود وصناعة «عدو دائم» مسافة أقل مما تبدو.
لقد كان القرن العشرون مليئاً بالحرائق التي أشعلتها الكلمات قبل أن تصل إليها الجيوش. أما القرن الحادي والعشرون فلا يحتاج إلى مزيد من «الحرائق» ومن السياسيين الذين يرون النار في كل دخان.
المشكلة ليست في أن تكون إسبانيا “يقِظة”. المشكلة حين تصبح اليقظة نفسها مرضاً، وحين يتحول كل شك إلى يقين، وكل مصادفة إلى مؤامرة، وكل مهاجر إلى «غازٍ»، وكل مغربي إلى متهم بالانخراط في طابور خامس يعمل لصالح جيش من الأشباح الغزاة.
عندها لا نكون أمام سياسة أمنية قوية، بل أمام حرّاس للوقود يبحثون دائماً عن عود ثقاب جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist