ما الذي يمكن لليسار أن يقدمه للوطن؟ بين مسؤولية التدبير وأخلاق المعارضة. 

عبد الإله ابعيصيص

-الإصلاح له ثمن والمشاركة فيه تقتض ي الجرأة على المغامرة بالرصيد.
ليس السؤال الذي ينبغي أن يشغل اليسار المغربي اليوم هو من يملك الشرعية لتمثيله، أو من كان أكثر وفاءً لماضيه، أو من ظل أكثر تشبثاً بشعاراته الإيديولوجية، بل هناك سؤال آخر سؤال أكثر إلحاحاً  :
ماذا يستطيع اليسار أن يقدم للوطن وللمواطنات والمواطنين، سواء كان في الحكومة أو في المعارضة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتض ي تجاوز السجالات التقليدية حول شرعية المشاركة أو نقاء المعارضة، والانتقال إلى مساءلة الوظيفة التي يؤديها كل موقع في الحياة السياسية. فالمشاركة الحكومية ليست جرما،
كما أن المعارضة ليست دليلاً تلقائياً على الالتزام بالمبادئ. المعيار الحقيقي هو ما يضيفه كل منهما إلى قدرة المجتمع على تحقيق العدالة الاجتماعية، وتوسيع الحريات، وصيانة الكرامة، وترسيخ الديمقراطية ،وحماية المصالح العليا للوطن.
لقد راكم اليسار المغربي تاريخاً من النضال والتضحيات، وارتبط في الذاكرة الوطنية بالدفاع عن الديمقراطية والحقوق الاجتماعية والحريات العامة. غير أن التاريخ، مهما كانت قيمته، لا يمنح أصحابه حصانة أبدية، كما أن التحولات السياسية لا تعني بالضرورة التخلي عن المبادئ. وبين الوفاء للماض ي ومسؤولية الحاضر والاستعداد للمستقبل، يتحدد امتحان اليسار الحقيقي.
-يسار الحكومة: مسؤولية التدبير من دون فقدان الهوية
يواجه اليسار المشارك في الحكومة امتحاناً بالغ الصعوبة؛ إذ ينتقل من موقع المطالبة والنقد إلى موقع المسؤولية عن القرار، ومن إعلان الانحياز إلى الفئات الشعبية إلى ضرورة إثبات هذا الانحياز من خلال السياسات العمومية. فالتدبير الحكومي ليس تمريناً خطابياً، ولا يمكن اختزال السياسة في النوايا الحسنة، أو إبداع لغة جديدة لمواقع جديدة. فالخيارات الحكومية محكومة بتوازنات اقتصادية ومالية وسياسية معقدة. لكن الاعتراف بصعوبة التدبير لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة دائمة لتبرير التراجع عن الالتزامات، كما أن الإقرار بحدود الممكن لا يعفي من محاولة توسيعه. فثمة فرق بين يسار يشارك في الحكومة حاملاً معه أسئلته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويسار يذوب في منطق الأغلبية حتى يفقد ما يميزه عن بقية مكوناتها.
إن الوفاء لروح اليسار لا يعني تكرار مواقف الماض ي أو رفض كل تحول، بل الحفاظ على القدرة النقدية التي جعلت منه قوة سياسية مرتبطة بأسئلة العدالة والمساواة والحرية. فمن حق الأحزاب اليسارية أن تراجع برامجها، وأن تتكيف مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وأن تعيد النظر في أدواتها السياسية؛ لكن ليس من حقها أن تتخلى عن الأسئلة التي منحتها مبرر وجودها، ثم تقدم هذا التخلي باعتباره مجرد تحديث للخطاب. من يستفيد من الثروة؟ كيف توزع أعباء الإصلاح؟ ما موقع الفئات الهشة في السياسات العمومية؟ كيف نضمن تكافؤ الفرص؟ وما الذي يجعل النمو الاقتصادي تقدماً اجتماعياً حقيقياً؟ هذه ليست أسئلة صالحة للمعارضة وحدها، بل ينبغي أن تظل حاضرة في صلب الممارسة الحكومية لليسار.
إن المواطن الذي يصوت لحزب يساري لا يمنحه تفويضاً مفتوحاً للاندماج في أي توجه حكومي، بل يمنحه ثقته على أساس تصور معين للمجتمع وللعلاقة بين الدولة والسوق، وبين النمو والتوزيع، وبين الاستقرار والحرية. ولذلك، فإن المشاركة لا تكتسب معناها إلا بقدر ما تحدث فرقاً ملموساً في السياسات والنتائج.
ولا يقاس هذا الفرق بعدد المناصب التي حصل عليها الحزب، أو بحجم حضوره داخل الأغلبية، أو بقدرته على الدفاع عن الحصيلة الحكومية بلغة تقنية، بل بمدى مساهمته في تحسين الخدمات العمومية، وحماية القدرة الشرائية، وتوسيع فرص الشغل اللائق، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز الحقوق والحريات.
قد يجد الحزب نفسه مضطراً إلى تقديم تنازلات بحكم طبيعة الائتلاف الحكومي، وهذا أمر وارد في الممارسة السياسية. لكن المصداقية تقتض ي أن يوضح ما الذي دافع عنه، وما الذي حققه، وما الذي تعذر عليه تحقيقه، ولماذا اختار الاستمرار في المشاركة رغم حدودها. فالتسوية السياسية ليست عيباً في ذاتها، لكن تحويلها إلى تنازل دائم عن الهوية مشكلة حقيقية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لليسار وهو يدبر السلطة ليس أن يضطر إلى التسوية، بل أن يفقد القدرة على التمييز بين ما اضطر إلى قبوله وما أصبح مقتنعاً به، وبين ما عجز عن تغييره وما لم يعد يرغب في تغييره.
-يسار المعارضة: نقد الحكومة من دون الرهان على فشلها
إذا كان اليسار الحكومي معرضاً لخطر الذوبان في منطق التدبير، فإن يسار المعارضة يواجه خطراً آخر: أن يختزل دوره في انتظار تعثر الحكومة، وأن يجعل من إخفاق خصومه دليلاً على صواب مواقفه، حتى عندما لا يمتلك بديلاً واضحاً ومقنعاً .
إن المعارضة وظيفة ديمقراطية أساسية، وليست مجرد موقع ينتظر صاحبه فرصة الوصول إلى السلطة. وهي مسؤولية في الرقابة والتقييم والتنبيه إلى الاختلالات واقتراح البدائل. والمجتمع يحتاج إلى معارضة يقظة لا تسمح بتطبيع الأخطاء، ولا تتساهل مع سوء التدبير، ولا تتعامل مع القرارات العمومية باعتبارها شأناً داخلياً للأغلبية. لكنه يحتاج أيضاً إلى معارضة تميز بين الخطأ الذي ينبغي فضحه، والاختيار الذي ينبغي مناقشته، والنجاح الذي ينبغي الاعتراف به، والأزمة التي تتطلب موقفاً وطنياً يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.
هناك فرق جوهري بين معارضة تستثمر سياسياً في فشل الحكومة، ومعارضة تسعى إلى منع هذا الفشل أو الحد من كلفته، ثم تحاسب الحكومة على مسؤوليتها عنه. فالأزمات التي يدفع المواطنون ثمنها لا تصبح مكاسب وطنية لمجرد أنها تضعف الأغلبية، ومعاناة الناس لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للتشفي أو إلى رهان انتخابي مجرد من المسؤولية. ولا يعني ذلك مطالبة المعارضة بالتخفيف من نقدها أو التنازل عن حقها في الصراع السياس ي. على العكس، ينبغي أن تكون حازمة في مواجهة السياسات التي توسع الفوارق، أو تمس الحقوق الاجتماعية، أو تضعف المؤسسات، أو تكرس تضارب المصالح. لكن قوة المعارضة لا تقاس بحدة خطابها وحدها، بل بقدرتها على تحويل النقد إلى معرفة سياسية، والاعتراض إلى ضغط ديمقراطي، والمطالب إلى بدائل قابلة للنقاش والتنفيذ.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى من يخبره بأن الحكومة أخفقت؛ إنه يحتاج إلى من يوضح له كيف كان يمكن تجنب الإخفاق، وما البديل الممكن، وما شروط تنفيذه، ومن سيتحمل كلفته. وليس كل نقد معارضة، وليس كل معارضة بديلاً، وليس كل فشل حكومي انتصاراً للمعارضة. كما أن استحضار المصلحة العليا للوطن لا ينبغي أن يكون امتيازاً تحتكره الحكومة، ولا شعاراً تستعمله المعارضة لتعليق مسؤولياتها. فالمصلحة الوطنية مجال للتقدير والنقاش، وقد تقتض ي تنافساً حاداً حول السياسات الداخلية، كما قد تفرض تنسيقاً واسعاً في مواجهة التحديات الاستراتيجية. ولا تناقض بين الأمرين ما دام التوافق لا يعطل النقد، وما دامت المعارضة لا تجعل من الخلاف الحزبي سبباً لإضعاف المصالح الوطنية.
إن المعارضة الجادة هي التي تستطيع أن تقول «لا» حين تقتض ي الضرورة ذلك، وأن تقترح البدائل حين يكون الاقتراح ممكناً، وأن تعترف بالصواب حين يصدر عن خصومها، من دون أن تعتبر الاعتراف هزيمة سياسية. فالنضج الديمقراطي لا يقاس فقط بقدرة الفاعلين على إلحاق الهزيمة بعضهم ببعض، بل بقدرتهم على جعل التنافس وسيلة لتحسين السياسات العمومية.
-القواعد الاجتماعية: مصدر الشرعية ومرجع الحصيلة
ثمة حقيقة ينبغي أن يستحضرها يسار الحكومة ويسار المعارضة معاً: القواعد التي يعودان إليها ليست مجرد جمهور انتخابي يظهر خلال الحملات، أو مناضلين يستدعون عند الحاجة إلى التعبئة، أو ذاكرة نضالية يجري استثمارها كلما ضاق الحاضر عن تقديم الحجج. إنها مصدر أساس ي للشرعية السياسية، ومرجع لتقييم الحصيلة، وشريك مفترض في صياغة الاختيارات. إن احترام هذه القواعد يبدأ بالاعتراف بحقها في السؤال والاعتراض والمحاسبة. فلا يمكن لحزب أن يطالب المجتمع بالثقة فيه، ثم ينظر إلى النقد الداخلي باعتباره تهديداً لوحدته، أو إلى الاختلاف باعتباره خروجاً عن الانضباط. فالتنظيم الذي لا يحتمل النقاش داخل صفوفه يصعب أن يقنع المجتمع بقدرته على إدارة الاختلاف داخل مؤسسات الدولة.
وهذا التحدي لا يخص اليسار الحكومي وحده. فالمعارضة أيضاً مطالبة بألا تعتبر التفاف قواعدها حولها أمراً مضموناً بفعل الذاكرة أو الانتماء التاريخي. فالمواطنون الذين لا يجدون في الحزب فضاء للتأثير في القرار، ولا يرون في مواقفه تعبيراً عن انشغالاتهم، قد ينسحبون من العمل السياس ي أو يفقدون الحماسة للمشاركة الانتخابية. كما أن التاريخ النضالي، مهما كان مشرفاً، لا يمنح أي حزب حقاً دائماً في ثقة المواطنين. فالتضحيات السابقة تستحق التقدير، لكنها لا تعفي من تقديم الحساب عن المواقف الحالية. والمواطنون لا يصوتون للذاكرة وحدها، بل يقارنون بين الوعود والنتائج، وبين الخطاب والممارسة، وبين ما يقال باسمهم وما يتحقق في حياتهم اليومية. المواطن الذي منح صوته لحزب مشارك في الحكومة من حقه أن يسأل عما حققته مشاركته، وما الذي دافع عنه داخل الأغلبية، ولماذا استمر إذا كانت الحصيلة بعيدة عن التزاماته .وبالمثل، فإن المواطن الذي منح ثقته لحزب معارض من حقه أن يسأله عن البدائل التي اقترحها، وعن المبادرات التي قادها، وعن قدرته على تحويل الاعتراض إلى قوة اقتراح وتغيير. فالانتخابات ليست نهاية العلاقة بين الحزب والمواطن، بل بداية عقد سياس ي وأخلاقي لا تكتمل قيمته إلا بالمحاسبة.
-الاختلاف داخل اليسار: تنافس على البدائل لا على احتكار التاريخ
ليس مطلوباً من يسار الحكومة ويسار المعارضة أن يتطابقا في مواقفهما، ولا أن يتخليا عن اختلافاتهما باسم وحدة المرجعية التاريخية. فقد تكون المشاركة وسيلة لتغيير بعض السياسات من داخل المؤسسات، وقد تكون المعارضة أداة للضغط والرقابة وتقديم البدائل. لكن هذا الاختلاف لا يصبح مفيداً لمجرد وجوده؛ بل حين يدفع كل طرف إلى تطوير تصوره وإثبات جدوى اختياراته أمام المجتمع. إن الرهان الحقيقي ليس أن ينتصر أحدهما على الآخر، أو أن يثبت طرف أنه الممثل الشرعي الوحيد للتاريخ اليساري، بل أن يستعيد اليسار، بمختلف تعبيراته، قدرته على التأثير في اتجاه التطور الاجتماعي والسياسي.
فبدلاً من التنافس على احتكار صفة اليسار، يمكن التنافس على تقديم أجوبة أكثر إقناعاً عن قضايا المدرسة العمومية، والصحة، والشغل ، والحريات، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. وبدلاً من استنزاف الطاقات في تبادل الاتهامات ومحاكمة النوايا، يمكن جعل الاختلاف مناسبة لتجديد الفكر السياس ي، وإعادة بناء الصلة بالمجتمع، واستعادة الثقة في العمل الحزبي. إن الوطن لا يحتاج إلى يسار متطابق في مواقفه، بل إلى يسار قادر على الاختلاف دون أن يفقد بوصلته الاجتماعية والديمقراطية، وعلى التنافس دون أن يحول الخصومة السياسية إلى خصومة مع المجتمع، وعلى مراجعة مواقفه دون التنكر لتاريخه.
-لا شرعية بلا حصيلة ولا حصيلة بلا مساءلة
على يسار الحكومة أن يدرك أن المشاركة مسؤولية وليست امتيازاً، وأن الوفاء لتاريخه لا يكون باستعادة شعاراته، بل بتحويل مبادئه إلى سياسات ملموسة. وعلى يسار المعارضة أن يدرك أن معارضة الحكومة ليست غاية في ذاتها، وأن ضعف الخصم لا يعوض قوة المشروع، وأن الأزمات التي تصيب المجتمع لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبات للتشفي أو رهانات انتخابية مجردة من المسؤولية الوطنية.
وعلى الطرفين معاً ألا ينسيا أن قواعدهما ليست أرقاماً في صناديق الاقتراع، بل مواطنات ومواطنون لهم حقوق وانتظارات ومصالح، ومناضلات ومناضلون راكموا تجارب وتضحيات، وأجيال جديدة لا يكفيها أن تسمع عن أمجاد الماض ي، بل تريد أن تعرف ما الذي يستطيع اليسار تقديمه اليوم وغداً .
إن الوطن لا يحتاج إلى يسار يربح المعارك الكلامية ويخسر المجتمع، ولا إلى يسار يربح مقاعد التدبير ويخسر هويته، ولا إلى يسار يربح لحظات المعارضة ويؤجل باستمرار امتحان البدائل. إنه يحتاج إلى قوة سياسية تجعل من المسؤولية معياراً للمصداقية، ومن العدالة الاجتماعية بوصلة للاختيارات، ومن المحاسبة شرطاً لاستعادة الثقة. وفي نهاية كل تجربة سياسية، لن يكون السؤال الذي يطرحه المواطنون هو من كان أكثر وفاءً لشعارات اليسار، أو أكثر حدة في انتقاد خصومه، بل سؤال أبسط وأقس ى: ماذا تغير في حياتنا بفضل وجودكم؟ ماذا فعلتم من أجل كرامتنا وحقوقنا؟ وأي فرق صنعتم بين الواقع الذي انتقدتموه والواقع الذي وعدتم ببنائه؟
فالماض ي يمنح اليسار حق الاعتزاز، لكنه لا يمنحه حق الإعفاء من الحساب. وليس المهم أن يكون في الحكومة أو في المعارضة، بل أن يكون في مستوى التزاماته أمام المواطنات والمواطنين، وأن يجعل من تاريخه النضالي قوة لتغيير الحاضر، لا بديلاً عن تقديم الحصيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist