-حين يصبح توقف الدعم تهديدا لمستقبل الفتيات.. أين المنتخبون وأين الالتزام بتكافؤ الفرص؟
ليست دار الطالبة بموقريصات مجرد مؤسسة للإيواء وليست أرقام المستفيدات منها مجرد معطيات إدارية عابرة. إنها بالنسبة إلى فتيات قرويات فرصة لمواصلة الدراسة وبالنسبة إلى أسرهن أمل في مستقبل أفضل، وبالنسبة إلى المجتمع رهان على كسر دائرة الهشاشة والإقصاء وإعادة إنتاج الفقر.
لكن هذا الأمل بات مهددا وفق المعطيات المتوفرة بعد توقف الدعم الذي كان يقدمه المجلس الإقليمي ومجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، في وضع يثير مخاوف جدية بشأن قدرة المؤسسة على مواصلة أداء دورها الاجتماعي والتربوي ويضع مستقبل المستفيدات أمام أسئلة لا تحتمل التأجيل.
42 فتاة في مواجهة خطر الانقطاع عن الدراسة
تستقبل دار الطالبة بموقريصات التابعة للتعاون الوطني بإقليم وزان حاليا 42 مستفيدة فيما توجد فتيات أخريات على لائحة الانتظار رغم أن الطاقة الاستيعابية للمؤسسة تبلغ 55 مستفيدة.
هذه الأرقام تختزل واقعا يتجاوز حدود التدبير اليومي لمؤسسة اجتماعية. فنحن أمام فتيات يحتجن إلى شروط الإيواء والاستقرار لمواصلة تعليمهن وأمام أسر قد تجد نفسها عاجزة عن تحمل تكاليف التنقل والإقامة ومستلزمات الدراسة خصوصا في الوسط القروي حيث تتحول المسافة بين المنزل والمؤسسة التعليمية أحيانا إلى حاجز فعلي أمام الحق في التعليم.
إن توقف الدعم إذا لم تتم معالجته في الوقت المناسب لا يهدد فقط استمرارية خدمة اجتماعية بل قد يضع عددا من التلميذات أمام احتمال الانقطاع عن الدراسة، ويعيدهن إلى واقع الهشاشة الذي أنشئت مثل هذه المؤسسات أساسا لمواجهته.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح بوضوح هو: هل يعقل أن يصبح مستقبل فتيات قرويات رهينا باستمرار تحويلات مالية أو تجديد اتفاقية دعم في غياب ضمانات تضمن استمرارية خدمة اجتماعية بهذه الأهمية؟
-حين يتراجع الدعم.. من يتحمل المسؤولية؟
إن الحديث عن توقف دعم المجلس الإقليمي ومجلس الجهة يستدعي توضيحا رسميا بشأن أسباب هذا التوقف وطبيعته ومدته، والجهة المسؤولة عن اتخاذ القرار، والتدابير التي جرى اتخاذها لتفادي انعكاساته على المستفيدات.
فلا يجوز أن تتحول المؤسسات الاجتماعية إلى فضاءات معلقة بين تعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات، بينما تظل الفتيات وأسرهن أول من يتحمل كلفة التعثر المالي أو الإداري.
وإذا كانت دار الطالبة بموقريصات تابعة للتعاون الوطني، فإن ذلك لا يلغي أهمية تدخل الشركاء الترابيين في إطار اختصاصاتهم والتزاماتهم القانونية والمالية، ولا يعفي مختلف المؤسسات المعنية من واجب التنسيق والبحث عن حلول تضمن استمرارية خدماتها.
اليوم دار الطالبة تحاول انقاد مستقبل ازيد من 42 فتات بدعم بسيط من التعاون وتدخل المحسنين لكن هذا لايكفي امام مسؤولية المتدخلين الاخرين والتزاماتهم .
إن المطلوب اليوم ليس تبادل المسؤوليات ولا انتظار تفاقم الوضع حتى يتحول خطر الهدر المدرسي إلى واقع، وإنما فتح حوار عاجل بين التعاون الوطني والمجلس الإقليمي ومجلس الجهة، وباقي المتدخلين المعنيين، لتحديد أسباب توقف الدعم وتأمين الموارد الضرورية لاستمرار المؤسسة في أداء رسالتها.
فالحق في التعليم لا ينبغي أن يتوقف عند حدود توفير مقعد داخل الفصل الدراسي بل يقتضي أيضا توفير الشروط الاجتماعية والمادية التي تمكن الفتاة من الوصول إلى المدرسة والاستمرار فيها.
●أين دور البرلمانيين بإقليم وزان؟
في مثل هذه الحالات، لا يقتصر دور البرلمانيين على مواكبة النقاشات السياسية العامة أو الحضور في المناسبات واللقاءات المحلية. بل تبرز مسؤوليتهم في نقل انشغالات المواطنات والمواطنين إلى المؤسسات المختصة، وممارسة الرقابة البرلمانية، والدفاع عن الأولويات الاجتماعية للإقليم.
ومن هذا المنطلق، فإن وضعية دار الطالبة بموقريصات تطرح أسئلة مباشرة على ممثلي إقليم وزان بمجلسي البرلمان:
أين المبادرة البرلمانية العاجلة لطرح هذا الملف على الجهات الحكومية المعنية؟ وأين مساءلة القطاعات الوصية بشأن أسباب تعثر الدعم وانعكاساته المحتملة على تمدرس الفتيات؟ وهل جرى التواصل مع التعاون الوطني والمجالس الترابية المعنية من أجل إيجاد حل مستعجل ومستدام؟
إن من حق الرأي العام المحلي أن يعرف ما إذا كان البرلمانيون قد بادروا إلى التحرك وما الإجراءات التي يمكنهم اتخاذها، كل من موقعه، للمساهمة في معالجة هذا الوضع.
ويمكن للنواب في حدود اختصاصاتهم الدستورية، توجيه أسئلة كتابية أو شفوية إلى الحكومة، ومساءلة القطاعات المعنية عن ضمان استمرارية خدمات الإيواء المدرسي، والعمل على إدراج هذا الإشكال ضمن النقاش العمومي حول العدالة المجالية وتكافؤ الفرص. كما يمكنهم القيام بوساطة مؤسساتية مسؤولة لتقريب وجهات النظر بين المتدخلين، والدفع نحو حل لا يجعل التلميذات ضحايا للتعثر في تدبير الشراكات أو التمويل.
إن قيمة التمثيل السياسي لا تقاس فقط بما يقال تحت قبة البرلمان، بل أيضا بمدى القدرة على تحويل حاجات المواطنات والمواطنين إلى قضايا فعلية تحظى بالترافع والمتابعة والمساءلة.
تمدرس الفتاة ليس امتيازا بل حق والتزام عمومي
لا يمكن فصل هذه القضية عن الالتزامات الدستورية للمغرب في مجال الحق في التعليم والمساواة وتكافؤ الفرص. فالفصل 31 من الدستور يؤكد مسؤولية الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، كل في مجال اختصاصه، في تعبئة الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من جملة من الحقوق، من بينها الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة.
كما أن حماية الحق في التعليم تقتضي الانتباه إلى العوائق التي تواجه الفتيات في الوسط القروي، حيث قد تتداخل صعوبات النقل وبعد المؤسسات التعليمية والهشاشة الاقتصادية مع عوامل اجتماعية أخرى، لتجعل الاستمرار في الدراسة تحديا يوميا بالنسبة إلى عدد من الأسر.
ومن هنا فإن مؤسسات الإيواء المدرسي ليست مجرد مرافق ثانوية بل أدوات عملية لتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية وتوسيع فرص الفتيات في التعلم والاستقلال الاقتصادي والمشاركة في الحياة العامة.
وحين تصبح استمرارية هذه المؤسسات مهددة فإن الأمر يستدعي تدخلا يتجاوز الحلول الظرفية نحو بناء آليات تمويل وتنسيق تضمن عدم رهن المسار الدراسي للتلميذات بتقلبات الدعم أو تأخر تجديد الشراكات.
●من المسؤول عن حماية هذا الحق؟
إن حماية دار الطالبة بموقريصات مسؤولية تستدعي عملا مشتركا لا مزايدات سياسية ولا اتهامات غير مدعمة بالمعطيات.
فالتعاون الوطني مطالب بتوضيح وضعية المؤسسة وحاجياتها والتدابير المتخذة لضمان استمرارية خدماتها. والمجلس الإقليمي ومجلس الجهة مطالبان بتوضيح أسباب توقف الدعم، ومآل الشراكات السابقة، وإمكانات استئناف المساهمة أو اعتماد صيغة قانونية ومالية بديلة. كما أن السلطات والقطاعات الحكومية المعنية مدعوة إلى تنسيق تدخلاتها بما يضمن عدم المساس بحقوق المستفيدات.
أما البرلمانيون، فالمطلوب منهم ممارسة دورهم الرقابي والترافعي، ومتابعة الملف إلى حين الوصول إلى حل ملموس، بدل الاكتفاء بالتفاعل الموسمي مع القضايا الاجتماعية.
وإلى جانب ذلك، ينبغي التعامل بجدية مع وجود فتيات على لائحة الانتظار، لأن معالجة أزمة الاستمرارية وحدها لا تكفي إذا ظلت المؤسسة عاجزة عن الاستجابة لحاجيات فتيات أخريات يحتجن إلى فرصة لمواصلة تعليمهن.
إن المطلوب ليس فقط إنقاذ الموسم الدراسي الحالي، بل ضمان استقرار المؤسسة، وتحديد حاجياتها المالية الفعلية، وإرساء التزامات واضحة بين الشركاء، مع آلية للتتبع والمساءلة تحول دون تكرار الأزمة.
لا تجعلوا الفتيات يدفعن ثمن تعثر التدبير
إن أخطر ما في هذه القضية هو أن تتحمل التلميذات نتائج اختلالات لا يملكن سلطة التحكم فيها.