عرق النسا.. عندما يتحول العصب إلى مصدر للمعاناة

هبة السفياني

لم يعد ألم أسفل الظهر مجرد عارض عابر يرافق التعب أو المجهود البدني، بل أصبح من أكثر الآلام شيوعا في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتزداد فيه ساعات الجلوس أمام الحاسوب والهاتف، ويقل فيه النشاط والحركة. ومن بين أكثر الحالات التي أصبحت تثير الانتباه، يبرز عرق النسا أو ما يعرف بالسياتيك، ذلك الألم الذي قد يبدأ من أسفل الظهر، لكنه لا يكتفي بالبقاء هناك، بل يمتد على طول مسار العصب الوركي وصولا إلى الساق والقدم.
والعصب الوركي هو أطول عصب في جسم الإنسان، ويمتد من أسفل الظهر عبر منطقة الأليتين وصولا إلى الساقين. وعندما يتعرض أحد جذوره للضغط أو التهيج، يظهر الألم المعروف بالسياتيك، وقد يكون بسيطا ومحتملا لدى البعض، بينما يتحول لدى آخرين إلى ألم حاد أو حارق يحد من الحركة ويؤثر في تفاصيل الحياة اليومية.
وتتعدد الأسباب التي تقف وراء هذا الألم، ويأتي في مقدمتها الانزلاق الغضروفي، عندما يتعرض أحد الأقراص الموجودة بين فقرات العمود الفقري للتمزق أو الانتفاخ، فيضغط على أحد جذور الأعصاب. كما يمكن أن يكون تضيق القناة الفقرية، أو التغيرات المرتبطة بخشونة المفاصل والزوائد العظمية، من العوامل المؤدية إلى ظهور الأعراض. وفي بعض الحالات، قد يكون السبب تشنجا أو تقلصا عضليا يضغط على العصب، وهو ما يعرف أحيانا بعرق النسا الكاذب.
ولا يقتصر السياتيك على الشعور بألم في الظهر، إذ يمكن أن يظهر في صورة وخز أو تنميل، أو إحساس بالحرقان، وقد يصاحبه ضعف في عضلات الساق أو القدم في الجهة المصابة. وغالبا ما تزداد حدة الأعراض مع الجلوس لفترات طويلة أو الانحناء، كما قد يشتد الألم أثناء السعال أو العطس.
ويبدو نمط الحياة العصري أحد العوامل التي تجعل مشاكل الظهر أكثر حضورا؛ فالجلوس الطويل، وقلة الحركة، وضعف عضلات الظهر والبطن، إلى جانب بعض العادات اليومية الخاطئة، كلها عوامل قد تزيد من الضغط على العمود الفقري وتساهم في ظهور آلام الظهر والأطراف.
أما التعامل مع السياتيك، فيختلف بحسب السبب وشدة الأعراض. ففي الحالات البسيطة، قد تساعد الراحة النسبية وتجنب المجهود المفرط، إلى جانب الكمادات الدافئة أو الباردة، على تخفيف الألم. وقد يصف الطبيب بعض المسكنات أو مضادات الالتهاب، وأحيانا مرخيات العضلات بحسب الحالة. كما يشكل العلاج الطبيعي والتمارين المناسبة لتقوية عضلات الظهر والبطن وتحسين المرونة جزءا مهما من العلاج والوقاية من تكرار الألم.
وفي بعض الحالات التي لا تستجيب للعلاجات المعتادة، قد يلجأ الطبيب إلى حقن الكورتيكوستيرويد لتقليل الالتهاب حول العصب، بينما تظل الجراحة خيارا لحالات محددة وشديدة، خصوصا عندما يكون الضغط العصبي مستمرا أو تظهر علامات عصبية مقلقة.
ورغم أن السياتيك غالبا ما يمكن التعامل معه بالعلاج المناسب، فإن بعض الأعراض تستدعي عدم الانتظار، خصوصا إذا ترافق الألم مع ضعف شديد أو متزايد في الساق، أو فقدان السيطرة على المثانة أو الأمعاء، إذ تستوجب هذه الحالات تقييما طبيا عاجلا.
في النهاية، قد يكون السياتيك أحد أبرز آلام العصر، لكنه ليس قدرا لا مفر منه. فالحركة المنتظمة، وتقوية العضلات، وتجنب الجلوس الطويل، والانتباه إلى وضعية الجسم أثناء العمل والنوم ورفع الأشياء، كلها خطوات بسيطة يمكن أن تصنع فرقا كبيرا في صحة الظهر. وفي زمن أصبحت فيه ساعات الجلوس أطول من ساعات الحركة، ربما يكون أفضل علاج وقائي لظهورنا هو أن نمنحها حقها في الحركة قبل أن تذكرنا بالألم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist