المجتمع المدني بين الإجراءات القانونية والممارسة الميدانية

التحرير

تقديم:

تقدم هذه الدراسة، التي أعدها الدكتور عبد السلام بوعسل، أستاذ العلوم الاقتصادية والتدبير ودكتور في القانون الخاص، قراءة في واقع المجتمع المدني، من خلال بحث العلاقة بين الإطار القانوني المنظم لعمله والممارسة الميدانية وما تفرزه من تحديات.
وتتوقف الدراسة عند أبرز الأدوار التي يضطلع بها المجتمع المدني في التنمية والدفاع عن الحقوق والحريات، كما تسلط الضوء على الإكراهات التي تواجهه، من بيروقراطية وقيود إدارية إلى محدودية الموارد ومحاولات التوظيف السياسي، قبل أن تطرح مجموعة من المقترحات الكفيلة بتعزيز فعاليته واستقلاليته.

—الحلقة الثانية—

على المستوى الوطني، يشكل دستور المغرب لسنة 2011 نقطة تحول في الاعتراف بالمجتمع المدني كفاعل مركزي في الإصلاح والتنمية. فقد نص الفصل 12 وما يليه على ضمان حرية تأسيس الجمعيات والنقابات، وإشراكها في صياغة السياسات العمومية، مع إلزام الدولة بتهيئة الظروف الملائمة لعملها. ويكتمل هذا الإطار الدستوري عبر منظومة تشريعية متفرعة ومتنوعة.
وذاك البناء القانوني يعكس سعي المشرع المغربي إلى تحقيق توازن بين حرية التنظيم ومتطلبات النظام العام، مما يتيح للمجتمع المدني أن يكون شريكا في التنمية والديمقراطية التشاركية.
غير أن مسألة التمويل تظل محددا رئيسيا لمدى استقلالية وفعالية هذه الهيئات؛ إذ يسمح القانون للجمعيات بالاستفادة من الدعم العمومي وفق معايير الشفافية والمساءلة، غير أن هذا الدعم قد يتحول إلى آلية احتواء إذا ارتبط بشروط مقيِّدة. لذلك تبرز الحاجة إلى تنويع مصادر التمويل والاعتماد على الموارد الذاتية للحفاظ على الاستقلالية.
وعليه، يمكن القول إن المجتمع المدني في المغرب محمي بإطار قانوني ودستوري متقدم نسبيا، يوازي المرجعيات الدولية لحقوق الإنسان، لكنه يظل رهينا بمدى التطبيق الفعلي لهذه الضمانات وبالتوازن بين استقلاليته وبين تدخل الدولة عبر آليات التمويل والرقابة.
المطلب الثاني: الضمانات القانونية
تشكل الضمانات القانونية ركيزة أساسية لضمان استقلالية المجتمع المدني وفعاليته في ممارسة أدواره التكميلية للدولة. ومن أبرز هذه الضمانات:
الحق في تأسيس الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، الذي يعد من الحقوق الأساسية للمواطن، ويعد مؤشرا على مستوى الديمقراطية في الدولة، كما يكفل الدستور المغربي لسنة 2011، ولا سيما الفصل 12 وما بعده، للمواطنين الحق في إنشاء الجمعيات والانخراط فيها بحرية، دون تدخل تعسفي من الدولة، ما يتيح للفرد ممارسة نشاطه المدني والمساهمة في التنمية الاجتماعية والثقافية والسياسية، ويأتي هذا الحق متناغما مع الالتزامات الدولية للمغرب، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللذين يكفلان حرية تكوين الجمعيات والانخراط فيها.
كما تعتبر حرية الانخراط في الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية من الضمانات الجوهرية التي تتيح للأفراد المشاركة الفاعلة في الحياة العامة. فهي تمنح كل مواطن الحق في اختيار الانتماء إلى جمعية أو نقابة أو حزب سياسي بحسب قناعاته ومصالحه، دون إجبار أو تمييز، ويضمن القانون المغربي رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل والذي ينظم حرية الانخراط النقابي، على سبيل المثال، حرية العمال في الانخراط في النقابات واختيار ممثليهم، مع حماية حقوقهم في التعبير والتنظيم.
وتعد أيضا الاستقلالية عن الدولة شرطا أساسيا لضمان فعالية المجتمع المدني وموضوعيته في أداء دوره الرقابي والمجتمعي، وتشمل هذه الاستقلالية القدرة على اتخاذ القرارات الداخلية وإدارة الموارد المالية والبشرية دون تدخل أو ضغط من السلطات العمومية، مع احترام القوانين المعمول بها، كما يرتكز القانون رقم 12.03 المتعلق بالجمعيات على هذا المبدأ، إذ يتيح لها حرية تنظيم نفسها داخليا وتنفيذ أنشطتها بشكل مستقل، ما يعزز مصداقيتها أمام المجتمع ويضمن قدرتها على التعبير الحر والمساهمة في الإصلاح الاجتماعي والتنمية المستدامة.
والحال هاته، يمكن القول إن هذه الضمانات القانونية تشكل قاعدة أساسية لتمكين المجتمع المدني من أداء وظائفه، سواء في المرافعة عن الحقوق، أو المشاركة المواطنة، أو المساهمة في التنمية المحلية، مع التأكيد على ضرورة موازنة هذه الحقوق مع الالتزامات القانونية لضمان الشفافية والمساءلة
كما تشكل آليات المشاركة المباشرة، كالعريضة والملتمسات وسائر أشكال الضغط الشعبي المنظّم، وسيلة قانونية وعمليّة لربط المجتمع المدني بمراكز صنع القرار، وتمكين المواطنين من طرح قضاياهم على السلطة العامة والمطالبة باتخاذ إجراءات محددة. هذه الآليات لا تمثل مجرد أدوات احتجاجية، بل هي جزء من منظومة الحقوق السياسية والمدنية التي تَعتبرها مناهج الديمقراطية التمثيلية المكملة للديمقراطية التشاركية، بحيث تتيح توسيع قاعدة المشاركة وإشراك فئات أوسع في عملية صياغة السياسات.
على الصعيد القانوني والمؤسسي، تعطى بعض الأطر الإقليمية والدولية وزنا واضحا لحق تقديم العرائض والملتمسات كقنوات تواصل بين الجمهور والمؤسسات، فالاتحاد الأوروبي يكفل للمواطنين والهيئات المقيمة فيه حق توجيه العرائض إلى مؤسسات الاتحاد وطلب التدخّل في مسائل تدخل في ميدان نشاطها، وهو ما عبّر عنه كلٌّ من معاهدات الاتحاد وميثاق الحقوق الأوروبي في نصوص محددة تنظم هذا الحق وطرقه العملية، كما أن نظام حقوق الإنسان الأوروبي يضع إطارا واسعا لحماية حرية التجمع والتعبير والتنظيم، ما يجعل آليات العرائض جزءا من حقيبة الحقوق الضامنة لمشاركة المجتمع المدني في النقاش العمومي.
من الناحية النظرية، يوفر الفقه المقارن إطارين مفيدين لفهم قيمة هذه الآليات، أولهما التصور الداخلي الذي يربط بين المشاركة والشرعية الديمقراطية، معتبرًا أن الحق في المشاركة شرط لكون القرارات ملزمة وذات قبول شعبي؛ وثانيهما مدرسة المشاركة الممكِّنة، التي طورها الباحثون الذين يرون في آليات المشاركة المباشرة أدوات لتوسيع ممارسة الحكم من خلال تجارب محلية ممكِّنة تحول المواطنين من مراقبين إلى فاعلين.
هاتان الرؤيتان تبرزان قيمة العرائض والملتمسات ليس كوسائل تكتيكية فحسب، بل كآليات مؤسسية تثري العملية الديمقراطية وتزيد من شرعيتها وفاعليتها.
مع ذلك، يحذر الفقه المقارن من قيود فعالية هذه الأدوات عندما تفتقر إلى شروط جوهرية، منها وضوح المساطر القانونية، وعتبة توقيعات قابلة للتحقق، وآليات للردّ الرسمي الملزم أو شبه الملزم، والشفافية في معالجة المطالب، فالنجاح الواقعي للعريضة أو الملتمس لا يعتمد فقط على الحق القانوني في تقديمها، بل على وجود آليات مؤسسية تترجمها إلى إجراءات ملموسة كجدولة لنظر الطلب، وإجابة مبرّرة، وإمكانية إحالة الملف إلى برلمان أو لجنة مختصة، وإلا فإنها قد تتحول إلى فعل رمزي يفتقر إلى تأثير حقيقي، وهذا التحليل يتقاطع مع نقد الفقه الذي يميّز بين المشاركة الشكلية والمشاركة المُمكّنة.
ففي سياق المقارنة التطبيقية، تظهر تجارب عدة دول أوروبية وأميركية أن الجمع بين الضمانات القانونية، كحق التقديم والعتبات المنطقية، والمؤسسات الإجرائية، كالمنصات إلكترونية شفافة، جداول زمنية للرد، إمكانية الاستئناف البرلماني، يضاعف من أثر هذه الآليات.
وبناء على ذلك، يمكن استنتاج مبدأ عملي مهم، فالتركيز على صياغة تنظيمية واضحة للعريضة والملتمسات، مع إدماج آليات تُلزم السلطة العامة بالردّ أو بتحريك الإجراءات اللازمة، يحول المشاركة المدنية من ممارسة رمزية إلى أداة فعالة في ضبط السياسات العمومية.
وخلاصة القول إن الإطار القانوني والدستوري يشكل الضامن الأساس لاستقلالية المجتمع المدني وفعاليته، إذ يكفل دستور المغرب لسنة 2011، ولا سيما الفصل 12 وما بعده، الحق في تأسيس الجمعيات والانخراط فيها بحرية، انسجامًا مع الالتزامات الدولية الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما يعزز هذا الإطار حرية الانخراط النقابي والسياسي، ويقرّ مبدأ الاستقلالية عن الدولة في تدبير الشؤون الداخلية للجمعيات، بما يضمن مصداقيتها وقدرتها على المرافعة والمساهمة في التنمية الديمقراطية والاجتماعية.
إلى جانب ذلك، تمثل آليات المشاركة المباشرة مثل العرائض والملتمسات أدوات مكملة للديمقراطية التمثيلية، إذ تتيح للمواطنين التأثير في صياغة السياسات العامة وربط المجتمع المدني بمراكز القرار، غير أن فعالية هذه الآليات تظل رهينة بوضوح المساطر القانونية، ووجود آليات مؤسسية ملزمة للرد والتفاعل، كما تؤكد التجارب المقارنة، ومن ثمة فإن الجمع بين الضمانات القانونية الصلبة وآليات مشاركة ممكِّنة يشكل شرطا لتحويل المجتمع المدني من فاعل رمزي إلى قوة مؤثرة في ضبط السياسات العمومية.
المبحث الثاني: الممارسة الميدانية والتحديات
الممارسة الميدانية تكشف دائماً عن الفجوة بين ما تنص عليه القوانين وما يجري على أرض الواقع، فهي تمثل الامتحان الحقيقي لنجاعة النصوص والإجراءات، غير أن هذه الممارسة لا تخلو من صعوبات ومعيقات تتجلى في تحديات قانونية وتنظيمية واجتماعية، تجعل من تفعيل الأدوار المنوطة بالمجتمع المدني رهيناً بمدى القدرة على تجاوزها وبناء جسور الثقة بين الإطار القانوني والتطبيق العملي.
المطلب الأول: التحديات العملية للمجتمع المدني
تشكل البيروقراطية الإدارية إحدى أبرز العراقيل التي يواجهها المجتمع المدني في ممارسته الميدانية، إذ تتحول النصوص القانونية التي يفترض أن تكون أداة تمكين إلى عوائق شكلية تعرقل النفاذ إلى الفعل المدني، فإجراءات التأسيس والتصريح القانوني غالبا ما تتسم بالطول والتعقيد، مما يؤدي إلى إضعاف المبادرة الجمعوية ويؤثر سلبا في حرية التنظيم.
ويلاحظ ماكس فيبر أن البيروقراطية، رغم ما تقدمه من انتظام وانضباط، قد تتحول إلى آلية تعطيل للمبادرات إذا لم تضبط بآليات الشفافية والمساءلة، حيث يقول إن البيروقراطية قد تكون أداة فعالة، لكنها حين تتحول إلى غاية في ذاتها فإنها تكبح روح الإبداع وتحد من المبادرات الحرة.
وعلى المستوى العملي، نجد أن الجمعيات في العالم العربي، ومن بينها المغرب، تعاني من التأويل الإداري الضيق لمقتضيات القانون، سواء تعلق الأمر بمسطرة التصريح بالتأسيس أو الحصول على وصولات الإيداع، أو فيما يخص الحصول على التمويلات والشراكات مع الدولة أو الممولين الأجانب، حيث تتسم هذه المساطر بالتعقيد والبطء.
كما أن إلزامية المحاسبة التي تفترض فيها تعزيز الشفافية المالية، قد تتحول عمليا إلى عبء ثقيل على الجمعيات الصغيرة والمتوسطة التي تفتقر إلى الموارد البشرية المؤهلة، مما يضعف فعاليتها في تنفيذ مشاريعها، ويرى الفقه أن المشاركة المدنية تحتاج إلى فضاءات مفتوحة ومرنة، وليس إلى تعقيدات بيروقراطية تعيد إنتاج الهيمنة بدل أن تعزز الديمقراطية.
وقد أكد الفقه أيضا، في معرض حديثه عن الحق في تقديم العرائض بالبرلمان الأوروبي، أن البيروقراطية حين تتجاوز حدود التنظيم المشروع تتحول إلى أداة إقصاء غير مباشر، بحيث تجعل المشاركة المدنية شكلية وغير فعالة.
إن الإشكال هنا لا يكمن في وجود قواعد محاسبية أو مساطر تنظيمية بحد ذاتها، بل في التوظيف المفرط للبيروقراطية الذي يفضي إلى إضعاف فعالية المجتمع المدني، ويحد من قدرته على القيام بأدواره الدستورية في التنمية والترافع والمشاركة في رسم السياسات العمومية.
ويعد ضعف الموارد المالية والبشرية من أبرز التحديات التي تعيق فعالية الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني في المغرب، فعلى الرغم من الاعتراف الدستوري بدور هذه الهيئات في الفصل 12 وما يليه من دستور 2011، فإن ممارستها الميدانية تبقى محدودة بسبب النقص الحاد في التمويل والاستثمار في القدرات البشرية.
فمن جهة أولى، تعاني أغلب الجمعيات من هشاشة مالية، إذ تعتمد أساسا على التمويلات المحدودة من المنخرطين أو بعض المنح العمومية التي غالبا ما تخضع لشروط وإجراءات بيروقراطية معقدة، وقد اعتبر الفقه أنّ المجتمع المدني لا يمكنه الاضطلاع بدوره كاملا في غياب دعم مادي قار ومستدام، لأن ضعف الموارد المالية يفرغ النصوص الدستورية من فعاليتها العملية.
ومن جهة ثانية، يلاحظ نقص كبير في الكفاءات البشرية المؤهلة داخل الجمعيات، سواء في مجال التدبير الإداري والمالي أو في مجال صياغة المشاريع وتنفيذها، فالكثير من الفاعلين الجمعويين ينشطون بصفة تطوعية، مما يحد من قدرتهم على الاستمرارية والاحترافية، ويؤكد الفقه المقارن في تحليله لدور رأس المال الاجتماعي أن فاعلية المجتمع المدني مرتبطة بجودة الموارد البشرية التي يتوفر عليها، وليس فقط بحجم أعضائه، وهو ما ينطبق على الحالة المغربية حيث يظل الاستثمار في تكوين الفاعلين الجمعويين ضعيفا.
وبالتالي، فإن إشكالية الموارد المالية والبشرية تجعل المجتمع المدني في مواجهة صعوبات مضاعفة، فالنصوص القانونية والدستورية تفتح أمامه آفاقا واسعة للمشاركة في السياسات العمومية، لكن غياب الدعم الكافي يعرقل ترجمته لهذه الإمكانيات على أرض الواقع.
ثم إن التنسيق بين مكونات المجتمع المدني يعتبر من التحديات الجوهرية التي تحد من نجاعة أدائه الجماعي، فبالرغم من العدد الكبير للجمعيات والهيئات التي تنشط في مجالات متعددة، فإن العمل المشترك بينها غالبا ما يصطدم بعوائق مؤسساتية وتنظيمية وثقافية.
أولا، تتجلى هذه الصعوبات في تشتت المبادرات وغياب آليات مؤسساتية فعالة لتجميع الجهود ضمن إطار موحد، فكثير من الجمعيات تشتغل في نفس المجال أو في نفس الرقعة الجغرافية، لكنها لا تتمكن من خلق شبكات تنسيق أو تحالفات استراتيجية بسبب ضعف ثقافة العمل المشترك، مما يؤدي إلى تكرار المشاريع وإهدار الموارد.
ثانيا، يطرح البعد التنافسي بين الجمعيات إشكالا إضافيا، حيث تتركز الجهود على الحصول على التمويل أو الاعتراف الرسمي أكثر من التركيز على تحقيق أهداف التنمية المشتركة، وقد أشار الفقيه جون كين إلى أن المجتمع المدني القوي لا يتأسس فقط على تعددية الجمعيات، بل على قدرتها على التشبيك والتعاون لتحقيق المصلحة العامة، وهو ما يفتقد إليه السياق المغربي في جوانب عديدة.
ثالثًا، يظل ضعف الأطر القانونية والتنظيمية للتنسيق عاملا آخر يعيق العمل الجماعي، إذ بالرغم من وجود المجالس والهيئات الاستشارية، مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أو هيئات الديمقراطية التشاركية المنصوص عليها دستوريا، إلا أن مساهمة هذه الآليات في بناء جسور عملية بين الجمعيات لا تزال محدودة.
وبالإضافة إلى ذلك، يبرز البعد الثقافي والسياسي كعنصر مؤثر، حيث إن انقسام المرجعيات الفكرية والإيديولوجية بين الفاعلين الجمعويين ينعكس على مستوى التنسيق، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى تباعد في الأولويات وصعوبة الاتفاق على أجندة موحدة.
وبالتالي، يمكن القول إن غياب التنسيق الفعّال يفرغ، في كثير من الأحيان، مضامين المشاركة المجتمعية من قوتها، ويجعل أثر المجتمع المدني على السياسات العمومية والتنمية المحلية محدودا.
والخلاصة أن المجتمع المدني في المغرب يواجه جملة من العراقيل البنيوية التي تحد من قدرته على ممارسة أدواره الدستورية والتنموية، حيث تشكل البيروقراطية الإدارية أبرز هذه التحديات؛ فالإجراءات المعقدة الخاصة بالتأسيس أو الحصول على التمويلات والشراكات تجعل النصوص القانونية أحيانا أداة تعطيل بدل أن تكون وسيلة تمكين، كما أن إلزامية المحاسبة والشفافية تتحول في كثير من الحالات إلى عبء ثقيل على الجمعيات الصغيرة التي تفتقر إلى الكفاءات والموارد، هذه الممارسات، التي حذر منها ماكس فيبر بوصفها بيروقراطية مفرطة تقيد المبادرة وتحد من الإبداع، تجعل المشاركة المدنية شكلية وغير فعالة ما لم تواكبها آليات واضحة للمساءلة والمرونة.
إلى جانب ذلك، يعاني المجتمع المدني من ضعف الموارد المالية والبشرية ومن غياب التنسيق بين مكوناته، فالهشاشة المالية والاعتماد المفرط على الدعم العمومي المشروط يفرغان الضمانات الدستورية من فعاليتها، فيما يظل الاستثمار في تكوين الفاعلين الجمعويين ضعيفا، مما ينعكس سلبًا على الاحترافية والاستمرارية. كما أن غياب ثقافة العمل المشترك، وتشتت المبادرات، والتنافس على التمويل والاعتراف الرسمي، كلها عوامل تضعف من نجاعة الأداء الجماعي، وتظل الأطر القانونية والمؤسساتية للتنسيق محدودة الفاعلية، في حين تعمّق الانقسامات الفكرية والإيديولوجية بين الجمعيات صعوبة بناء أجندة موحدة، وهو ما يجعل أثر المجتمع المدني على السياسات العمومية والتنمية المحلية محدودًا رغم الإطار الدستوري المتقدم.

—– يتبع —–

‐——————————-

– الفصل 12 وما يليه من الدستور المغربي لسنة 2011.
– ظهير شريف رقم 1.03.194 صادر في 14 من رجب 1424 (11 سبتمبر 2003) بتنفيذ القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، الجريدة الرسمية عدد 5167 بتاري خ 13 شوال 1424 (8 ديسمرب2003)، ص .3969، كما تم تعديله بالقوانين التالية:
– القانون رقم 02.21 الرامي إلى تغيير وتتميم المادتين 32 و256 من القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.03.194 بتاريخ 14 رجب 1424 (11 سبتمبر 2003)، كما وقع تغييره، والصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.21.01 بتاريخ 22 جمادى الآخرة 1442 (5 فبراير 2021)، الجريدة الرسمية عدد 6959 مكرر بتاريخ 26 جمادى الآخرة 1442 (9 فبراير 2021)، ص. 1139؛
– القانون رقم 19.12 بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعاملات والعمال المنزليين، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.21 بتاريخ 6 ذو القعدة 1437 (10 أغسطس 2016)، الجريدة الرسمية عدد 6493 بتاريخ 18 ذو القعدة 1437 (22 أغسطس 2016)، ص. 6175؛
– القانون رقم 11.58 المتعلق بمحكمة النقض، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.170 بتاريخ 27 ذو القعدة 1432 (25 أكتوبر 2011)، بموجبه تم نسخ الظهير الشريف رقم 1.57.223 بتاريخ 2 ربيع الأول 1377 (27 سبتمبر 1957) بشأن المجلس الأعلى؛ الجريدة الرسمية عدد 5989 مكرر بتاريخ 28 ذو القعدة 1432 (26 أكتوبر 2011)، ص. 5228؛
– القانون رقم 48.06 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.06.233 بتاريخ 28 ربيع الأول 1428 (17 أبريل 2007) بحذف الخدمة العسكرية؛ الجريدة الرسمية عدد 5519 بتاريخ 5 ربيع الآخر 1428 (23 أبريل 2007)، ص. 1283.
– القانون رقم 12.03 المتعلق بالجمعيات، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.376 بتاريخ 15 من شوال 1423 (20 ديسمبر 2002)، الجريدة الرسمية عدد 5054 بتاريخ 7 نونبر 2002، ص. 3175.
– Robert A. Dahl, On Democracy. Yale University Press, Where and How Did Democracy Develop?.1998. p.9
– European Parliament — Fact Sheet: The Right to Petition, Article 227 of the TFEU, on site web: www.europarl.europa.eu, visited the 09.30.2015 at 14.53
-Vogiatzis, NThe. Past and Future of the Right to Petition the European Parliament. Yearbook of European Law, (2021). 40, 82–110. https://doi.org/10.1093/yel/yeab009, visited the 09.30.2015 at 15.02
– نفس المرجع أعلاه.
– Max Weber, Economy and Society, University of California Press, 1978, p. 223
– Dahl, Robert A. (1998). On Democracy. Yale University Press, p. 37
– Nikos Vogiatzis, Past and Future of the Right to Petition the European Parliament, German Law Journal, Vol. 22, 2021, p. 922.
– محمد الأعرج، الحريات والحقوق الأساسية في تطبيقات القضاء الإداري المغربي، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، المجلد الأول، العدد الأول، السنة 2018، ص. 242
– Robert D. Putnam, Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community, Simon & Schuster, 2000, p. 67.
– John Keane, Civil Society: Old Images, New Visions, Polity Press, 1998, p. 36.
– معاذ النجاري، المجتمع المدني كأفق للتفكير ورهان حقيقي للتنمية البشرية، مقال منشور بمجلة نقد وتنوير، العدد الثامن، السنة الثانية، يونيو 2021، ص. 169 راجع في ذلك أيضا: رشيد جرموني، المجتمع المدني بين السياق الكوني والتجربة المغربية، مجلة فكر ونقد، عدد 97، أبريل 2008، ص. 22

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist