وزارة الذكاء الاصطناعي: رهان مؤسسي لعصر رقمي جديد في المغرب

من ميامي (الولايات المتحدة): لطيف كاسيدي

في لحظة ترمز إلى بداية حقبة جديدة في الإدارة المغربية، مع تعيين الملك محمد السادس حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، وهي أول امرأة ترأس السلطة التنفيذية في البلاد، يبرز أيضا حدث آخر وهو قرار إنشاء وزارة جديدة تحمل اسم “وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة”، والذي يضع الذكاء الاصطناعي في صميم منظومة التدبير الوطني، حيث يمثل نقطة تحول تاريخية بظهور مصطلح “الذكاء الاصطناعي” لأول مرة في تاريخ المؤسسات المغربية ضمن تسمية حقيبة وزارية.

أوكلت هذه الحقيبة إلى أحمد رحو. وحسب النبذة التي قدمتها وكالة المغرب العربي للأنباء، فإن رحو تابع دراسته بالمدرسة الوطنية العليا للاتصالات السلكية واللاسلكية ومدرسة “البوليتيكنيك” بباريس حيث حصل على دبلوم مهندس، ليبدأ مسيرته المهنية مسؤولا عن مجال المعلوميات بالخطوط الملكية المغربية وينتقل بعدها إلى عالم المقاولات وتدبير المؤسسات، حيث شغل منصب خبير في التدبير المعلوماتي لدى شركة “سيما ميترا” ثم منصب مدير البرمجة ومراقبة التدبير إلى حين تعيينه مديرا عاما مساعد. بعدها أصبح عضوا بالمجلس الإداري لمصرف المغرب، ثم عضوا مكلف بشبكة وكالات المصرف بالمغرب وخارجه، ومديرا عاما لشركة “لوسيور كريستال”، وبعدها رئيسا مديرا عاما للقرض العقاري والسياحي.
هذا وقد عين رحو سفير سابق لدى الاتحاد الأوروبي ورئيسا لبعثة المغرب لدى المجموعة الأوروبية للطاقة الذرية، وفي سنة 2021 عينه الملك رئيسا لمجلس المنافسة، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى يوم تعيينه وزيرا. وقد خلف رحو في هذا الملف أمل الفلاح السغروشني، الباحثة في الذكاء الاصطناعي، التي كانت تقود التحول الرقمي بوصفها وزيرة منتدبة.
قرار إنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي ليس قرارا شكليا، بل يمثل قفزة نوعية مقارنة بالبنية السابقة، التي كانت فيها الرقمنة والذكاء الاصطناعي منصهرة داخل حقيبة “التحول الرقمي”. وبهذا أصبحت الدولة المغربية تعلن، بقرار تنظيمي، أن الذكاء الاصطناعي قضية سيادة وتنافسية اقتصادية وتحديث إداري، وليس ملفا محصورا في المهندسين والشركات.
-خلفية سابقة للمرحلة الجديدة:
يصل المغرب إلى هذه المرحلة ولديه خلفية سابقة، إذ احتفى في عام 2025 بأولى أشغال المناظرة الوطنية الأولى حول الذكاء الاصطناعي، ووقع اتفاقيات لبناء استراتيجية “فعالة وأخلاقية” لهذه التقنية. وفي عام 2026، أطلق خارطة الطريق “الذكاء الاصطناعي المغربي 2030″، الهادفة إلى تطوير حلول ذات سيادة وموثوقة متوائمة مع الأولويات الوطنية.


وبهذا ستكون مهمة الوزارة الجديدة الأولى تنسيق هذه الأجندة، حيث تشمل مهامها المحتملة تبسيط المساطر العمومية، ومحاربة الفساد عبر التتبع الرقمي، وتحسين الخدمات الموجهة إلى المواطنين، ودعم الشركات الناشئة، وتكوين الكفاءات المتخصصة.
في هذا الصدد أشار رحو خلال حفل تسليم السلطة، إلى أن مشروع الرقمنة والذكاء الاصطناعي له بعدان متكاملان: الأول يجعله رافعة لتحسين الخدمة العامة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، بينما الثاني يجعله نظاما اقتصاديا متكاملا ذا قيمة مضافة عالية، قادر على خلق فرص عمل، كما نقلت ذلك تغطية قناة ميدي أن.
ويكتسي هذا التوقيت دلالة خاصة كون هذه الحكومة تمثل قطيعة تاريخية في التمثيل السياسي المغربي، كما أن إدماج الذكاء الاصطناعي في البنية الوزارية يوحي بإرادة تحديث الدولة برؤية حديثة طويلة المدى.
بالإضافة إلى ذلك، يأتي هذا القرار في وقت بدأت فيه المملكة فعلا ببناء قدراتها المؤسسية. فقد شارك المغرب في تقييم اليونسكو لمستوى الجاهزية للذكاء الاصطناعي، حيث أشار هذا التشخيص الصادر عام 2024 إلى أنه لم يكن يملك بعد قانونا خاصا بالذكاء الاصطناعي، رغم توفره على بيئة ملائمة في مجالات الاتصال والأمن السيبراني وحماية المعطيات.
وتهدف خارطة الطريق الوطنية إلى الانتقال من كون البلد مستهلكا للتقنيات إلى منتج لحلول خاصة به، مع الحفاظ على السيادة الرقمية. وفي هذا الصدد يمكن أن تكون الوزارة الأداة السياسية القادرة على تحويل هذه الطموح إلى سياسات عمومية ملموسة.
إذن، بإنشاء الوزارة ينضم المغرب إلى ناد محدود جدا من الدول التي منحت الذكاء الاصطناعي وزنا وزاريا مباشرا. فعلى الصعيد العالمي، لا تملك سوى نحو عشر دول وزارة أو منصبا وزاريا مخصصا تحديدا للذكاء الاصطناعي.
ولا توجد تسمية موحدة ومستقرة، لأن النماذج تتباين: فبعض الدول تنشئ وزارات كاملة كما هو الشأن بالمغرب، وبعضها يعين وزراء منتدبين أو كتاب دولة، وبعضها الآخر ينشأ وكالات وطنية.


الإمارات العربية المتحدة تعتبر الرائدة المطلقة، حيث عينت في عام 2017 أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي في العالم بوزارة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بعد. بالإضافة تبرز هذه الدول أيضا: السعودية، التي مركزت في عام 2019 السياسات في الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي؛ كندا، التي أنشأت في مايو 2025 وزارة الذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي؛ كازاخستان، التي أنشأت في عام 2025 وزارة الذكاء الاصطناعي والتطوير الرقمي؛ المملكة المتحدة، التي عينت في عام 2026 وزير دولة للذكاء الاصطناعي، مدرج ضمن إحدى الوزارات؛ إسبانيا، التي تضم أمانة دولة للرقمنة والذكاء الاصطناعي؛ فرنسا، التي لديها وزيرة منتدبة مكلفة بالذكاء الاصطناعي والرقمنة؛ وترينيداد وتوباغو، التي دمجت الإدارة العمومية والتحول الرقمي في وزارة للإدارة العمومية والذكاء الاصطناعي.
أما أنجح نماذج الإدماج، فهي ما قامت به ألبانيا التي أبهرت العالم بتعيينها في عام 2025 الآنسة “ديلا”، وزيرة مولدة بالذكاء الاصطناعي، للإشراف على الصفقات العمومية.
أما الأمر الأكثر مفارقة هو أن الولايات المتحدة، التي أنجبت هذا التخصص في ورشة دارتموث عام 1956 وتسيطر اليوم على صناعته، لا تملك وزارة اتحادية مخصصة حصرا للذكاء الاصطناعي، فهي تدير هذه التقنية عبر بنية موزعة تشمل البيت الأبيض، والمؤسسة الوطنية الأمريكية للمعايير والتقنية، والوزارات القطاعية.
-مهام الوزارة الجديدة:
إنشاء جهاز حكومي للذكاء الاصطناعي ليس غاية في ذاته، بل أداة، وتتوقف قيمته على أن يكون جهازا للحكامة العرضية، لا “وزارة تقنية أعيدت تسميتها”. ويمكن لوزارة الذكاء الإصطناعي المغربية إن صممت بشكل سليم أن تحقق للبلد أربع فوائد على الأقل كخطوة أولى:
أولا: تنسيق الاستراتيجية الوطنية حيث يملك المغرب بالفعل خارطة الطريق “المغرب الذكاء الاصطناعي 2030″، التي عرضت في سبتمبر 2026، وتحدد أهدافاً طموحة: 100 مليار درهم (نحو 10 مليارات دولار) من القيمة المضافة إلى الناتج الداخلي الخام، و50 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، وتكوين أو اعتماد 200 ألف موهبة بحلول عام 2030. إذن فما على الوزارة الآن إلا تحويل هذه الأرقام إلى نتائج قابلة للتحقق.
ثانيا: تطوير بنية تحتية ذات سيادة أي متابعة وتتبع خطط المغرب التي تقوم على إنشاء مراكز معطيات، وسحابة ذات سيادة، وإقامة شبكة معاهد “الجزري” (الجذور، المدينة الذكية، تكنولوجيا التعليم، والصناعة 4.0)، والاستمرار في استثمار الحاسوب الفائق توبقال التابع لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية.
الانتقاد الوحيد هنا هو غياب اللغة العربية عن أغلب المواقع ، كموقع الحاسوب الفائق، حيث لا يجب الاستهانة باللغة خاصة وان هناك من لا يتقن اللغات الأجنبية، ولنا في الإمارات العربية المتحدة أحسن مثال حيث أن جل مواقعها تتضمن الجانب العربي. وهنا وجبت الإشارة إلى إمكانية إستغلال عقد الشراكة مع الشركة الفرنسية “مسترال” لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي بالعربية والدارجة لإدراج هاته النقطة في جدول الأعمال.
على الوزارة الآن وهي تحمل إسما مختصا أن تخلق برنامج متابعة وملائمة لكي لا يعتمد البلد حصريا على أنظمة أجنبية.
ثالثا: تحديث الإدارة حيث تهدف مشاريع مثل المساعد الرقمي “إدارتي بالذكاء الاصطناعي” والمحفظة الإلكترونية الوطنية إلى تقليص المساطر وأزمنة الاستجابة، وبما أن الخبراء يحذرون من أن رقمنة مسطرة لا تعني تلقائيا تبسيطها؛ يجب أولا إعادة تصميم المسارات الإدارية.
رابعا: دعم التكوين والمهارات، وذلك بالإستفادة من مدرسة البرمجة 1337 إلى وضع البرامج الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة والأساتذة والموظفين العموميين، حتى لا يوسع الذكاء الاصطناعي الفجوة بين المؤسسات الكبرى والأقاليم الأقل تجهيزا.
هنا قد نكون على الطريق الصحيح لأن الوزير رحو قد حدد أولوياته وعددها: الرقمنة، والسيادة الرقمية، والأمن السيبراني، وحماية المعطيات الشخصية، وإصلاح الإدارة. إذن فالتحدي، كما يشير تحليل نشر في مجلة “تيل كيل”، هو أن “السياسة العمومية للذكاء الاصطناعي يجب أن تكون سياسة نتائج، لا مجموعة من العروض التجريبية”.
إن الخطر ليس في إنشاء الوزارة، بل الخطر هو الاعتقاد بأن إنشاءها كفيل بحل المشكلة.
-دلالة اللحظة:
الرمزية في هذه المرحلة مزدوجة، فقيام امرأة وهي فاطمة الزهراء المنصوري، المحامية والرئيسة السابقة لجماعة مراكش، بترأس الحكومة لأول مرة يبعث إشارة إلى التجديد والقطيعة مع السياسة التقليدية، كما أن إنشاء وزارة يتصدر اسمها الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه يؤكد أن الحكومة الجديدة تريد أن تندرج في المستقبل التقني، لا في الاستمرارية الإدارية وحدها.
ويضم البرنامج الحكومي 2026-2031، الذي قدمته المنصوري أمام البرلمان، ضمن أولوياته السبع الكبرى دعم التقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي والتحول الطاقي والسيادة العلمية والرقمية.
وعلى المستوى الجيوسياسي، يتنافس المغرب لجذب الاستثمار والكفاءات والبنية التحتية في سباق عالمي أصبح فيه التحكم في المعطيات والطاقة والقدرة الحاسوبية أمرا استراتيجيا.
يقدر صندوق النقد الدولي أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في نحو أربعون في المئة من الوظائف في العالم، وقد تصل النسبة إلى ستين في المئة في الاقتصادات المتقدمة. لذا فإن التموضع المبكر هو رهان لتجنب أن يصبح البلد مجرد سوق مستهلك للابتكارات الأجنبية.
-المخاطر والضوابط اللازمة:
عمل الوزارات يولد مخاطر أيضا، وقد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى تهديد إذا استخدم دون حدود ديمقراطية.
فأنظمة التعرف على الوجوه (إن أقيم)، أو التحليل الجماعي للمعطيات، أو الاعتدال الآلي للمحتوى، قد تقيد حرية التعبير، وتراقب الصحفيين والناشطين، أو تخنق الأصوات النقدية بحجة محاربة الشائعات أو حماية الأمن.
كما أن أتمتة القرارات الإدارية قد تحسن الخدمة، لكنها قد تعيد إنتاج التحيزات وتستبعد المواطنين الأقل إلماما بالتقنيات الرقمية، في الأحياء الهامشية والقرى على سبيل المثال. ولذلك يصبح التتبع والإشراف البشري ضرورة عندما يتخذ خوارزم قرارا بشأن منحة أو عقوبة.
ويتعاظم الخطر عندما تمس القرارات الخوارزمية الحقوق من دون تفسير أو حق في الطعن القضائي أو رقابة مستقلة. وقد أوصت اليونسكو الدول بأن تكيف أطرها التنظيمية لضمان المسؤولية عن مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي ومحتواها طوال دورة حياتها.
ولهذا، ينبغي للوزارة الجديدة أن ترسم حدوداً دقيقة: منع المراقبة العشوائية، واشتراط إذن قضائي للتدخلات الاستثنائية، وضمان الحق في الطعن في القرارات الآلية، وإخضاع الخوارزميات العمومية لتدقيقات مستقلة.
فكيف تخفض هذه المخاطر؟ بتوفير حكامة صريحة تقوم على التدقيق الخوارزمي، وحماية فعالة للمعطيات، والشفافية في معايير الأتمتة، وإشراك الجامعات والمجتمع المدني، والأهم من ذلك، تحديد مسؤولية بشرية واضحة كلما أثر قرار مباشرة في الأشخاص. فالسيادة لا تعني تطوير كل شيء بمفرده، وإنما عدم فقدان السيطرة البشرية على القرارات الجوهرية، ولنا في هذا أمثلة خروج بعد نماذج كلود (انتروبك)، وجميني (غوغل)، وشات جي بي تي (أوبن أي آي)، وغيرها عن النهج المسطر لها دون تلقي أوامر من المختصين أو المراقبين.
-تنظيم المنظومة: الإعلام والمؤثرين والتضليل:
لا يجب الدفاع على حرية التعبير بغياب القواعد، بل يجب أن تقوم على قواعد واضحة. ولا يمكن أن تعني محاربة الأخبار الزائفة تجريم النقد الصحفي، فالفارق بين التضليل والصحافة يكمن في التحقق، والسياق، وتصحيح الأخطاء، والمصلحة العامة.
وجب القول أن المغرب يعرف فراغا قانونيا في المجال الرقمي، وهو الأمر الذي تعترف به الإدارة نفسها. ومع ذلك هناك محاولات للتنظيم، منها مشروع القانون رقم 22.20 المتعلق بالاستعمال المسيء لشبكات التواصل الاجتماعي الذي ينص على عقوبات تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات لنشر أخبار كاذبة تمس بالمنتجات أو الخدمات، وإصلاح للقانون الجنائي يتيح للقضاة منع ممارسة نشاط ما، بما في ذلك استخدام شبكات التواصل، بمقتضى المادتين 61 و 87.
المغرب يحتاج إلى تشريع عصري من أجل مهنية الصحافة، حيث يجب أن تخضع مؤسسات الصحافة لدفتر تحملات صارم، ويخضع الصحفيون لشروط الحصول على شهادات، في حين يجب تقنين عمل المؤثرين الدين ينتجون محتواهم من دون سلطة رقابية. فمن الضروري وضع نظام قانوني يوجب التحقق من المصادر، ويكفل حق الرد، ويرسي المسؤولية عما ينشر.
التمييز بين التشهير والنقد، حيث ينبغي أن يظل نشر خبر، حتى لو تضمن شبهة، مشروعا ما دام المصدر موثوقا. ولا يجوز أن يتحول القانون إلى أداة للخنق والتضييق على الصحفيين والمؤثرين.
تحميل المنصات المسؤولية أيضا، حيث أنه في المغرب، غالبا ما يلاحق المستخدم لشخصه، ونادرا ما تتم مساءلة المنصة التي تستضيف المحتوى. ولذا وجب وضع آلية للإبلاغ والسحب للمنصة، على النمط الأوروبي، حتى يتم التوازن الفعلي.
إصلاح التواصل السمعي البصري وذلك بتوسيع مهام الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري لتشمل تنظيم المحتوى الرقمي، وإلزام المنصات الأجنبية بتعيين ممثل معتمد في البلاد.
إن تنظيف الفضاء الرقمي شرط أساسي لبناء إعلام مسؤول ومتمحور حول المواطن وإخباره أو الترفيه عليه، غير أن الأمر لا يجب أن يتعلق بفرض أخلاق واحدة (فالوطن يجب أن يكون للجميع بمختلف أفكاره وتوجهاته السياسية والإجتماعية)، بل بالإعادة للمنصات وظيفتها الطبيعية: فضاء للتعبير والنقاش والإبداع، لا مسرحا للفوضى الأخلاقية والتحرش والتشهير والتلاعب.
-حماية الأطفال أولوية عاجلة:
يجب أن تكون حماية الأطفال أولوية صريحة في السياسة الرقمية المغربية، وينبغي أن تشمل التدابير: وسائل رقابة عائلية سهلة الاستعمال، والتحقق المناسب من الأعمار، ووسم المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، ووضع حدود زمنية للاستعمال في المنصات الموجهة للأطفال، والتربية الرقمية بدءا من المدرسة.
وقد أكدت المنظمات الدولية أن أطر الرقابة الخوارزمية يمكن أن تساعد في حماية الأطفال من الآثار الضارة لأنظمة الذكاء الاصطناعي في المجال التعليمي.
والحل هنا ليس في منع الوصول إلى التقنية، بل في الجمع بين قيود معقولة ومواكبة من الآباء والمعلمين والمربين. فالطفل المحمي ليس طفلا مستبعدا من التقنية، بل طفلا مستعدا لاستعمالها بوعي ونقد.
وتوجد نماذج دولية يمكن الإستفادة منها: أستراليا التي أقرت في عام 2024 منع الأطفال دون السادسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، وفرنسا التي حددت سن “الرشد الرقمي” في سن الخامسة عشرة بموافقة الوالدين، وعممت “الاستراحة الرقمية” في المدارس، والصين التي قيدت وقت استخدام الأطفال عبر حصص ومواعيد محددة، والاتحاد الأوروبي الذي يفرض، عبر قانون الخدمات الرقمية، التزامات على المنصات لحماية القاصرين.
-التعليم والتكوين: النصف الآخر من الإصلاح:
من دون كفاءات، ستكون وزارة الذكاء الاصطناعي واجهة مؤسسية فقط. وعلى المغرب أن يستثمر في التكوين التقني والأخلاقي داخل الجامعات والمعاهد المهنية ومدارس الصحافة والإدارة العمومية.
فإنشاء معاهد الجزري” المخصصة للسيادة الرقمية وعلوم البيانات وحلول الحكومة الإلكترونية”، ومدرسة 1337، وبرامج الاعتماد، يدل على أن البلد بدأ فعلا في بناء هذه القاعدة، إذن فيتعين أن تكون الخطوة التالية هي تعميم هذا التكوين وإدراج البرمجة، وتحليل المعطيات، والأمن السيبراني، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والتحقق من المعلومات، والتربية الإعلامية. فلا يكفي تعليم الناس كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، بل يجب تعليمهم كيفية التحكم فيه، لأن البلد الذي يتعلم استخدام تقنيات أجنبية من دون تطوير كفاءاته الخاصة يتحول إلى سوق لابتكارات الآخرين، لا إلى منتج للقيمة. بل قد يصبح، في أحسن الأحوال، فأر مختبر للقوى العالمية في الذكاء الاصطناعي.
-المغرب على الطريق الصحيح إن حسنت النوايا:
إن إنشاء وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة قرار سياسي مشروع، وجريء في سياقه، بالنظر إلى موقع المغرب في المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي. فهو يمنح أولوية استراتيجية وحضورا مؤسسيا.
إنشاء الوزارة قد تكون بداية سياسة طموحة، لكنها لا يجب أن تكون أبدا تتويجا لها، لأن النجاح لا يقاس بعنوان الحقيبة أو بعدد الاستراتيجيات المعلنة، بل بنتائج ملموسة: كم باحثا يحصل على تمويل؟ وكم شركة مغربية تصدر حلولا خاصة بها؟ وكم خدمة عمومية تعمل فعلا؟ وهل تحمى الأطفال من دون خنق حرية التعبير؟ وهل يتم التمييز بين النقد المشروع والتشهير؟
إن الذكاء الحقيقي للدولة لا يقاس بعدد الوزارات التي تنشئها لتقنيات المستقبل، بل بقدرتها على تكوين المواطنين الذين سيخترعونها، وحمايتهم، وخدمتهم، لأنهم سيشكلون أسس طريقها إلى النجاح والبروز في العالم الرقمي.
لقد أنشأ المغرب الوزارة، والآن عليه أن يبني النموذج الأنجع لمسيرة الخلق والإبتكار مع الالتزام بتتبعها ومراقبتها إلى أن تنضج وتبرز معالمها بوضوح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist