مديحة ومريدوها.. حين يصبح التبرير جريمة سياسية

أشرف بولمقوس

ليست أخطر أزمات الحياة السياسية في المغرب تلك التي تتصل بشبهات الفساد أو تضارب المصالح أو تدبير الشأن العام فحسب، بل تلك التي تبدأ عندما تفقد المحاسبة معناها، وتتراجع المعايير الأخلاقية والسياسية أمام حسابات الانتماء الحزبي، ويصبح الدفاع عن الأشخاص أهم من الدفاع عن المؤسسات. ففي اللحظة التي يتحول فيها النقاش العمومي من مساءلة المسؤولين إلى البحث عن المبررات التي تسمح بالاستوزار، نكون أمام أزمة تتجاوز الأشخاص المعنيين لتلامس جوهر الممارسة السياسية وحدود الوعي الديمقراطي داخل المجتمع.

مناسبة هذا الحديث دفاع بعض الأصوات عن تولّي شخصية تحوم حولها شبهات جريمة النصب و الاحتيال، و ربما الإفلات منها بشهادة طبية مشكوك في امرها، و لم تستحيي و هي تتقدم لتسلم منصب وزاري، مفارقة سياسية تستحق التأمل. فالمثير ليس مجرد الاختلاف حول أحقية شخص في الاستوزار، وإنما طبيعة الحجج التي يجري استدعاؤها لتبرير هذا الاستوزار الغريب . إذ يبدو، في بعض الخطابات، أن الأولوية لم تعد لإثبات البراءة، أو تفنيد الوقائع التي تشكل مانعا للاستوزار ، أو تقديم توضيحات مقنعة للرأي العام، بل لتسويق فكرة غريبة مفادها انه من حق المعني بالأمر الحصول على فرصة جديدة، وأن الماضي ينبغي أن يُطوى، وأن النسيان حق و فضيلة سياسية وأخلاقية .

هنا تحديدًا ينبغي التمييز بين الحق في الدفاع، وهو حق مشروع، والحق في تولّي المسؤولية السياسية ، الذي لا يمكن اختزاله في منطق التسامح الشخصي. فليس كل ما يجوز قانونًا يصبح بالضرورة مناسبًا سياسيًا، وليس كل ما يمكن تبريره أخلاقيًا على المستوى الفردي يصلح أساسًا لاستعادة الثقة العامة،كما أن احترام قرينة البراءة، حيث تكون واجبة التطبيق، لا يعني تعطيل النقاش السياسي بشأن معايير النزاهة والشفافية وتضارب المصالح، ولا يحوّل تولّي المناصب السياسية إلى حق مكتسب بمعزل عن مقتضيات المسؤولية والمساءلة، وطبعا التقادم القانوني لا يسري على السياسة.

ولعلّ ما يستحق النقد في هذا المشهد هو انتقال بعض المدافعين عن وزيرة من مناقشة الوقائع والحجج إلى استدعاء خطاب عاطفي يستلهم، في كثير من الأحيان، مفردات الكوتشينغ ونهايات الأفلام التركية: الحق في النسيان، والبداية الجديدة، والفرصة الثانية، والتجاوز، والتصالح مع الماضي. وهي مفاهيم قد تكون وجيهة في سياقات إنسانية وشخصية، لكنها تصبح موضع مساءلة حين تُستعمل لإغلاق نقاش سياسي لم تُحسم أسئلته بعد. فالبداية الجديدة لا تُفرض بالشعارات، والثقة العامة لا تُستعاد بالاستعطاف، والنسيان لا يمكن أن يكون بديلًا عن توضيح الوقائع وترتيب المسؤوليات.

والأكثر دلالة هو أن يتحول الدفاع عن الشخص إلى اختبار للوفاء الحزبي، خصوصًا حين تُستدعى اعتبارات الانتماء إلى حزب الاستقلال لتبرير مواقف لا تستند بالضرورة إلى مناقشة موضوعية للوقائع. ففي منطق القبيلة الحزبية، يصبح النقد خيانة، والمساءلة استهدافًا، والاعتراض خروجًا عن الجماعة، و استهداف المناضلين و غيرها. فيما يُقدَّم الدفاع غير المشروط باعتباره وفاءً للمبادئ والتنظيم، والحال أن هذا المنطق يقلب العلاقة بين الحزب ومشروعه السياسي: فبدل أن يكون الانتماء وسيلة للدفاع عن القيم والبرامج والمصلحة العامة، يصبح غطاءً لحماية الأشخاص.

إن الوفاء السياسي، إذا كان له معنى يتجاوز العصبية التنظيمية، لا يتمثل في توفير الحماية الدائمة للأشخاص، بل في الدفاع عن المبادئ التي تمنح العمل الحزبي مشروعيته. ولا يمكن لحزب يطمح إلى ممارسة السلطة أن يطالب المجتمع بالثقة فيه، ثم يتعامل مع المساءلة باعتبارها عبئًا ينبغي التخلص منه، أو مع النقد باعتباره مؤامرة تستهدف مناضليه. فالأحزاب لا تُختبر في لحظات الإجماع والتصفيق و التفويض للاخ الأمين العام حسب التعبير الرائج، بل في قدرتها على احترام المعايير نفسها عندما تصبح هذه المعايير مكلفة سياسيًا لأحد أعضائها.

لكن المسؤولية عن هذا الاختلال لا تقع على الأحزاب وحدها. فضعف صحافة التحقيق، ومحدودية تداول المعلومات الموثوقة، وغياب النقاش العمومي المبني على الوقائع، كلها عوامل تهيئ البيئة المناسبة لانتشار التبريرات العاطفية وتراجع النقاش الموضوعي. وعندما لا يجد المواطن أمامه تحقيقًا مهنيًا واضحًا، ولا معطيات دقيقة تسمح له بتكوين موقف مستقل، يصبح أكثر عرضة للخطابات التي تستثمر في الولاء الحزبي أو التعاطف الشخصي أو الخوف من الاستهداف السياسي. وهكذا تتحول السياسة تدريجيًا من مجال للتنافس حول البرامج والنتائج إلى ساحة للصراع حول الأشخاص، ومن فضاء للمساءلة إلى سوق لتبادل المبررات.

والنتيجة أن المعايير نفسها تصبح موضع تفاوض، فما كان يُعتبر في السابق سببًا كافيًا للمطالبة بالتوضيح أو الانسحاب السياسي، يصبح اليوم، في خطاب بعض المدافعين، مجرد سوء فهم أو حملة مغرضة أو ماضٍ ينبغي تجاوزه. ومع تكرار هذا الخطاب، يجد المواطن نفسه أمام مفارقة مربكة: هل تغيرت معايير النزاهة والمسؤولية، أم أن بعض الفاعلين السياسيين يحاولون إعادة تعريفها بما يتناسب مع مصالحهم؟ وهل أصبح المطلوب من الرأي العام أن يحاكم الوقائع، أم أن يتعلم كيف يتجاوزها كلما تعلق الأمر بشخص ينتمي إلى الحزب الذي يفضله؟

إن المقارنة بالتجارب الدولية، على اختلاف أنظمتها السياسية ومستويات ديمقراطيتها، تكشف أن الأزمات الأخلاقية والسياسية قد تفرض كلفة باهظة على المسؤولين، وقد تقود إلى استقالات أو إقالات أو سقوط حكومات، حتى عندما لا يتعلق الأمر بإدانة قضائية نهائية، غير أن الدرس الأساسي هنا ليس الدعوة إلى الإدانة المسبقة أو المطالبة بعقوبات سياسية خارج القانون، بل التأكيد على أن المسؤولية السياسية لها منطقها الخاص، وأن الحفاظ على الثقة العامة قد يقتضي توضيحات ومساءلة وتدابير سياسية لا تتطابق بالضرورة مع مسار القضاء، مع ضرورة احترام قرينة البراءة وعدم الخلط بين الشبهة والإدانة.

فالمسؤولية الوزارية ليست مكافأة حزبية، ولا امتيازًا شخصيًا، ولا محطة تُستعاد بمجرد رفع شعار البداية الجديدة، إنها موقع تتقاطع فيه السلطة بالثقة العامة، وتترتب عليه التزامات تتجاوز صاحب المنصب إلى الحزب الذي رشحه والمؤسسات التي يعمل داخلها والمواطنين الذين يفترض أن يخدم مصالحهم. ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الشخص يستحق التعاطف أو فرصة جديدة في حياته الخاصة، بل ما إذا كانت شروط الثقة السياسية متوافرة، وما إذا كانت الأسئلة المطروحة قد وجدت أجوبة مقنعة، وما إذا كان الحزب المعني مستعدًا لتطبيق معاييره المعلنة على أعضائه دون انتقائية.

في نهاية المطاف، لا تكمن خطورة هذه الظاهرة في الدفاع عن شخص بعينه، بل في تكريس ثقافة سياسية تجعل الولاء بديلًا عن المساءلة، والعاطفة بديلًا عن الحجة، والنسيان بديلًا عن الحقيقة. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بقدرة الأفراد على العودة إلى الحياة السياسية، بل أيضًا بقدرة المجتمع على مساءلة من يمارسون السلطة، وباستعداد الأحزاب لتحمل الكلفة السياسية لمواقفها، وبوجود صحافة مستقلة تضع الوقائع أمام الرأي العام دون تهويل أو تواطؤ.

فإذا كانت البداية الجديدة حقًا ممكنًا في السياسة، فإنها لا تبدأ بمطالبة المجتمع بالنسيان، بل بتقديم ما يكفي من الحقيقة لاستعادة الثقة. أما الوفاء الذي لا يقبل المساءلة، فليس دفاعًا عن الحزب بقدر ما هو دفاع عن منطق الإفلات من المحاسبة؛ وهو منطق لا يضعف الثقة في الأشخاص وحدهم، بل يهدد ثقة المواطنين في السياسة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist