” إن شاء الله… بالأحمر الفاقع “

عبدالحميد البجوقي

كررها أنطونيو غارسيا فيريراس (Antonio García Ferreras)، مدير ومقدم برنامج Al Rojo Vivo ـ الأحمر الحي على القناة السادسة الإسبانية، وهو يستعد لفتح ملف آخر الأحداث في إسبانيا، وفي مقدمتها أحداث “الشغب” في برشلونة، والسجال المحتدم حول أسبابها الاجتماعية والسياسية، والمسؤولية التي سارع البعض إلى تعليقها على أبناء المهاجرين.
كانت الكلمة عابرة في حصة البرنامج الشهير اليوم الإثنين 26 أكتوبر 2026، وربما لم ينتبه مشاهد البرنامج إلى غرابتها في سياق حديث إخباري إسباني. لكنها بالنسبة إلى من يُصغي إلى ما وراء الكلمات، لم تكن عابرة تماماً.
«إن شاء الله» كلمة جاءت من الضفة الأخرى، من لغة وثقافة وذاكرة طالما جرى الحديث عنها بوصفها «الآخر». خرجت هذه المرة من فم صحفي إسباني شهير، لا باعتبارها شعاراً عن التعددية، ولا فقرة في خطاب سياسي عن الاندماج، وإنما كجزء من الكلام اليومي، وكأن اللغة نفسها بدأت ببطء، تعترف بأن هذا الآخر لم يعد خارج البيت.
المُفارقة أن النقاش كان يدور في الاتجاه المعاكس تماماً، كان يتعلق بالشغب، وعن أبناء المهاجرين، وعن سؤال الاندماج، وعن أولئك الذين يريدون أن يروا في أصولهم الثقافية تفسيراً جاهزاً لكل أزمة اجتماعية.
لكن «إن شاء الله» قالت شيئاً آخر.
قالت إن الاندماج ليس طريقاً يسير فيه المهاجر وحده، مطالباً بأن يُغيّر لغته وملامحه وعاداته وذاكرته حتى يُصبح نسخة مقبولة من المجتمع المضيف. الاندماج الحقيقي يبدأ أيضاً من الطرف الآخر، من قدرة المجتمع الحاضن على أن يتغير، وأن يستوعب، وأن يسمح لبعض كلمات الآخر بأن تدخل قاموسه دون أن يشعر بأنها غريبة.
اللغة هي أول بيت يسكنه الإنسان. وحين تدخل كلمة من لغة الآخر إلى لغة الحاضن، فإن شيئاً من الجدار يسقط.
لا يعني ذلك أن كلمة واحدة تصنع اندماجاً، ولا أن «إن شاء الله» دليل على تحول عميق في الوعي الإسباني. سيكون من السذاجة أن نُحملها أكثر مما تحتمل. لكنها، في لحظتها العفوية، تشبه شقاً صغيراً في جدار قديم، ومن الشقوق يدخل الضوء.
ربما يكون هذا هو الوجه الذي يغيب عن كثير من النقاشات الأوروبية حول الهجرة. يُطلب من المهاجر أن يندمج، وكأن الاندماج عملية أحادية الاتجاه، أن يتعلم اللغة، وأن يحترم القوانين، وأن يتخلى عن بعض عاداته، وأن يُصبح «مثلهم». لكن المجتمع الذي يستقبل الملايين من أبناء ثقافات مختلفة لا يمكن أن يبقى هو نفسه إلى الأبد. الهجرة لا تغير المهاجر وحده، إنها تغير المدينة، والمطبخ، والموسيقى، والشارع، واللغة، وحتى طريقة النظر إلى العالم.
وفي برشلونة، حيث تختلط اللغات والوجوه والذاكرات، تبدو المسألة أكثر وضوحاً. لا يمكن تفسير الغضب الاجتماعي كله بالهجرة، كما لا يمكن تبرئة كل فرد من مسؤوليته عن العنف والفوضى بسبب أصله الاجتماعي. المشكلة تبدأ حين يتحول الأصل إلى تهمة، وحين يصبح ابن المهاجر مشتبهاً فيه قبل أن يصبح مواطناً.
هناك فرق كبير بين محاسبة من يرتكب العنف وبين محاكمة جماعة كاملة باسم العنف.
ولعل عبارة الصحفي الإسباني، في تلك اللحظة العابرة، تفتح باباً آخر للنقاش، ربما لا يحتاج الاندماج دائماً إلى أن يتخلى الآخر عن نفسه، وربما يحتاج الحاضن أيضاً إلى أن يتعلم كيف يفسح مكاناً للآخر داخله.
«إن شاء الله» لم تكن مجرد عبارة.
كانت، ولو جاءت عفوية، كلمة خرجت من فم إسباني، لكنها بدت كأنها تستعيد طريقاً قديماً في الذاكرة.« إن شاء الله» لم تكن هذه المرة كلمة الآخر وهو يحاول الاندماج في المجتمع الإسباني، بل كلمة الحاضن نفسه وهو يستعيد، من حيث لا يدري، شيئاً من أصوله التي ظلت كامنة في لغته وذاكرته. وكأن الاندماج، قبل أن يكون اندماج المهاجر في المكان الذي جاء إليه، يمكن أن يكون أيضاً عودة المكان إلى بعض ما كانه، واستعادةً لطبقة من تاريخه طُمست حين طُرد أجداد الذين يحملون تلك اللغة والثقافة من الأندلس.
وربما كان فيها شيء من مستقبل إسبانيا نفسها، مجتمع لا يعود فيه الآخر ضيفاً دائماً، ولا يبقى الحاضن كما كان قبل وصول ذلك الآخر..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist