صدر مطلع عام 2026 عن منشورات عالم الكتب الحديث بإربد، الأردن، كتاب جديد للناقد والباحث المغربي عبد اللطيف الوراري، يحمل عنوان “الأنا وظلاله: السيرذاتي وآليات اشتغاله في الشعر العربي”، في طبعة أولى، وهو عمل نقدي ينفتح على واحد من الموضوعات اللافتة في دراسة الشعر العربي الحديث والمعاصر، ويتعلق بحضور الذات وسيرتها داخل النص الشعري، وبالطرق التي يعيد بها الشاعر بناء صورته وهويته من خلال الكتابة.
ويأتي الكتاب في سياق اهتمام نقدي متزايد بالسيرذاتي في الأدب، غير أن صاحبه لا يتعامل معه بوصفه مجرد خطاب يحيل بصورة مباشرة إلى حياة الشاعر وتجربته الواقعية، بل يقترح النظر إليه باعتباره فعلا تخييليا يتشكل داخل اللغة وبنية القصيدة. فالسيرة الذاتية، وفق هذا المنظور، لا تقتصر على ما عاشه الشاعر فعلا، وإنما تشمل أيضا ما استقر في ذاكرته، وما تم إخفاؤه أو كبته، وما ظل عالقا في منطقة الأحلام والهواجس والرغبات التي لم تتحقق، لتتحول هذه العناصر جميعها إلى مادة لإعادة تشكيل “الأنا”داخل النص.
ويبحث الوراري في الطريقة التي تتمرأى بها الذات السيرذاتية من خلال الضمائر الشخصية، وفي علاقتها بالآخر الذي لا يبدو مجرد شخصية أو طرف مقابل، بل يصبح جزءا من عملية بناء الهوية نفسها. فالأنا، كما يقترح الكتاب، لا تتشكل بمعزل عن الآخر، وإنما تكتشف ذاتها وتعيد صياغة هويتها عبر علاقتها به، بما يجعل الكتابة السيرذاتية فضاء تتداخل فيه الذاكرة والتخييل والاعتراف والصمت، والحضور والغياب.
ومن هذا المنطلق، يتجاوز الكتاب التصور التقليدي الذي يربط السيرذاتي بالتطابق بين حياة الكاتب والنص، ليؤكد أن كتابة الذات تنطوي بالضرورة على قدر من التخييل وإعادة البناء. فالشاعر حين يكتب عن ذاته لا يستعيد ماضيه كما وقع حرفيا، وإنما يعيد إنتاجه داخل اللغة، وينتقي منه ما يضيء تجربته، ويمنح المنسي والمكبوت والمحلوم به حضورا جديدا في النص.
ويقوم البحث في الكتاب، بحسب ما يوضحه مؤلفه، على اعتبارين أساسيين؛ أولهما يتعلق بإنجاز التلفظ والكتابة الخاصة ومشروع “الأنا”، الذي يبنيه الشاعر داخل تجربته الشعرية، وثانيهما يتصل بفعل كتابة الذات باعتباره فعلا لا ينفصل عن تمثلات الشاعر لذاته وللآخر، ولا عن محاولته تخييل صور كينونته وهويته المتحولة من خلال الكتابة.
ويحمل عنوان الكتاب نفسه “الأنا وظلاله” دلالة مركزية على هذا التصور؛ فالذات التي تظهر في الشعر ليست ذاتا مكتملة وثابتة، وإنما ذات متعددة الطبقات، تحضر بما تقوله وبما تخفيه، بما تتذكره وبما تنساه، وبما عاشته وبما حلمت به ولم يتحقق. ومن هنا تصبح “ظلال” الأنا جزءا من سيرتها النصية، لا هامشا عليها.
وبذلك يقترح عبد اللطيف الوراري مقاربة للسيرذاتي في الشعر العربي تنقل الاهتمام من سؤال: “ما الذي عاشه الشاعر؟” إلى سؤال أكثر تعقيدا: كيف يعيد الشاعر تخييل ما عاشه وما لم يعشه، وكيف يبني ذاته وهويته من خلال فعل الكتابة؟ وهو ما يمنح الكتاب بعدا نقديا يتجاوز قراءة السيرة بوصفها وثيقة عن حياة الشاعر، نحو النظر إليها باعتبارها ممارسة جمالية وتخييلية تتشكل داخل القصيدة وعبرها.

ويشكل “الأنا وظلاله: السيرذاتي وآليات اشتغاله في الشعر العربي” بذلك إضافة إلى الدرس النقدي المتصل بالشعر العربي الحديث والمعاصر، من خلال مساءلة العلاقة بين الذات واللغة والذاكرة والتخييل، والكشف عن الكيفية التي تتحول بها التجربة الشخصية إلى بناء شعري، وتتحول فيها الذات من مجرد موضوع للكتابة إلى مشروع يتشكل باستمرار داخل النص.