قراءة في كتاب من الفكر إلى السياسة. مدارات الفكر العربي وأسئلة الراهن السياسي.
من الفكر إلى السياسة مدارات الفكر العربي وأسئلة الراهن السياسي هو العنوان الذي اختاره الأستاذ سفيان جرضان لكتابه، والذي خصصه لمناقشة القضايا الكبرى التي شغلت الفكر العربي…الدولة والدين والحداثة والمواضيع المتفرعة عنها بحسب قوله في المقدمة العميقة التي افتتح بها الكتاب. مستندا في ذلك على واحد من المؤلفات التي ناقشت علاقة المعرفة بالاديولوجيا وهو كتاب “المعرفي والاديولوجي في الفكر العربي المعاصر” الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية سنة2010…حيث يعترف سفيان بتواضع ينم عن أخلاق الكبار أنه لا يدعي بكون هذه النصوص علمية محضة رغم أنه اعتمد منهجا أقرب الى البحوث العلمية من خلال التصميم والتقسيم المعتمد والاشارة الى المراجع وكثرة الاحالات، أو ترقى إلى مصفوفة الكتب التي استند عليها في قراءاته وهو يقصد كتابات الجابري وبلقزيز وكمال عبد اللطيف ورضوان السيد وآخرون، بل هو يقر إنه محاولة فحسب. لكنها محاولة حقق بها انتقالا كبيرا من الدهشة الأولى والإعجاب الأول إلى جرأة الاشتباك وهاجس الاستيعاب ومحاولة التفكيك وإعادة التركيب. وقد نجح في تقديري في ذلك بشكل كبير.
المؤلف لا يدّعي امتلاك نظرية مكتملة، ولا يقدم نصوصه بوصفها إنتاجا معرفيا منفصلا عن سياقات تشكّله، وإنما يضعها ضمن تجربة قراءة واستيعاب ومناقشة لأفكار استوقفته، ثم يحاول نقلها إلى أسئلة السياسة والمجتمع. أعتقد أن المدخل الأجدى لقراءة الكتاب ليس تعداد موضوعاته، بل مساءلة المسافة التي يقطعها المؤلف بين تلقي الفكر وإنتاج موقف منه، وبين استيعاب المفاهيم واختبار قدرتها على تفسير الواقع السياسي. فهذه المسافة هي التي ستحدد، في النهاية، ما إذا كنا أمام تجميع لقراءات متفرقة، أم أمام بداية تشكّل صوت فكري مستقل.
يستهل سفيان جرضان مقدمته باستعادة مسار تشكل الفكر العربي الحديث، من أسئلة النهضة والإصلاح والتقدم في القرن التاسع عشر، إلى تحولات الخمسينيات والستينيات التي تأثرت بسياقات التحرر الوطني والتنمية وبناء الدولة. ولا تبدو هذه العودة التاريخية مجرد تمهيد، بل تسعى إلى تفسير البيئة التي تشكلت داخلها المشاريع الفكرية التي يشتغل عليها الكتاب. غير أن الاختيار الأكثر دلالة يتمثل في جعل العلاقة بين المعرفة والإيديولوجيا مدخلا لقراءة هذا التراث. فالمؤلف ينتبه إلى أن سجالات الدولة والدين والحداثة لم تكن نقاشات معرفية محايدة، بل تشابكت فيها المواقف الفكرية مع الخيارات السياسية، وانقسم أصحابها، في حالات كثيرة، إلى اتجاهات متعارضة تتنافس في تفسير التأخر التاريخي وتحديد سبل تجاوزه.
تتمثل أهمية هذا المدخل في رفض الاعتقاد بأن الباحث يستطيع الوقوف خارج كل انتماء فكري أو إيديولوجي، ثم إنتاج معرفة خاصة خالصة لا تتأثر بأسئلته المسبقة أو بموقعه من العالم. واستدعاء كمال عبد اللطيف ورضوان السيد ومنير الحمش، بالعودة إلى كتاب المعرفي والإيديولوجي في الفكر العربي المعاصر، يعبّر عن وعي بأن العلاقة بين المعرفة والإيديولوجيا ليست علاقة فصل بسيط بين الصواب والخطأ، وإنما علاقة مركبة تتداخل فيها إنتاجات المعرفة مع رهانات المجتمع والسياسة والتاريخ. لكن هذا الاختيار يضع المؤلف أمام تحدٍّ نظري مهم: إذا كانت الإيديولوجيا حاضرة في إنتاج المعرفة، فكيف نميز بين المعرفة التي تنتج فهما أعمق للواقع، والمعرفة التي توظف الواقع لتأكيد قناعات سابقة؟
إن القول باستحالة الفصل المطلق بين المعرفي والإيديولوجي لا يعني استحالة التمييز بينهما، ولا يفضي إلى التسوية بين جميع القراءات. فهناك فرق بين الإقرار بتأثر الباحث بموقعه الفكري، وبين إعفاء أطروحاته من الاختبار والنقد. كما أن تجاوز التصور الذي يختزل الإيديولوجيا في الوعي الزائف لا يستلزم التخلي عن مساءلة وظيفتها في حجب بعض جوانب الواقع أو تبرير علاقات القوة.
وهنا تحديدا كان يمكن للمقدمة أن تذهب أبعد في تحديد المقصود بالإيديولوجيا: هل هي منظومة الأفكار والقيم التي تمنح الفاعل رؤية للعالم؟ أم خطاب تبريري يخدم مصالح اجتماعية وسياسية؟ أم أفق فكري يوجّه عملية إنتاج المعرفة حتى عندما لا يكون الباحث واعيا بذلك؟ إن هذه المستويات متداخلة، لكنها ليست مترادفة، والتمييز بينها من شأنه أن يمنح الإطار النظري مزيدا من الدقة. ومع ذلك، فإن اختيار هذا المدخل يظل ذا قيمة، لأنه يمنح الكتاب إمكانا لقراءة المشاريع الفكرية العربية من داخل تناقضاتها، بدل التعامل معها بوصفها مذاهب مغلقة أو مواقف جاهزة.
يصرّح جرضان بأنه اكتشف، من خلال قراءاته، سجلات الفكر العربي وتشعباته وحيويته، وأن بعض فصول الكتاب تستند إلى قراءات محمد عابد الجابري وعبد الإله بلقزيز وغيرهما. كما يوضح أنه لم يتردد في إعادة التعبير عن أفكار باحثين آخرين، سواء بالتقديم أو التلخيص أو المناقشة. هذا الاعتراف يستحق أن يُقرأ بعيدا عن حكمين متسرعين: أولهما أن الاستناد إلى أعمال سابقة ينتقص بالضرورة من أصالة الكتاب، بل على العكس تماما هذا الاستناد يبين بوضوح أن الكتابة يجب وبالضرورة أن تكون مستندة على مرجعية، لا يمكن الانطلاق من الفراغ… وثانيهما أن التواضع المعلن يكفي لإثبات قيمته. فالإنتاج الفكري لا يبدأ دائما من ابتكار سؤال لم يسبق طرحه، بل قد يبدأ من إعادة قراءة الأسئلة الموروثة، وإعادة ترتيبها، واكتشاف ما لم تستنفذه الإجابات السابقة. إن الجابري وبلقزيز، وغيرهما من المفكرين الذين يحاورهم المؤلف، ليسوا مجرد أسماء مرجعية في المكتبة العربية؛ إنهم يمثلون مشاريع فكرية لها منطلقاتها ومفاهيمها واختياراتها المنهجية. ولذلك فإن التعامل معها لا يصبح منتجا إلا حين يتجاوز استعادة خلاصاتها إلى مساءلة ما تقوله، وما تفترضه، وما تتركه خارج مجال رؤيتها. وهنا يظهر الفارق بين ثلاثة مستويات من الاشتغال الفكري: التلقي باعتباره اكتشافا للأفكار والانبهار بقدرتها على تفسير أسئلة ظلّت ملتبسة. ثم الاستيعاب الذي يعني إعادة بناء منطقها الداخلي وفهم سياقاتها ومفاهيمها ومجادلاتها. فالاشتباك النقدي أي اختبار حدودها، ومقارنة نتائجها بالواقع، وتحديد ما يمكن تطويره أو تجاوزه.
يبدو أن الأستاذ جرضان يصف بنفسه مساره بوصفه انتقالا من الدهشة والإعجاب إلى محاولة الاستيعاب وإعادة التعبير والمناقشة. وهذه نقطة تستحق التقدير، لكنها تمثل أيضا معيارا ينبغي أن تقرأ الفصول على أساسه: هل نجح الانتقال من المستوى الثاني إلى الثالث؟ وهل تبلورت من خلاله أسئلة خاصة بالمؤلف، أم بقيت بعض النصوص أقرب إلى العرض وإعادة الصياغة؟ لا يمكن حسم ذلك من المقدمة وحدها. لكننا نستطيع القول إن المؤلف يعي المسألة الأساسية التي تواجه الباحث الشاب: كيف يستفيد من تراكم فكري كبير من دون أن يظل أسيرا له؟
ولعل الأصالة هنا لا تعني القطيعة مع السابقين، بل القدرة على محاورتهم من موقع مستقل. فالصوت الخاص لا يظهر بمجرد اختلاف الكاتب مع المفكرين الذين يقرأ لهم، وإنما يتشكل عندما يمتلك إشكاليته الخاصة، ويعرف لماذا يستدعي مفهوما بعينه، وكيف يختبر صلاحيته، وأين يختلف مع نتائجه. هنا أعود إلى ما خطه الأستاذ حسن طارق في تقديمه حيث يقول يشمل هذا التمرين الذي ينشغل بتقاطعات المشاريع الفكرية الأساسية التي أنتجت في الشرق كما في المغرب، داخل لحظة تداخل بين رهانات الإيديولوجيا وقواعد المعرفة، مُجْمل العناوين الكُبرى للإصلاحية العربية مجسدة في قضايا الدولة، الحداثة، السياسة، الدين، التقدم والاجتهاد قبل أن تمتد آفاق الكتاب إلى مسائلة مباشرة – بخلفية فكرية رصينة – للراهن السياسي العربي، كما تُعبر عنه: قضايا الاسلام السياسي، مستقبل التعليم، أثر الاحتجاج، وقلق الشعبوية.
كما يحمل هذا الكتاب طموح جيل شاب لمواصلة أفق التفكير في قضايا الفكر ومدارات السياسة، بكثيرٍ من الرغبة في استئناف التراكمات الموجودة مع حرص واضح في العثور على صوت خاصٍ وتلمس دروبٍ مختلفةٍ.
في الكتاب ثلاث مستويات يمكن الوقوف عندها، المستوى الأول نظري، يتصل بالمشاريع الفكرية العربية وأسئلة الدولة والدين والحداثة والتقدم والاجتهاد. والمستوى الثاني ينفتح على قضايا سياسية راهنة، من الإسلام السياسي والتعليم والاحتجاج إلى الشعبوية. أما المستوى الثالث فيتخذ صورة قراءات في أعمال ودراسات تتناول الاحتجاج في المغرب، وتحولات السياسة الدولية، وعلاقة الجيش بالتغيير السياسي، والوطنية المغربية. هذا التنوع يشكل مصدر غنى؛ لأنه يتيح الانتقال من الأسئلة النظرية إلى اختبارها في سياقات سياسية ملموسة. لكنه يثير، في الوقت نفسه، سؤال الوحدة: ما الذي يجعل هذه النصوص أجزاء من مشروع واحد، بدل أن تكون مجموعة من الكتابات التي جمعتها اهتمامات مؤلفها المتعددة؟
إن عنوان “من الفكر إلى السياسة” يقترح إجابة أولية، لكنه لا يقدم وحده برهانا عليها. فالعلاقة بين الفكر والسياسة يمكن أن تكون مجرد تجاور بين مجالين، ويمكن أن تكون علاقة تفسير متبادل: الأفكار تساعد على فهم الممارسة السياسية، والوقائع السياسية تكشف حدود الأفكار وتدفع إلى مراجعتها.
إذا كان الكتاب ينجح في تحقيق هذا التفاعل، فإن تعدد موضوعاته يتحول إلى ميزة منهجية. أما إذا كانت المقالات تنتقل بين الموضوعات من دون بناء روابط تحليلية واضحة، فإن العنوان سيظل أوسع من الوحدة الفعلية للكتاب. وتبرز هنا أهمية تقديم حسن طارق، الذي يقرأ العمل بوصفه محاولة للتركيب والنقد وإعادة البناء، ويربطه بمسار أكاديمي سابق للمؤلف في دراسة الاستقطاب السياسي داخل المجال الحزبي المغربي. فهذه الإشارة تمنحنا سببا إضافيا لقراءة الكتاب ضمن مسار باحث لا يفصل بالضرورة بين الاهتمام النظري بالسياسة والبحث في آليات اشتغالها داخل المجتمع والمؤسسات.
تؤكد مقدمة جرضان أن نصوصه ليست ادعاء للانتماء إلى”الدرجة الأولى” من الكتب العلمية، وإنما هي محاولات نتجت عن قراءات معمقة في موضوعات مختلفة. ويكشف هذا التصريح عن رغبة في تحديد موقع العمل، وعدم تقديمه بوصفه مشروعا نظريا مكتملا. هذا التواضع يذكرني بجرأة كيليطو في الأدب والغرابة عندما اعترف بما كان عليه قبل الاطلاع على مجلة communication. غير أن تواضع الباحث ينبغي ألا يتحول إلى امتياز نقدي يحمي الكتاب من المساءلة. فالكتاب لا يصبح مهما لأنه يقرّ بمحدوديته، مثلما لا يفقد قيمته لأنه لا يدعي تقديم نظرية شاملة. المعيار الأهم هو ما ينجزه فعلا، وما يضيفه إلى النقاش، ومدى وضوح حججه ودقة استنتاجاته. وفي المقابل، لا ينبغي مطالبة الباحث الذي لم يعد شابا بعد الان بأن يضاهي، منذ كتابه الأول، المشاريع الفكرية التي راكم أصحابها عقودا من البحث والتأليف. فالمقارنة العادلة لا تتجاهل اختلاف التجارب، لكنها لا تتنازل أيضا عن المعايير العلمية. ولعل الأجدى هو أن نقرأ هذا الكتاب بوصفه لحظة في مسار تشكل باحث، لا بوصفه حصيلة نهائية لذلك المسار. عندئذ يصبح السؤال ليس: هل بلغ سفيان جرضان مستوى المفكرين الذين يقرأ لهم؟ بل: هل بدأ، من خلال قراءاته، في بناء أسئلته الخاصة؟ وهل تمنحه طريقته في التعامل مع المعرفة والإيديولوجيا أدوات لتطوير مشروع مستقل في المستقبل؟ هذا التحول في صياغة السؤال لا يعني التساهل في النقد، بل يعني وضع النقد في سياقه الصحيح: مساءلة المنجز الفعلي، وتحديد إمكاناته، وتبيّن ما يحتاج إلى تطوير، بدل اختزاله في مقارنة غير متكافئة مع أسماء كبرى.
من الفكر إلى السياسة يستحق أن يقرأ بوصفه محاولة للانتقال من استيعاب المشاريع الفكرية العربية إلى اختبار قدرتها على تفسير أسئلة السياسة والمجتمع. وتكمن أهميته الأولية في اختياره العلاقة بين المعرفي والإيديولوجي مدخلا لقراءة هذه المشاريع، وفي وعي صاحبه بأن الإعجاب بالمفكرين ينبغي أن يكون بداية للاشتغال معهم، لا نهاية له. لكن القيمة النهائية للكتاب تجلت قدرته على تحويل هذا الوعي إلى ممارسة تحليلية ملموسة: بناء إشكاليات واضحة، والتمييز بين المرجعيات المتعارضة، وتجاوز التلخيص إلى المناقشة، وربط المفاهيم بالوقائع من دون اختزالها أو إخضاعها لاستنتاجات جاهزة.
ومن هنا، فإن ما يستحق التقدير ليس مجرد أن سفيان جرضان يقرأ الجابري وبلقزيز وغيرهما، بل أن يجعل من هذه القراءة مناسبة لبناء مسافة نقدية مع ما يقرأه. فالفكر لا يتجدد بتكرار خلاصاته، وإنما بطرح أسئلة جديدة عليه، واختبار حدوده، وربطه بتحولات لم تكن حاضرة بالضرورة في لحظة إنتاجه إن الانتقال من الفكر إلى السياسة لا يكتمل بمجرد الانتقال من موضوع نظري إلى موضوع راهن؛ بل يكتمل عندما يصبح الفكر أداة لفهم السياسة، وتصبح السياسة، بدورها، امتحانًا لقدرة الفكر على تفسير الواقع.
وهذا، في تقديري، هو الرهان الحقيقي الذي ينبغي أن يقرأ الكتاب على أساسه: ليس بوصفه مشروعا مكتملا، ولا بوصفه مجرد تمرين أولي، بل باعتباره محاولة لفتح مسار بحثي يمكن أن تزداد قيمته كلما انتقل الأستاذ سفيان جرضان من دهشة القارئ إلى مسؤولية الباحث، ومن استيعاب أفكار الآخرين إلى القدرة على مساءلتها وإنتاج أسئلته الخاصة.