المغرب يستقطب ميامي كجسر بين إفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية

من ميامي (الولايات المتحدة): لطيف كاسيدي

استغل ممثلو المغرب فعاليات النسخة الأولى من “أيام المغرب في ميامي” لإرسال رسالة واضحة إلى المستثمرين الأميركيين والجامعات والمجتمع المغربي المحلي، مفادها أن الرباط تسعى، بعد نحو 250 عاما من الصداقة الدبلوماسية، إلى تحويل علاقتها بواشنطن إلى شراكات صناعية وبحثية وتجارية أكثر رسوخا.

وقد تم ذلك خلال البرنامج الذي نظمته القنصلية العامة للمملكة المغربية بميامي والذي إمتد على ثلاثة أيام احتفاء بالذكرى الـ250 للعلاقات المغربية الأميركية، وبالذكرى الـ20 لدخول اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة حيز التنفيذ في الأول من يناير 2006.
-افتتاح اقتصادي واع
انطلقت فعاليات الأيام باجتماع اقتصادي واستثماري في متحف مدينة كورال غايبلز، جمع عشرات من الفاعلين الإقتصاديين ورواد الأعمال والمستثمرين ومسؤولي المؤسسات الأميركية، إضافة إلى أعضاء من الجالية المغربية المقيمة في الولايات المتحدة.


وقدم السفير المغربي لدى الولايات المتحدة، يوسف العمراني، هذا اللقاء بوصفه جزءا من جهد أوسع لتحويل حسن النوايا السياسية إلى نتائج تجارية ملموسة، حيث دعا إلى تعميق التعاون في مجالات الاستثمار والإنتاج الصناعي والابتكار والبحث والوصول إلى الأسواق الدولية.
وقال موضحا أن “المغرب لا يختار بين التقليد والحداثة، بل يجمع بينهما”، مقدما الهوية الوطنية بوصفها رصيدا استراتيجيا في مسار الإصلاح الاقتصادي والمؤسساتي.
وأكد السفير أن موقع المغرب بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي والمحيط الأطلسي يمنحه دورا يتجاوز البعد الجغرافي، مشيرا إلى أن المملكة تسعى إلى أن تصبح فاعلا أكثر حضورا في سلاسل التوريد العالمية، عبر استقطاب مشاريع تخلق قيمة مضافة بدل الاكتفاء بالتجارة التقليدية.
-حوار رفيع المستوى في جامعة فلوريدا الدولية
وفي كلية ستيفن جي غرين للشؤون الدولية والعامة بجامعة فلوريدا الدولية، ألقى العمراني كلمة أمام الطلبة والأكاديميين وأعضاء هيئة التدريس، ضمن ندوة حملت عنوان “المغرب: مفترق طرق بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي والمحيط الأطلسي”، أدار فيها النقاش عميد الكلية، الدكتور شلومي دينار.
واستحضر المتحدث البنية التحتية والصناعة والطاقة والتعليم بوصفها ركائز استراتيجية التنمية المغربية. كما شدد على التحولات الاجتماعية، مستعرضا ارتفاع تمثيل النساء في البرلمان المغربي من عضوتين عام 1993 إلى 107 عضوات اليوم. ووصف تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة بأنه محطة تاريخية.
وأضاف قائلا أن “طموحنا المشترك هو أن نمنح هذا العمق التاريخي والاستراتيجي بعدا اقتصادياً يوازي إمكاناته الهائلة”.
كما أبرز السفير مبادرة الملك محمد السادس لمنح دول الساحل غير الساحلية منفذا إلى المحيط الأطلسي، مقدما إياها بوصفها مشروعا لتعزيز الربط الإقليمي والخدمات اللوجستية والتكامل التجاري عبر إفريقيا.
وبالنسبة للسفير، يكتسب هذا الطموح دلالة خاصة في سنة 2026، التي توافق الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة والصداقة المغربية الأميركية، والذكرى الـ20 لتنفيذ اتفاقية التبادل الحر بين البلدين، وهي الاتفاقية الوحيدة التي أبرمتها واشنطن مع دولة إفريقية.
وأعرب قائلا أن “هذه المحطات تشهد على عمق علاقة فريدة، ولدت من اعتراف المملكة باستقلال أميركا، وتعززت عبر الأجيال بثقة سياسية راسخة، وتضامن استراتيجي مثبت، ومجتمع مصالح في توسع مستمر”.
-الحرف التقليدية في صدارة المشهد
وإذا خصص اليوم الأول للتجارة والدبلوماسية، فإن اليومين التاليين حولا حديقة بونسي سيركل في كورال غايبلز إلى فضاء مفتوح للاكتشاف الثقافي المغربي.
هناك تعرف الزوار على الحرف المغربية والتصميم المعاصر والتقاليد الثقافية عبر ثلاثة فضاءات موضوعية: “أصل السوق”، المخصص للحرف اليدوية والمواد والتقنيات وقصص الحرفيين؛ و”صنع في المغرب”، الذي قدم الموضة والتصميم المغربيين المعاصرين والعلامات الناشئة؛ و”الصناعة والمستقبل”، الذي أبرز ريادة الأعمال والتكنولوجيا والصناعة الحديثة.
وحظيت منطقتان باهتمام خاص خلال الدورة الأولى لأيام المغرب، وهما جهة الرباط سلا القنيطرة، التي جسدت عبر زرابي الرباط وفخار سلا، وجهة درعة تافيلالت، التي عرضت تقاليد حرفية من ورزازات وتينغير وزاكورة، تشمل الزرابي والفخار والأعمال المعدنية.
وقالت القنصل العام للمملكة المغربية بميامي، شفيقة الهبطي أنه “على مدار يومين، تحل المغرب ضيفة على ميامي: بلد للاكتشاف والتجربة والاستمتاع، حيث تحتفي “أيام المغرب” بمملكة تلتقي فيها التقاليد العريقة بالإبداع والابتكار، حيث تعد الضيافة أسلوب حياة”.
“تعرفوا على حرفييننا ومبدعينا. اكتشفوا نكهاتنا وعلاماتنا التجارية وابتكاراتنا. عيشوا دفء المغرب، لأنكم لمدة يومين، لستم بحاجة للسفر إلى المغرب، فالمغرب قد أتى إليكم”، أضافت قائلة.
-الجالية المغربية في فلوريدا
إن اختيار ميامي لا يعكس بعدا رمزيا فحسب، فوفقا لتقديرات مكتب الإحصاء الأميركي، يقطن في فلوريدا 14,891 مغربيا، أي ما يمثل 9.7 في المائة من الجالية المغربية في الولايات المتحدة.
وتتصدر منطقة أورلاندو الحضرية قائمة التجمعات المغربية بـ4,475 مقيما، أي 30.05 في المائة من مغاربة الولاية. وتأتي ميامي الحضرية في المرتبة الثانية بـ4,440 مقيما، أو 29.82 في المائة، بينما يبلغ عدد المغاربة في منطقة خليج تامبا 3,959 مقيماً، أي 26.59 في المائة.
وفي مقاطعة ميامي دايد، التي تضم 34 بلدية، يتوزع المغاربة على 15 منها. وتسجل ميامي بيتش أكبر تجمع بـ363 مقيما، تليها مدينة ميامي بـ228، ثم أفنتورا بـ192، وشمال ميامي بـ107. أما كورال غيبلز، حيث أقيم المهرجان، فيقطنها 90 مغربيا.
وتشمل البلديات الأخرى: أوبا لوكا بـ59 مقيما، وساني آيلز بيتش بـ40، وشمال ميامي بيتش بـ24، وبالميتو باي بـ24، وسيرفسايد بـ21، وغولدن بيتش بـ13، وكاتلر باي بـ11، وساوث ميامي هايتس بـ7، وباينكريست بـ6، وخليج باي هاربور بـ6.
ويرى المسؤولون المغاربة أن جنوب فلوريدا يشكل نظيرا طبيعيا لموقع المغرب كبوابة بين القارات. فميامي تتيح منفذا إلى أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، فيما تحافظ المغرب على روابط تجارية ولوجستية وثيقة مع الأسواق الإفريقية والأوروبية.
وقد أشار العمراني إلى الرابط الجوي المباشر بين الدار البيضاء وميامي، وإلى اتفاقية التوأمة الموقعة سنة 2025 بين مقاطعة ميامي دايد وجهة الدار البيضاء سطات، بوصفهما أساسين لتطوير التعاون في التجارة والخدمات اللوجستية والسياحة والابتكار.
وقال أنه “بالنسبة إلى الشركات الأميركية المتجهة نحو إفريقيا، فإن المغرب يقدم نفسه أكثر من كونه بوابة فقط، فهو شريك موثوق للبناء والإنتاج والنجاح المشترك”.
كما دعا السفير إلى توسيع التعاون الأكاديمي وفتح مجال البحث للشباب في مجالات الماء والطاقة والصمود أمام التغيرات المناخية وريادة الأعمال النسائية.
وأضاف مؤكدا: “يمكن للحكومات إبرام الاتفاقيات، لكن النساء والرجال الذين نربيهم اليوم هم من سيمنحونها معناها الكامل غدا”.
-الجالية رافعة اقتصادية
كما وضع المسؤولون المغاربة الحدث في سياق دور المغاربة المقيمين بالخارج. فبحسب إدارة شؤون المغاربة المقيمين في الخارج، تسهم هذه الجالية في تنمية المغرب ليس فقط من خلال الاستثمار، بل أيضا من خلال الخبرات المهنية والشبكات والمعرفة في القطاعات التي تحفز النمو وتوفر فرص العمل. وتصف الوزارة أفراد الجالية بأنهم رواد مشاريع ورواد أعمال يضطلعون بدور استراتيجي في تنشيط الاقتصاد الوطني.
-مادا بعد الدورة الأولى؟
بالنسبة إلى المغرب، كانت فعاليات ميامي الأولى احتفالا ثقافيا وعرضا اقتصاديا في آن واحد؛ إذ سعت إلى تحويل علاقة تاريخية وصداقة رمزية إلى تعاون اقتصادي قابل للقياس عبر شراكات عصرية متوازنة.
وسيتوقف مدى تحول “أيام المغرب في ميامي” إلى موعد سنوي على قدرة اللقاءات التي جرت في كورال غايبلز وجامعة فلوريدا الدولية على التحول من مجرد لقاء إلى مشاريع ملموسة. ومن أجل تفعيل اللقاء على القنصلية إشراك الفاعلين الاجتماعيين المغاربة المقيمين بفلوريدا لدرايتهم بتقاليد المنطقة وإهتماماتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist