إيمان السباعي التشافر: كلمة “الأشد” هي قلب الرواية بالنسبة لي.

سلمى القندوسي

تزورنا اليوم حروفٌ كبرت وترعرعت في مدينة الصويرة، حروف كانت في حفظ ضيفتنا المبدعة، إيمان السباعي التشافر.

وبين إيمان القارئة و الشاعرة، و إيمان صانعة المحتوى الثقافي، ولدت إيمان الروائية، واحتضنتها “كلتورا”.
و من معجزات الثقافة المغربية أنها استطاعت أن تلهم “إيمان”، التي تلقت تكوينها في مجالات المالية و التدقيق والاستشارة، وتجعلها بسحرها ترسم الحروف بدل الأرقام.
و في هذا الحوار سنكتشف رؤيتها للكتابة ونغوص معها في أعماق عالمها الثقافي و الأدبي.
▪︎لنبدأ من إيمان القارئة؛ ماذا تمثل القراءة في حياتك، وما الذي تبحثين عنه عادة حين تفتحين كتابًا جديدًا؟ وهل هناك كتاب أو تجربة قرائية تركت أثرًا خاصًا فيك؟
《يصعب عليّ أن أضع القراءة في خانة الهوايات، فالهواية شيء نمارسه، أما القراءة فأشعر أنها شيء نسكنه ويسكننا.
حين أفتح كتابًا جديدًا، أبحث عن شيء يربكني بالمعنى الجميل للكلمة، فكرة تجعلني أتوقف، شخصية تدفعني إلى مساءلة أحكامي، أو جملة تجعلني أرفع عيني عن الصفحة للحظات لأنني شعرت أنها لامست مكان أعرفه جيدًا في داخلي.
أحب الأدب الذي لا يقدم لي الإجابات جاهزة، بل يتركني مع سؤال أكبر بعد الصفحة الأخيرة.
أما الكتب التي أثرت فيّ فكثيرة، وبعضها لم يرتبط عندي بقيمته الأدبية وحدها، بل باللحظة التي قرأته فيها. رواية لو اختفت القطط من العالم لجينكي كاوامورا، مثلًا، قرأتها بعد فقدان قطّ صديقتي نوف:  فوكسي، فتحولت القراءة إلى مواجهة هادئة مع معنى الغياب. أدركت يومها أن بعض الكتب لا ندخلها فرادى إنما ندخلها حاملين معنا أشخاصًا وذكريات وفقدًا وأشياء لم نودّعها  كما ينبغي.
ولهذا أحب القراءة: أفتح الكتاب لأتعرف إلى حكاية شخص آخر، ثم أكتشف أحيانًا أنني كنت أقرأ جزءًا مني.》
▪︎من القراءة إلى الكتابة؛ هل كانت القراءة هي الطريق الذي قادك إلى الكتابة، أم أن الكتابة كانت حاضرة فيك منذ البداية؟ ومتى شعرت أنك تريدين أن تكتبي نصوصًا يقرأها الآخرون؟
《أظن أن الكتابة كانت حاضرة في حياتي قبل أن أعرف أنها تُسمّى كتابة.
منذ وقت مبكر، كانت لديّ علاقة خاصة بالكلمات، أراقب التفاصيل الصغيرة، وأعيد الحوارات في رأسي، وأتساءل عمّا يختبئ خلف ما يقوله الناس أكثر مما أتوقف عند ما يقولونه فعلًا. ثم جاءت القراءة لتمنح ذلك العالم الداخلي لغة، ولتعلّمني أن الإنسان لا يعيش حياة واحدة فقط، هناك الحياة التي يراها الآخرون، وحياة أخرى كاملة تجري في أعماقه ولا يعرف عنها أحد شيئًا.
وهناك، تحديدًا، بدأت علاقتي الحقيقية بالكتابة.
كانت الكتابة صديقي الذي أفرغ أمامه كل ما ضاق به صدري ولم أخبر به أحدًا. كنت أضع على الورق المشاعر التي تحتبس داخلي: الخوف، الغضب، الحزن، الخذلان، وحتى الأشياء الجميلة التي نعجز أحيانًا عن التعبير عنها لأن شدّة الشعور بها تفوق قدرتنا على الكلام.
ومع الوقت أدركت أن الإنسان لا يكتب دائمًا لأنه يعرف ما يشعر به، بل يكتب أحيانًا لكي يعرف ما يشعر به.
فثمة أشياء تسكننا بلا أسماء، وتظل ثقيلة ومبهمة إلى أن نضعها في جملة. عندها فقط تصبح قابلة للفهم. وربما لهذا كانت الكتابة بالنسبة إليّ شكلًا من أشكال الحوار مع الذات، كنت أكتب كي أستمع إلى ذلك الجزء الصامت مني، الجزء الذي قد يظل طوال اليوم خلف الأدوار التي نؤديها أمام الآخرين، ثم يجد في الورقة مكانًا يستطيع فيه أن يكون صادقًا تمامًا.
وكانت الكتابة أيضًا طريقتي في التواصل.
لطالما كتبت رسائل إلى والديّ وأصدقائي حين أشعر أن الكلام المباشر لن يستطيع حمل كل ما أريد قوله. كنت أكتب لأشرح موقفي، أو أعتذر، أو أعبّر عن محبتي، أو أقول أشياء أعرف أن اللحظة قد تربكها وأن الانفعال قد يغيّر معناها.
ربما لأن الكلام ابن اللحظة، أما الكتابة فتعطينا فرصة لنتأمل أنفسنا قبل أن نضعها أمام الآخر.
وحين أعود اليوم إلى بعض ما كتبته قديمًا، أشعر أحيانًا أنني لا أقرأ كلمات فحسب، بل ألتقي نسخًا سابقة مني،  فتاة فكرت بطريقة ما، وخافت من أشياء تجاوزتها، وتألمت من أشياء أصبحت اليوم مجرد ذكرى. وهنا تكمن إحدى أكثر أفكار الكتابة إثارة بالنسبة إليّ: أنها تحفظ ذواتنا التي يلتهمها الزمن.
فنحن نتغير باستمرار، وقد لا ننتبه إلى مقدار ما تغيرنا، لكن النص يتذكر.
يتذكر كيف كنا نرى العالم، وكيف كنا نرى أنفسنا داخله.
لهذا لم تكن الكتابة يومًا مجرد رغبة في أن أصبح كاتبة. كانت، قبل كل شيء، محاولة لفهم نفسي، وترتيب الفوضى التي تحدث في الداخل، ومنح الألم معنى بدل أن يظل مجرد ألم.
لسنوات كنت أكتب لنفسي، وربما كان في ذلك شيء من الحماية، فالكتابة التي تبقى في الدرج لا يحاكمها أحد، ولا يسيء أحد فهمها، ولا تضطر إلى الدفاع عنها.
أما اللحظة الأصعب فتبدأ عندما تمنح الآخرين مفتاح ذلك الدرج.
حينها فهمت أن نشر الكتابة فعل شجاعة مختلف تمامًا عن فعل الكتابة نفسه. فأنت حين تكتب تكون وحدك مع ذاتك، لكن حين تنشر،فإنك تضع جزءًا من عالمك الداخلي أمام عيون لا تعرف كيف ستقرأه.
والأغرب أنك، بمجرد أن تمنح النص للقارئ، تفقد شيئًا من سلطتك عليه. قد تكتب عن خوفك، فيجد شخص آخر فيه حزنه. وقد تكتب عن فقدك، فيقرأه آخر بوصفه حبًا. وهكذا يتحول النص من تجربة شخصية إلى مساحة يلتقي فيها غرباء لم يعيشوا الحياة نفسها، لكنهم عرفوا الشعور نفسه.
وهنا ربما تكمن فلسفة الكتابة بالنسبة إليّ:
نحن نكتب عن أنفسنا، ثم نكتشف أن أعمق ما فينا هو غالبًا أكثر ما يجعلنا نشبه الآخرين.
لم تأتِ لحظة واحدة قلت فيها: «الآن سأصبح كاتبة». كان الأمر أشبه بتراكم طويل، إلى أن أصبحت الكلمات التي أكتبها أضيق من أن تبقى حبيسة دفاتري.
واليوم، حين أنظر إلى علاقتي بالكتابة، أشعر أنني لم أخترها تمامًا، لقد رافقتني طويلًا، صديقةً حين لم أستطع الكلام، ورسالةً حين عجزت عن التعبير، ومرآةً حين احتجت إلى فهم نفسي، وذاكرةً تحفظ النسخ التي كنتها في الطريق.
وربما لهذا أكتب.
ليس لأن لديّ دائمًا ما أقوله للعالم، بل لأن الكتابة كانت، وما زالت، إحدى الطرق التي أحاول بها أن أفهم ماذا يفعل هذا العالم بي… ومن أكون أنا وسط كل ذلك.》
▪︎أنت شاعرة وكاتبة؛ كيف تختلف علاقتك بالكلمة في القصيدة عنها في الكتابة السردية؟ وهل هناك مساحة تجدين فيها نفسك أكثر؟
《في الشعر أبحث عن الكلمة، وفي الرواية أبحث عن الإنسان.
القصيدة عندي لحظة مكثفة جدًا، شعور كبير أحاول أن أضعه في أقل عدد ممكن من الكلمات. أحيانًا تكفي صورة واحدة أو استعارة واحدة كي تحمل عالمًا كاملًا.
أما الرواية فهي العكس تقريبًا، إنها تمنحني الوقت لمراقبة الإنسان وهو يتغير. أن أضع الشخصية أمام الحب والخوف والفقد والاختيار، ثم أراقب ما ستفعله.
في الشعر أستطيع أن أقول: «أنا أتألم».
أما في الرواية، فأفضّل أن أبني عالمًا كاملًا يجعل القارئ يشعر بالألم من دون أن أخبره باسمه.
ومع ذلك يصعب علي الفصل بين الشاعرة والروائية بداخلي. الشاعرة تتسلل باستمرار إلى لغتي السردية، والروائية أحيانًا تفسد على الشاعرة اختصارها الجميل لأنها تريد أن تعرف: ماذا حدث قبل هذه الجملة؟ وماذا سيحدث بعدها؟
لذلك لا أعرف أي المساحتين تشبهني أكثر. ربما أنا موجودة في المنطقة التي تلتقيان فيها.》
▪︎لنقترب من روايتك «بوابة الأشدّ»؛ كيف ولدت فكرتها الأولى؟ وهل جاءت من موقف أو سؤال أو إحساس ظل يرافقك حتى تحول إلى رواية؟
《بدأت من سؤال شخصي جدًا: ماذا يحدث للإنسان حين يقترب من الأربعين؟
لكن الحكاية، في الحقيقة، بدأت قبل هذا السؤال بسنوات.
لأن بعضنا يتحدث كي يعبّر عن نفسه، بينما يحتاج بعضنا الآخر إلى أن يكتب كي يفهم أولًا ما الذي يحدث داخله.
وكان زوجي ربيع، وصديقتاي نسرين ونوف، من القلائل الذين يقرؤون كتاباتي. كانوا يرون أن لدي قدرة خاصة على التعبير عن المشاعر، وربما لأنني لم أكن أبحث عنها أو أصطنعها، كنت أكتب مشاعر حقيقية عشتها بالفعل. كنت فقط أمنح الإحساس اسمًا، وأضعه على الورق.
ثم كانت هناك الأحلام.
لطالما راودتني أحلام شديدة الدقة، ترعبني أحيانًا كمية التفاصيل التي أستيقظ وأنا أتذكرها: الأماكن، الوجوه، الحوارات، وحتى الإحساس الذي كان يرافقني داخل الحلم. كان ربيع هو من دفعني إلى كتابتها بدل أن أتركها تتلاشى مع الصباح.
فبدأت أدوّنها.
ومع الوقت، لم تعد نسرين ترى أمامها مجرد نصوص ومشاعر وأحلام متفرقة. أصرت عليّ أن أنتقل إلى مرحلة أخرى: أن أجمع هذا العالم كله داخل رواية، وأن أفكر جديًا في النشر.
وفي الوقت نفسه، كنت أقترب من الأربعين.
ولم يكن الأربعون بالنسبة إليّ رقمًا، بل عتبة.
كانت هناك نقاشات وجودية كثيرة تُطبخ في داخلي بصمت. أسئلة عن الزمن، والاختيارات، والخوف، والألم، والأمل، والنسخ المختلفة التي كنّاها خلال حياتنا. كنت أفكر في مفهوم «الأشدّ»: في تلك المرحلة التي يُفترض أن يبلغ فيها الإنسان اكتماله ونضجه.
لكن سؤالًا ظل يلاحقني:
هل نصل فعلًا إلى عمر تصبح فيه الأشياء واضحة؟ أم أننا كلما عرفنا أكثر، اكتشفنا اتساع ما نجهله عن أنفسنا؟
وشعرت أنني أريد أن أكتب كل تلك الهواجس قبل أن أصل إلى عتبة الأربعين، كأنني أريد أن أُخرجها من داخلي، واحدة تلو الأخرى، وأضعها أمامي على الورق لأراها بوضوح.
ربما ظننت في البداية أنني أكتبها لأتخلص منها.
ثم اكتشفت أن بعض الهواجس لا نكتبها كي نتخلص منها، بل كي نفهم لماذا سكنت فينا أصلًا.
من هنا بدأت فكرة البوابة.
جاءت الأحلام التي كنت أدوّنها، والهواجس التي كانت تكبر مع اقتراب الأربعين، وفكرة كاتبة كتبت روايتها لكنها تعجز عن إنهائها. أحببت هذه المفارقة. لأنها تتجاوز فكرة العجز عن الكتابة.
ماذا لو كان الكاتب يعرف النهاية، لكنه يخشى الوصول إليها؟
ماذا لو لم تكن الصفحة البيضاء فراغًا… بل مرآة؟
وماذا لو كانت الأحلام التي نحاول الهرب منها مجرد أبواب يفتحها اللاوعي ليقودنا إلى أشياء أخفيناها طويلًا عن أنفسنا؟
من هنا تحولت الفكرة تدريجيًا إلى فانتازيا سريالية، تعبر فيها البطلة عوالم تبدو غرائبية، بينما هي في عمقها شديدة الإنسانية.
فأحيانًا نحتاج إلى عالم غير واقعي تمامًا كي نقول أكثر حقائقنا واقعية.》
▪︎العنوان وحده يثير الفضول: «بوابة الأشدّ»… ما الذي يمكن أن تخبرينا به عن دلالته، من دون أن نكشف أسرار الرواية للقارئ؟
《كلمة «الأشدّ» هي قلب الرواية بالنسبة إليّ.
أحببت فيها أنها لا تشير إلى العمر وحده، بل إلى النضج والاكتمال وبلوغ مرحلة يصبح فيها الإنسان أكثر وعيًا بنفسه وبالعالم.
أما «البوابة»، فلأنني لا أرى التحولات الكبرى في حياتنا طرقًا مستقيمة. هناك دائمًا عتبات نعبرها، ونخرج منها مختلفين عمّن دخلها.
وأحيانًا لا تكون البوابة أمامنا، بل في داخلنا.
لذلك فالعنوان بالنسبة إليّ يحمل سؤالًا أكثر مما يحمل إجابة: ماذا لو كان بلوغ الأشدّ لا يعني الوصول إلى اليقين، بل امتلاك الشجاعة الكافية لمواجهة الأسئلة التي قضينا سنوات نهرب منها؟
وسأتوقف هنا، لأن ما بعد هذه الجملة ملك للقارئ.》
▪︎في النبذة نلتقي بكاتبة تتوقف قبل نهاية روايتها بأربعة فصول، لأن الحقيقة قد تكون مؤلمة حين تخرج إلى العلن… ما الذي يمكن أن يدفع كاتبة إلى التوقف أمام حكايتها نفسها؟ وهل يمكن أن تصبح الكتابة مواجهة مع الذات؟
《أعتقد أن أصعب ما يمكن أن يكتبه الإنسان ليس ما يجهله، بل ما يعرفه جيدًا ولا يريد الاعتراف به.
هناك مسافة آمنة بيننا وبين الأشياء ما دامت أفكارًا غامضة داخل رؤوسنا. لكن حين نكتبها، فإننا نعطيها شكلًا واسمًا ووجودًا.
وهنا تصبح الكتابة خطرة نفسيًا بمعناها الجميل والمؤلم معًا.
فالورقة لا تقاطعك، ولا تجاملك، ولا تغيّر الموضوع حين تقترب من منطقة تؤلمك. تظل أمامك وتقول بصمت: أكمل.
ولهذا يمكن أن تكون الكتابة مواجهة حقيقية مع الذات.
لكن السؤال الذي أحب أن تتركه الرواية مفتوحًا هو: هل كل حقيقة نكتشفها يجب أن تُقال؟ وهل الصمت دائمًا خوف، أم يمكن أن يكون أحيانًا اختيارًا؟ وأين تنتهي حريتنا في سرد قصتنا حين تتقاطع مع حياة الآخرين؟
هذه المنطقة الرمادية تحديدًا هي التي تثيرني أدبيًا.》
▪︎الرواية تضعنا أمام علاقة شائكة بين الحقيقة والصمت، وبين ما نريد قوله وما نخشى عواقبه. إلى أي حد يمكن للواقع أن يتسلل إلى الرواية، حتى عندما يكتب الكاتب من الخيال؟
《أعتقد أن الخيال نفسه ابن الواقع، حتى حين ينكره.
يمكن للكاتب أن يخلق مدينة لا وجود لها، وزمنًا لم يحدث، وشخصيات لم تولد قط، لكنه سيمنحها خوفًا عرفه، أو سؤالًا سكنه، أو إحساسًا مرّ به يومًا.
نحن لا نكتب من فراغ.
حتى أكثر المخلوقات غرابة في الفانتازيا تحمل شيئًا إنسانيًا، وإلا لما خفنا منها ولا أحببناها.
بالنسبة إليّ، الواقع لا يدخل الرواية دائمًا في صورة أحداث حقيقية. قد يدخلها على هيئة إحساس. وربما يكون ذلك أعمق، لأن الحدث يمكن تغييره، أما الأثر النفسي الذي تركه فينا فمن الصعب تزويره.
لذلك أحب أن أقول إنني لا أنقل الواقع إلى الرواية، بل أترك صداه يتسلل إليها.
ثم يأتي الخيال ليعيد تشكيل ذلك الصدى حتى يصبح شيئًا آخر، شيئًا يستطيع القارئ أن يجد فيه نفسه، وإن لم يعش حياة الكاتب.》
▪︎بعيدًا عن أحداث «بوابة الأشدّ»، في رأيك، ما الذي يجعل الرواية قادرة على شد القارئ حتى الصفحة الأخيرة: الفكرة، الشخصيات، اللغة، بناء الأحداث، أم ذلك السؤال الذي يظل يلاحقه أثناء القراءة؟
《بالنسبة إليّ، أجمل الروايات هي التي تجعل القارئ شريكًا في الكتابة من دون أن يشعر.
الفكرة قد تجذبه إلى الصفحة الأولى، والأحداث تدفعه إلى الاستمرار، واللغة تمنحه متعة الطريق، والشخصيات تجعله يهتم بما سيحدث… لكن السؤال هو ما يبقى معه.
أحب الرواية التي تجعلني أضع الكتاب جانبًا للحظة وأفكر.
وأؤمن أن الشخصية القوية ليست بالضرورة التي أحبها ، بل تلك التي أفهم تناقضاتها. الإنسان نفسه كائن متناقض، قد يكون شجاعًا في موقف وجبانًا في آخر، كريمًا هنا وأنانيًا هناك، يحب شخصًا ويؤذيه في الوقت نفسه.
حين تكتب الشخصيات بهذه الهشاشة، تصبح حقيقية.
أما النهاية الجميلة بالنسبة إليّ، فليست التي تغلق جميع الأبواب، بل التي تغلق الحكاية وتترك نافذة صغيرة مفتوحة في ذهن القارئ.》
▪︎بعد خوض تجربة كتابة ونشر روايتك، ما الذي تغير في نظرتك إلى نفسك ككاتبة؟ وهل اكتشفت في هذه التجربة شيئًا عن الكتابة لم تكوني تعرفينه من قبل؟
《اكتشفت أن كتابة الرواية شيء، وإنهاءها شيء آخر، وتسليمها للعالم شيء ثالث تمامًا.
حين تكتب لنفسك تستطيع العودة إلى الجملة مئة مرة. تستطيع حذف فصل كامل، أو تغيير اسم شخصية في منتصف الليل، ولا أحد ينتظرك.
لكن لحظة النشر تجبرك على قبول فكرة صعبة جدًا على الكاتب: أن النص يجب أن يغادر صاحبه في لحظة ما.
تعلمت أن الكمال فخ جميل.
سيظل الكاتب يرى جملة كان يستطيع تحسينها، أو مشهدًا كان يمكن أن يكتبه بطريقة مختلفة. وإذا انتظرنا اللحظة التي نشعر فيها أن النص أصبح كاملًا تمامًا، فقد لا ننشر شيئًا أبدًا.
كما اكتشفت شيئًا آخر عن نفسي: أنني كنت أظن أنني أكتب الرواية، ثم أدركت في مراحل كثيرة أنها كانت تعيد كتابتي أنا أيضًا.
بعض الرحلات لا تغيّر الوجهة فقط، تغيّر الشخص الذي يصل إليها.》
▪︎اخترت مجموعة كلتورا الدولية للنشر والتوزيع والإعلام لنشر «بوابة الأشدّ»؛ ما الذي وجدته في هذه التجربة وجعلك تمنحين كلتورا ثقتك في إصدار عملك؟
《الإصدار الأول له رهبة خاصة، لأنك لا تسلّم دار النشر مخطوطًا فقط، بل تسلّمها شيئًا عشت معه طويلًا في الخفاء.
ولعل ما جعل قرار النشر أكثر قربًا وطمأنينة بالنسبة إليّ هو الصداقة التي جمعتني بالأخ ياسين مدير دار النشر ، والثقة التي نشأت بيننا مع الوقت. كان مطّلعًا على كتاباتي التي أنشرها بين الحين والآخر عبر حسابي على إنستغرام، ويقرأني قبل أن توجد فكرة الكتاب أصلًا. و كان هذا مهمًا جدًا بالنسبة إليّ :أن أضع عملي الأول بين يدي شخص يقدّر كتابتي أكثر مما يلتفت إلى عدد متابعيّ على مواقع التواصل.
كنت أريد أن أنشر أول عمل لي مع صديق أثق به، أستطيع أن أتعامل معه على سجيتي، وأن أتحدث أمامه عن مخاوفي وتساؤلاتي من دون أن أحتاج إلى تجميلها أو تبريرها. شخص ينصت إلى هواجسي، ويفهم من أين تأتي، ثم يساعدني بهدوء على تبديدها. وربما لأن هذه الرواية نفسها وُلدت من هواجسي، كان مهمًا بالنسبة إليّ أن تبدأ رحلتها إلى العالم مع شخص لا يستخف بتلك الهواجس، بل يفهمها.
لذلك كان يهمني أن أشعر بأن الرواية ستُعامل بوصفها مشروعًا إبداعيًا له هويته، وأن التفاصيل المحيطة بالنص جزء من التجربة وليست مجرد إضافات شكلية.
الثقة بالنسبة إليّ لا تتكوّن من قرار واحد كبير، بل من مجموعة تفاصيل صغيرة: التواصل، والإنصات، واحترام رؤية الكاتب، والقدرة على مناقشة الاختيارات المرتبطة بالعمل. وربما لهذا كانت معرفتي السابقة بياسين عاملًا مهمًا، لأن الثقة هنا لم تبدأ يوم سلّمته المخطوط، بل كانت موجودة قبل ذلك، إنسانيًا، ثم انتقلت بصورة طبيعية إلى علاقتنا بالكتاب.
وأظن أن تجربة الإصدار الأول ستظل دائمًا مختلفة، لأنها المرة الأولى التي ترى فيها عالمًا كان موجودًا في رأسك فقط يبدأ باكتساب وجود مادي، من التحرير إلى الرسوم والغلاف، ثم أخيرًا إلى كتاب يستطيع شخص لا تعرفه أن يحمله بين يديه.
وهذه الفكرة وحدها مدهشة ومخيفة في الوقت نفسه: أن تسلّم جزءًا من عالمك الداخلي إلى شخص تثق به، ثم تراه يغادرك شيئًا فشيئًا ليصبح ملكًا لقرّاء لم تلتقِ بهم بعد.》
▪︎نكتب ونقرأ اليوم في زمن أصبح فيه الذكاء الاصطناعي حاضرًا بقوة في عالم الكتابة؛ كيف تنظرين إلى هذا التحول؟ وهل يمكن للتكنولوجيا أن تساعد الكاتب مع الحفاظ على صوته وخصوصية تجربته الإبداعية؟
《أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس: هل نستعمل التكنولوجيا؟ بل: من يقود من؟
لطالما استعان الإنسان بالأدوات. تغيرت الورقة، وتغير القلم، وجاءت الآلة الكاتبة ثم الحاسوب، واليوم نعيش مرحلة أخرى أكثر تعقيدًا مع الذكاء الاصطناعي.
بالنسبة إليّ، يمكن للتكنولوجيا أن تكون مساحة للحوار والبحث والتنظيم والمراجعة، وأن تساعد الكاتب على رؤية احتمالات لم ينتبه إليها. لكن هناك منطقة لا ينبغي أن يتنازل عنها: تجربته الإنسانية.
فالكاتب، بدل أن يُقلّب صفحات «المنجد» بحثًا عن مرادف أدق، يستطيع اليوم أن يطلب من الذكاء الاصطناعي عشرات المرادفات في ثوانٍ. بإمكانه أن يبحث عن كلمة أجمل، أو تركيب أكثر سلاسة، أو صورة بلاغية أكثر اتساعًا.
لكن هناك شيئًا واحدًا لن يجده جاهزًا هناك: مشاعره هو.
يمكن للأداة أن تمنحه مفردات الحزن، لكنها لا تعرف حزنه. وأن تقترح عليه مرادفات للخوف، لكنها لا تعرف أيَّ خوفٍ ارتجف في داخله، ولا لماذا ارتجف، ولا الأثر الذي تركه فيه بعد أن مضى.
الأداة قد تقترح ألف استعارة عن الفقد، لكنها لم تفقد أحدًا.
قد تصف الخوف، لكنها لم تستيقظ في الثالثة صباحًا وقلبها مثقل به.
وقد تكتب عن الحنين إلى مدينة، لكنها لم تمشِ في أزقتها وهي تحمل طفولتها في ذاكرتها.
فاللغة يمكن البحث عنها في «المنجد»، ويمكن اليوم استحضارها بمساعدة الذكاء الاصطناعي، أما الشعور الذي يجعل هذه اللغة تستحق أن تُقرأ، فلا يُستخرج من معجم ولا تصنعه خوارزمية، إنه يأتي من مكان أكثر تعقيدًا: من حياة الكاتب نفسها.
وهذا، بالنسبة إليّ، أحد أهم أسرار الإبداع.
فالإبداع ليس أن تعثر على أكثر الكلمات فصاحة فحسب، بل أن تضع داخل تلك الكلمات شيئًا لا يستطيع أن يضعه فيها سواك: ذاكرتك، وهواجسك، وخساراتك، وفرحك، وتناقضاتك، والطريقة الخاصة جدًا التي مرّت بها الحياة من خلالك.
وهنا تكمن مسؤولية الكاتب المعاصر: أن يستخدم الأداة من دون أن يسمح لها بأن تستخدم صوته.
أخشى على الأدب من التشابه أكثر مما أخشى عليه من التكنولوجيا. لأن قيمة الكتابة ليست في قدرتنا على صياغة جملة جميلة فحسب، بل في السؤال الأعمق: لماذا كانت هذه الجملة ضرورية لهذا الإنسان تحديدًا؟
فالصوت الأدبي ليس قاموسًا من الكلمات، إنه حصيلة ما عشناه، وما فقدناه، وما أحببناه، وما خفنا منه، وما فهمناه متأخرين.
قد تساعدنا التكنولوجيا في العثور على الكلمات، لكن الكاتب وحده يعرف لماذا تؤلمه هذه الكلمات بالذات.
وربما هناك، في تلك المسافة بين الكلمة التي يستطيع الجميع العثور عليها، والشعور الذي لا يملكه إلا صاحبه، يولد الأدب الحقيقي.》
▪︎وأخيرًا، إذا تركنا «بوابة الأشدّ» جانبًا وسألنا إيمان الإنسانة: ماذا علمتك الحياة حتى الآن؟ وما الذي ما زلت تبحثين عنه بين الحياة والقراءة والكتابة؟
《علّمتني الحياة أن الإنسان لا ينضج حين يجد جميع الإجابات، بل حين يتصالح مع وجود أسئلة قد ترافقه طويلًا.
علّمتني أيضًا أن القوة ليست دائمًا ذلك الوجه الصلب الذي نقدمه للعالم. أحيانًا تكون القوة في أن نعترف بأن شيئًا آلمنا، وأن نسمح لأنفسنا بالحزن عليه، ثم نواصل السير من دون أن ننكر أثره فينا.
وعلّمتني أن الفقد لا يمحو الحب،إنه يغيّر مكانه فقط. وأن بعض الأشخاص والأماكن والكائنات واللحظات يغادرون حياتنا، لكنهم يتركون فينا نسخة من أنفسنا لم تكن موجودة قبلهم.
كلما تقدمت في العمر، أصبحت أقل بحثًا عن الحياة المثالية وأكثر اهتمامًا بالحياة الحقيقية، تلك التي تحتوي الفرح والفقد، النجاح والتعثر، اليقين والشك، وكل التناقضات التي تجعلنا بشرًا.
أما ما أبحث عنه؟
ربما أبحث عن نفسي، لكن ليس بمعنى أنني أظن أنني أضعتها. بل لأنني بدأت أؤمن أن الذات ليست شيئًا نعثر عليه مرة واحدة ثم ينتهي البحث.
نحن نتغير باستمرار.
كل كتاب نقرؤه يضيف إلينا شيئًا، وكل إنسان نحبه يترك أثرًا، وكل خسارة تعيد ترتيب الداخل، وكل قرار يفتح طريقًا ويغلق آخر.
ولهذا ربما أكتب.
أكتب لأنني لا أريد أن أصل إلى إجابة نهائية عن نفسي.
أريد فقط، كلما عبرت بوابة من بوابات العمر، أن أمتلك الشجاعة الكافية لألتفت إلى المرأة التي كنتها، ثم أنظر إلى المرأة التي أصبحتها، وأقول لهما معًا:
كانت الرحلة تستحق أن تُروى.》
▪︎ختاماً، و بعد هذه الغطسة الطويلة في أعماق حروف الروائية “إيمان السباعي التشافر”، نخرج و نحن قد بددنا شكوكنا و أشبعنا عقولنا بالرضى، فلكل كلمة خبرة و معرفة، و لكل إنجاز سنّ أشد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist