المجتمع المدني بين الإجراءات القانونية والممارسة الميدانية

التحرير

تقديم:

تقدم هذه الدراسة، التي أعدها الدكتور عبد السلام بوعسل، أستاذ العلوم الاقتصادية والتدبير ودكتور في القانون الخاص، قراءة في واقع المجتمع المدني، من خلال بحث العلاقة بين الإطار القانوني المنظم لعمله والممارسة الميدانية وما تفرزه من تحديات.
وتتوقف الدراسة عند أبرز الأدوار التي يضطلع بها المجتمع المدني في التنمية والدفاع عن الحقوق والحريات، كما تسلط الضوء على الإكراهات التي تواجهه، من بيروقراطية وقيود إدارية إلى محدودية الموارد ومحاولات التوظيف السياسي، قبل أن تطرح مجموعة من المقترحات الكفيلة بتعزيز فعاليته واستقلاليته.

–الحلقة الثالثة والأخيرة–

-المطلب الثاني: إشكالية استقلالية المجتمع المدني
الاستقلالية تعد من المبادئ الجوهرية التي يقوم عليها المجتمع المدني، إذ تمثل شرطًا أساسياً لضمان مصداقيته ونجاعته في القيام بدوره الرقابي والتنموي، غير أن الواقع الميداني يكشف عن جملة من التحديات التي تمس هذا المبدأ وتضعفه.
وتتجلى هذه التحديات في تبعية بعض الجمعيات للسلطات العمومية أو للأحزاب السياسية، حيث يتم توظيف العمل الجمعوي أحيانًا كامتداد للعمل الحزبي أو كآلية للتقرب من دوائر القرار، وهذا الأمر يؤدي إلى تقويض وظيفة المجتمع المدني كقوة اقتراحية مستقلة، ويحول بعض الجمعيات إلى مجرد أدوات لتلميع صورة الفاعل السياسي أو الإداري، وقد أكد بعض الفقه أن المجتمع المدني يفقد معناه عندما يتحول إلى ذراع للسلطة بدلا من أن يكون قوة ضغط مستقلة.
ثم تبرز إشكالية غياب الشفافية في التمويل باعتبارها أحد العوامل التي تؤثر على استقلالية القرار الجمعوي، فالعديد من الجمعيات لا تعلن بوضوح عن مصادر تمويلها، سواء العمومية أو الخاصة، مما يثير تساؤلات حول درجة استقلاليتها ومصداقية أنشطتها، كما أن اعتماد بعض الجمعيات بشكل شبه كامل على الدعم العمومي يجعلها رهينة للسلطة المانحة، الأمر الذي يضعف قدرتها على تبني مواقف نقدية أو المطالبة بإصلاحات جوهرية، وفي هذا السياق، يشير الفقه القانوني المغربي إلى أن المجتمع المدني الحقيقي هو الذي يبني شرعيته على استقلالية موارده وشفافية تدبيرها.
إن غياب الاستقلالية والشفافية يفرغ دور المجتمع المدني من محتواه الديمقراطي، ويجعل ثقة المواطنين فيه ضعيفة، خصوصً في ظل تزايد الوعي المجتمعي بأهمية الحكامة الجيدة والمساءلة، لذلك فإن تعزيز استقلالية الجمعيات يقتضي وضع آليات قانونية ومؤسساتية تضمن الشفافية المالية، وتحد من محاولات تسييس العمل الجمعوي أو احتوائه.
رغم أن دستور المملكة المغربية لسنة 2011 في فصله 12 ينص على ضمان حرية تأسيس الجمعيات، وعلى مساهمة هذه الأخيرة في إعداد القرارات والسياسات العمومية وتفعيل الديمقراطية التشاركية، ورغم أن القوانين التنظيمية والأنظمة الأساسية ذات الصلة، لاسيما الظهير المنظم لحق تأسيس الجمعيات، تؤكد جميعها على مبدأ حرية التأسيس، وتلزم الإدارة بتسلم ملفات الجمعيات وتمكينها من الوصل القانوني داخل آجال محددة.
إلا أن الواقع الميداني يكشف عن فجوة بين هذه النصوص والممارسة الفعلية، حيث تسجل عدة عراقيل مرتبطة بالإجراءات الإدارية، من أبرزها رفض بعض السلطات تسلّم الملفات القانونية دون مبرر، أو تأخير تسليم الوصل المؤقت أو النهائي، مما يعيق عمل الجمعيات ويحد من استقلاليتها، ويشير الفقه إلى أن الممارسة الإدارية كثيرا ما تعكس مقاومة للتطورات القانونية، فتتحول النصوص المتقدمة إلى مجرد إعلان نوايا يصطدم بالتأويل الضيق على مستوى التنفيذ.
إضافة إلى ذلك، يلاحظ أن المجتمع المدني القوي يظهر بشكل أوضح في المدن الكبرى مثل الرباط والدار البيضاء ومراكش، حيث تتوافر فرص التمويل، ووسائل الإعلام، وآليات التواصل مع المؤسسات.
في المقابل، تعاني الجمعيات في المناطق القروية والهشة من ضعف البنية التحتية، وقلة الموارد المالية والبشرية، فضلا عن العراقيل الإدارية المضاعفة، مما يحد من قدرتها على أداء أدوارها التنموية، وقد شدّد UNDP في أحد تقاريره حول التنمية البشرية على أن تفاوت القدرات بين الجمعيات الحضرية والقروية يكرس الفوارق المجالية ويؤثر على العدالة الاجتماعية.
إن هذا الوضع يعكس بوضوح التناقض بين الضمانات القانونية من جهة، والممارسات الميدانية من جهة أخرى، ويطرح تحديا حقيقيا أمام تحقيق ديمقراطية تشاركية متوازنة وشاملة.
يمثل مبدأ الاستقلالية جوهر وجود المجتمع المدني وضمانة لنجاعته ومصداقيته في القيام بأدواره الرقابية والتنموية، غير أن الممارسة الميدانية تكشف عن تحديات جدية تضعف هذا المبدأ، أهمها التبعية للسلطات العمومية أو الأحزاب السياسية، حيث يستعمل العمل الجمعوي أحيانا كذراع لتلميع الفاعل السياسي أو الإداري بدل كونه قوة ضغط مستقلة، يضاف إلى ذلك غياب الشفافية في التمويل، إذ إن اعتماد جمعيات عديدة على الدعم العمومي بشكل شبه كلي يضعها تحت رحمة السلطة المانحة ويحد من استقلالية قراراتها ومواقفها النقدية، وهو ما يضعف ثقة المواطنين فيها ويفرغ دورها الديمقراطي من محتواه.
ورغم أن دستور 2011 والقوانين التنظيمية تؤكد على حرية تأسيس الجمعيات ودورها في تفعيل الديمقراطية التشاركية، فإن الممارسة تكشف عن فجوة بين النصوص والتطبيق، حيث تواجه الجمعيات عراقيل بيروقراطية مرتبطة بالتصريح والتأسيس والحصول على الوصل القانوني، وهو ما يجعل النصوص المتقدمة أقرب إلى إعلان نوايا تصطدم بتأويل ضيق على مستوى التنفيذ، كما يعمق التفاوت المجالي لهذه الإشكالية، إذ تتمتع الجمعيات في المدن الكبرى بإمكانات أوفر، بينما تعاني نظيراتها في المناطق القروية والهشة من ضعف التمويل والموارد البشرية والبنية التحتية، مما يحد من قدرتها على أداء أدوارها في التنمية والعدالة الاجتماعية، ويطرح تحديا حقيقيا أمام بناء ديمقراطية تشاركية شاملة ومتوازنة.
-الخاتمة:
يظهر تحليل واقع المجتمع المدني بالمغرب أن التحدي الأكبر يكمن في ردم الهوة بين الإطار القانوني المتقدم، الذي كرسه دستور 2011، وبين الممارسة الميدانية التي ما تزال تعترضها عراقيل متعددة، ومن ثم، فإن أي إصلاح فعّال يجب أن ينطلق من تكامل بين النصوص القانونية وبين التطبيق العملي لها على أرض الواقع.
ولعل أول خطوة في هذا الاتجاه هي تعزيز الثقافة القانونية لدى الفاعلين المدنيين، بما يمكن الجمعيات من معرفة حقوقها وواجباتها، واستثمار المقتضيات الدستورية والقانونية بشكل فعّال، فكلما كان الفاعل الجمعوي متمكنا من أدواته القانونية، كلما تمكن من مواجهة العراقيل الإدارية والدفاع عن استقلاليته.
كما أن رقمنة الإجراءات الإدارية تظل ضرورة ملحّة لتجاوز مظاهر البيروقراطية التي تعيق تأسيس الجمعيات أو الحصول على التمويل. فالاعتماد على المنصات الرقمية في إيداع الملفات وتتبعها من شأنه أن يضمن الشفافية، ويحد من التأويلات المزاجية لبعض السلطات.
في المقابل، لا يمكن للمجتمع المدني أن يطالب بالشفافية من الدولة وهو يفتقر إليها داخليًا، لذلك فإن إرساء آليات للحكامة الداخلية داخل الجمعيات، تقوم على وضوح مصادر التمويل وآليات الصرف والمساءلة، يمثل شرطا أساسيا لاستعادة ثقة المواطنين في العمل الجمعوي.
وإلى جانب ذلك، ينبغي توسيع قنوات المشاركة المواطنة عبر آليات الاستشارة العمومية والديمقراطية التشاركية، بحيث لا يظل المجتمع المدني مجرد متلقّ للقرارات، بل شريكا فعليا في صياغتها وتقييمها، بما يكرس البعد التشاركي المنصوص عليه دستوريا.
وأخيرا، فإن نجاح المجتمع المدني رهين بقدرته على بناء شراكات متوازنة مع الدولة والقطاع الخاص، تقوم على منطق التعاون من أجل التنمية المستدامة، بدل التبعية أو التوظيف السياسي. إن مثل هذه الشراكات، إذا تأسست على الشفافية والاحترام المتبادل، قادرة على مضاعفة أثر الجمعيات وجعلها رافعة أساسية للتنمية والديمقراطي.


- Larry Diamond, Developing Democracy: Toward Consolidation, Johns Hopkins University Press, 1999, p. 221.
- محمد مهداوي، المجتمع المدني، قراءة في النشأة والمقومات والأدوار الدستورية، العدد 46 من مجلة الباحث -منشورات موقع الباحث https://www.allbahit.com/2022/09/46_40.html أطلع عليه تاريخ 01.10.2025، على الساعة 01.25
- محمد معتصم، النظام السياسي الدستوري المغربي، دراسة تحليلية، مؤسسة إيزيس للنشر، الطبعة الاولى – الدار البيضاء، مارس 1992، ص. 198. 
- United Nations Development Programme (UNDP), Human Development Report: Deepening Democracy in a Fragmented World, 2002, p. 56.


لائحة المراجع:
📖 مراجع فقهية :
• القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، محمد الأعرج، مطبعة الأمنية، الطبعة الثانية، الرباط، 2016.
• النظام السياسي الدستوري المغربي، دراسة تحليلية، محمد معتصم، مؤسسة إيزيس للنشر، الدار البيضاء، 1992.
• المجتمع المدني في المغرب، قراءة في التحولات، عبد الرحيم الحافظي، مطبعة النجاح الجديدة، الرباط، 2009.
• المجتمع المدني كأفق للتفكير ورهان حقيقي للتنمية البشرية، معاذ النجاري، مجلة نقد وتنوير، العدد 8، يونيو 2021، ص. 169.
• المجتمع المدني بين السياق الكوني والتجربة المغربية، رشيد جرموني، مجلة فكر ونقد، عدد 97، أبريل 2008، ص. 22.
📖 مراجع أجنبية:
• On Democracy, Robert A. Dahl, Yale University Press, New Haven, 1998.
• Developing Democracy: Toward Consolidation, Larry Diamond, Johns Hopkins University Press, Baltimore, 1999.
• The Life and Death of Democracy, John Keane, Simon & Schuster, London, 2009.
• Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy, Robert D. Putnam, Princeton University Press, Princeton, 1993.
• Past and Future of the Right to Petition the European Parliament, Nikos Vogiatzis, Yearbook of European Law, Oxford University Press, Oxford, 2021.
⚖ النصوص القانونية المغربية:
• دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011.
• ظهير شريف رقم 1.58.376 بشأن تأسيس الجمعيات، 15 نونبر 1958، كما وقع تغييره وتتميمه، الجريدة الرسمية.
• القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، الظهير الشريف رقم 1.11.166 بتاريخ 22 أكتوبر 2011، الجريدة الرسمية عدد 5989 بتاريخ 24 أكتوبر 2011.
• القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، الظهير الشريف رقم 1.03.194 بتاريخ 11 شتنبر 2003، الجريدة الرسمية عدد 5167 بتاريخ 8 دجنبر 2003.
• القانون رقم 02.21 الرامي إلى تغيير وتتميم مدونة الشغل، الظهير الشريف رقم 1.21.01 بتاريخ 5 فبراير 2021، الجريدة الرسمية عدد 6959 مكرر بتاريخ 9 فبراير 2021.
🌍 مراجع دولية
• الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 217 أ (د-3)، نيويورك، 1948.
• العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 2200 (د-21)، نيويورك، 1966.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist