تصدير: والحقيقة أن المذكرات إنما هي نوع من أنواع التأليف التاريخي ( محمد داود ص 17)
تقديم :
ابتداء ، دعونا نتفق على أن كتابة الذات ، ظلت خارج المشهد النقدي ، حتى أن البعض اعتبرها “ كتابات تستمد قيمتها من هوية الكاتب ، ومن صدقية الأحداث ، وأهميتها التاريخية أكثر مما تستمدها من شكل الكتابة وقيمة النص الأدبية 1“ .
بيد أن هذا الموقف المتشكك ريثما تم تجاوزه ، وأصبحت كتابة الذات تعرف انتاجا وتلقيا ملفتا ، اقتدته منطقية التطور الأدبي ومتطلبات التذوق الجمالي.، موازاة مع تعددت أجناسها “ سيرة ذاتية ، يوميات ، اعترافات ، رسائل ، اتخييل ذاتي ، ومذكرات “ ، مع الالتزام بأعراف كتابتها، وضمن هذا التلقي لكتابة ، مذكرات المؤرخ محمد داود التي صدرت عن مكتبة سلمى في طبعتها الثانية ، ضمن منشورات مؤسسة محمد داود ، من تقديم وتعليق حسناء محمد داود ، التي تحملت تعب إخراجه من مخطوطة إلى كتاب متداول، حفاظا على ذاكرة والدها الشخصية ، ثم الذاكرة الجماعية ، فالذاكرة الوطنية .
وعليه ، فالحافز الموضوعي لهذه الورقة التي اخترنا لها عنوانا “ كتابة الأمس في مذكرات “ على رأس الأربعين “ هو الاقتراب من ذاكرة من ذاكرة المؤرخ محمد داود ، باعتبار الأمس انخراط في الماضي، واسترجاع لذاكرة الكاتب الفردية أوأحداثها وظروفها وفضاءاتها .
في عتبات النص
تعتبر العتبات النصية مدخال أساسيا لفهم النصوص وتأوييلها، لما تحمله من دالالات وشفرات تخلق روح التفاعل بين القارئ والعمل الإبداعي ، واقترابا من عتبات مذكرات “ على رأس الأربعين” ، سنكتفي بالعنوان وصورة الغلاف ثم المؤشر الأجناسي ، باعتبارهم أصواتا محفزة لفضول التلقي ،؟
وعطفا على ماسبق ، يمدنا بالمعطيات التالية :
– على رأس: شبه جملة ، وظيفتها الدلالية أول الشيء والوصول إلى العتبة
– الأربعين : تدل على العدد المحدد ، وترمز إلى إلى النضج والاكتمال .
وعليه ، يتبين أن العنوان جاء قصيرا ولا يخبر ، مما يجعل المتلقي أمام سؤال : ماذا بعد الأربعين ؟ مما يثير فضوله “ في سياق تحقيق ما يسميه هنري ميران بالوظيفة الإثارية أو التحريضية 2 “ ، بيد أن مركز صورة الغلاف أسفله ت ستنسخ محمد داود ، مما تسعفنا بالتعرف على أنه المعني بالوصول إلى عتبة الأربعين، وبذلك ،تصبح نصا بصريا يشرح العنوان وامتدادا له ، ومن ثم ادخالهما فيعداد الحوار البصري .
أما المؤشر الأجناسي “ مذكرات” فيعد موجها قرائيا ، يتلقاه القارئ نظاما جنسيا رسميا للكتاب، يقول المؤلف :” هذا الكتاب شرعت في تأليفه بمناسبة إشرافي على إتمام الأربعين سنة من عمري ، وهو مذكرات عت تاريخ حياتي” ص 17، مما يعني كتابهتا في زمن لاحق ، وهي تجربة التذكر ، وليس في زمن الحدث ، وبذلك “ يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات للذات داخل المذكرات: الذات المعيشة التي تخوض الحدث في لحظته التاريخية، والذات المتذكرة التي تستعيد الحدث بعد انقضاء الزمن، والذات الساردة التي تقوم بصياغة الحدث داخل بنية لغوية وجمالية” حسب تعبير د. جاسم خلف الياس.
فماهي العلامات المشخصة للذاكرة داخل الخطاب المذكراتي في “ على رأس الأربعين “ لمحمد داود ؟
ذاكرة الطفولة
يشغل موضوع الطفل في مذكرات “ على رأس الأربعين” مساحة مهيمنة وحيزا لا فتا ، وبذلك تدخل مرحلة الطفولة مجالا للكتابة بعد أن ظلت “ خلال أحقاب عديدة تعاش كعلامة الحيونة ( من الحيوان ) وبالتالي كمجال تسمه الصورة السلبية من البالغ 3”
وإذا ما استحضرنا موضوعة الطفل في المذكرات ، نلفيها تقدم لنا الصورة الطفلية التي ظلت مسكوت عنها ولا مفكر فيها ، إذ ثمة حضور لا فت لعلاقة الأب بالسارد – الطفل ، ويمكن وصفها بالعلاقة الإيجابية ، وبرجوعنا إلى السياق النصي ، يتبين لنا صورة الأب المتدين والمتصوف ، ونقف من خلال قول السارد “ عين لنا والدنا رحمه الله أستاذا خاصا بي وبأخي أحمد فكان يعلمنا القرآن في البيت “ ص 58، نقف عن التوجيه والتحفيز على التحصيل الدراسي ، وبقراءتنا لهذه الأفعال الواعية ، تنتصب أمامنا صورة الأب الرافض للقهر وللعقاب العنيف والحسي الذي طال جسد الطفل – السارد وشقيقه أحمد ، وذلك ما عبر عنه الأب بتنقيلهما “ وفي بعض الأيام ، بينما كانت والدتنا تلبسنا ثيابا جديدة ، إذ رت أن بطني كلها بقع زرقاء وسوداء ، فسألتني ، فلم أفدها شيئا خوفا من الفقيه ، فذكرت ذلك للوالد، فسألنا ، فقلنا له الحقيقة ، وهي أن الفقيه يقرصنا في بطننا بعنف ولأتفه الأسباب ، فغضب الوالد رحمه الله ، وحوقل واسترجع ونقلنا إلى مكتب آخر“ ص59،.
وتتوالى نفس المحفزات الإجرائية التي تصدر عن الأب ، من خلال تلبيته لرغبة السارد في متابعة دراسته بجامع القرويين : “وأفضيت برغبتي إلى والدي ، فساعداني على ذلك ، وتحمل والدي رحمه الله أداء جميع ما أحتاج إليه من النفقات “ ص 303, ونفس العلاقة الإيجابية والتفاعلية بنلفيها مع الأم والجدة وزوجة الخال ،:” ومن الطبيعي أيضا أن يكون الولد البكر جميلا لطيفا في نظر الأم والجدة” ص 39
ومع اللعب، نكون أمام طابق سفلي مخصص للمرح وللنشاط اللعبي الممارس مع قبل السارد – الطفل مع أقرانه: “ وينام الكبار في الطابق العلوي ، فيخلو الطابق السفلي لنا نحن الصغار ….. كنا نلعب ونطرب ، فنغني ونرقص ، ونمثل زنهزل ، فنولي ونعزل ، ونقلد مختلف مختلف الطوائف والجماعات في الألعاب والطقوس والعادات “43، ليتبين من خلال هذا المقطع الاعتراف بقيمة اللعب ومسايرة الأسرة لرغبات الطفل وأخذه في الحسبان ، ولأن لعب الطفل هو عمله كما قالت (سوزانارايزيكس)، بعيدا عن أشكال الحرمان ، كي نخلص إلى مساهمة الوسط الأسري في تنشئة السارد – الطفل ، التي تفضي إلى تلبية رغباته وتحقيق انسجامه مع بالواقع الاجتماعي.
ذاكرة المكان
تشغل الأمكنة حيزا واسعا في مذكرات” على رأس الأربعين” ، وتعبق برائحة الدين من مكاتب قرآنية ومسايد وزوايا بتطوان ، وتزداد فعاليتها في حياة الراوي من خلال اتخاذها فضاء لحفظ القرآن بأدوات تقليدية ، ففي المسيد “ كل مايحتاجه الطالب هو لوح خشبي للكتابة ، ومادة “ السمخ “ لتشكيل الحبر ، وقطعة من الصلصال للمحو :” يمحو الولد لوحه بالماء الطاهر الصافي ويدلكه بالصلصال ( الصمصال) ، ثم ينشفه إما في الشمس وإما أمام النار في أفران الخبز أو الحمام ، أو حوانيت السفاجين أو الحدادين “ص 67، وبأساليب تدرجية أيضا “ إذا دخل الطفل المكتب لأول مرة ، فإنه يقتصر في أيامه الأولى على حروف الهجاء ومعرفة كتابتها وقراءتها “ ص 66، ونقرأ أيضا في نفس السياق “ فلا تمضي سنتان أو ثلاث سنين حتى يختم القرآن مرة أو مرات “ ص 68، وبعدها يتم الاحتفاء بالختام عبر طقوس وعادات متميزة “ وفي هذه الحالة يذهي التلميذ الختام إلى المسيد ، وقد لبس أحسن ثيابه وحمل لوحه المزوق ، فيصحبه رفقاؤه ، وهم ينشدون بأصوات مرتفعة ونغمات خاصة كلاما ملحونا “ ص 72
ولا تخلو “ على رأس الأربعين “ من شحن بعض أمكنتها بحمولة دينية ، لتنفتح على فضاء الجوامع ”جامع الباشا ، جامع الطرنكات ، جامع الرابطة..”، والزوايا “الزاوية الريسونية ، الزاوية القادرية … “ التي لعبت أدواراً روحية وعلمية واجتماعية ، داخل مدينة تطوان العتيقة ومحيطها. ولم تكن هذه الفضاءات مجرد أماكن للذكر والعبادة، بل كانت مؤسسات للتربية، والتعليم، وحفظ القرآن والمتون ، ثم جامع القرويين بفاس “ وجاء يوم الأحد 24 شوال 1338 موافق 11 يوليو 1920، فطالعت دروسي ، ودخلت جامع القرويين بصفة تلميذ متوكل على الله “ ص309.
وحينما ندقق النظر في جامع القرويين هذه المعلمة الدينية والحضارية ، نجده زاخرا بما يحدث داخله من دروس وإفادة ونهل من مختلف صنوف المعرفة والعلوم الإسلامية ، على يد مجموعة ونخبة من الشيوخ الممتازين الذين اختارهم في دروسه ” سيدي الفاطمي الشرادي ، مولاي أحمد ابن الجلالي ، مولاي عبدالله الفضيلي، سيدي الراضي “ .
ولم يفت السارد تضمين هذا الاسترجاع لجامع القرويين بعض الإضاءات النقدية ، لنظام التلقين في رحابه ، إذ كان لا يخلو حينها من فوضي “ كل طالب حر في دروسه ، وفي حضوره وغيابه ، وفي تحصيله واجتهاده ، أو لعبه وإهماله ، أبواب الجامع مفتحة على مصراعيها بدون حسيب ولا رقيب “ ص316،
وهكذا نتبين أن هذه الأمكنة الدينية في هذه المذكرات ليس مجرد إطارات جغرافي يتحرك فيها الشيوخ والطلبة والسارد فحسب ، بل هي مشحون ةبعميق الدلالات الدينية ، مقترنة بالنظم التعليمية التقليدية، وأمكنة مرجعية مفتوحة على التاريخين الثقافي والحضاري ،مما يجعلها أحد عناصر الهوية ومركز الانتماء .
الذاكرة الاجتماعية والثقافية :
ابتداء دعونا نتفق على أن كتابة الذاكرة الجماعية مكتظة بانفعالات ذاتية ، أفرزتها رد ود أفعال الذات التي تتذكر، ومتساوقة مع رؤية وعواطف الكاتب ، “ لأن الذاكرة الفردية تلتحم بذاكرة المجموعة وتعبر عنها “فيصبح ( التاريخ الجماعي أو تاريخ المجتمع حينئذ مثله كمثل الزمان أو المكان أو اللغة إطار من أطر الذاكرة الفردية التي تعبر عن الذاكرة الاجتماعية”4
وبناء عليه ، فالمؤلف وهو يكتب الذاكرة الجماعية يلتفت إلى تلك العلامات الاجتماعية والثقافية ، وتلك البيئة التي عاش بين أحضانها في تلك المرحلة من الأمس ، ملتقطا لحظات من داخل مدينة تطوان الذي تعددت عاداته وتنوعت ،فالسارد يعود إلى طقس “النْزاهة” في أبعاده الفرجوية والاحتفالية : “ونزهة الأسبوع وما أدراك ما نزهة الأسبوع لدى السيّدات والأطفال. لقد كان ظهر الخميس لدينا كأنه عيد من الأعياد، وكانت غرسة العقلة في نظرنا كأنها جنّة من الجنان” ص 44
وتتوغل الذاكرة الاجتماعية في سرد الأمس باستعادة الحلي والملابس التقليدية فإذا نحن أمام دليل دموجهن ، الحالكة السوداء ، سباني الحرير ،حزم الحرير ، القفاطين ، السجوف الحريرية ، مناديل الصوف المخطوطة :” وتصطف غواني العائلة كأنهم العرائس ، وقد عصبن رؤوسهن بسباتي الحرير الزاهية الألوان ، ودلين دموجهن الحالكة السواد، وحلين معاصمهن بسوارات الذهب الذهب وقد ثقل ميزانها “ ص46.
ونتعرف على نمط الأكل وأنواع الحلويات “هذه الدار تهيئ القْراشل أو القْفافل، وتلك تصنع الرغائف في الدار أو في الفران، وأخرى تحضر البشْكتّو أو بويوات الذرة بالإدام والخْليع، ومن لم يسمح لها الحال بشيء من ذلك، تأتي بالخبز وجبن الغنم الطري اللذيذ أو القشْقْشَة المتنوعة الأشكال والألوان” ص45.
وترحل بنا المذكرات كي نتعرق على تجارة الرقيق والتذكير بالخادمات السود اللائي كانت في ملكية بعض العائلات التطوانية اللواتي كنَّ يشترينهم من سوق الغرسة الكبيرة بتطوان : “ ولقد كانت عادة اتخاد الإماء للخدمة في البيوت شائعة بتطوان ذلك العهد ، وكان للرقيق سوق يعمر دائما بالإماء اللاتي يبعن كما تعام الأنعام “ ص 55
وهكذا تستعيد المذكرات صورة المجتمع التطواني بالنبش في ذاكرته ملتقطة تاريخها الاجتماعي تقاليده وعاداته وتفوتاته الطبقية ، ولكن هذا الحكي الموغل في الحياة الاجتماعية ، لا يهمل ذاكرة الموروث الثقافي ، الذي يتم عبر شواهد نصية تسلط الضوء ، فإذا نحن أمام نصوص مالك إلى الشعر التعليمي (أو المنظومات العلمية التعليمية)، الذي كان يُستخدم لتسهيل حفظ القواعد والعلوم من خلال نظمها في أشعار:
“يقول عبدالواحد ابن عاشر مبتدنا باسم الاله القادر
الحمد لله الذي علمنا من العلوم مابه كلفنا
وتشكل ثقافة تطوان المحلية جانبا من هذه الذاكرة الثقافية فتستحضر المذكرات جانبا
كما تستدعي المذكرات مجموعة من العلماء والباحثين والشعراء والأدباء، فأذا نحن أمام بورتريهات لمجموعة من الاسماءحيث يتحول قلم السارد إلى عدسة من خلال سردي مرئي ينقل لنا ملامح من حياتهم الشخصية ، أفكارهم ، اختياراتهم وتأثيرهم ، حيث يتحول القلم إلى عدسة من خلال سرد مرئي : محمد ابن تاويت ، محمد الصباغ ، العلامة ابن سودة ، سيدي عبدالرمن اليعقوبي ، محمد بن الحاج العربي بنونة وغيره كثير ، وبذلك تنخرط المذكرات في مقاومة النسيان وأرشفة للذاكرة ضد المحو ، ووفاء للذاكرة المحلية والوطنية.
على سبيل الخاتمة
ومجمل القول ، نحس بعد قراءتنا لهذه المذكرات بأنها ذاكرة متصلة بالقيمة التذويتية والتاريخية ، وتقول حياتها ، وحيث الكتابة مفتوحة على الخلود الأدبي ، وبهذا المعنى فإن مايؤسسه محمد داود يبقى ، ويعمر أبدا ، عبر تزمين الذاكرة الوطنية وتوثيقها ، حتى لا تدخل مسارب النسيان .
تطوان : فاتح أكتوبر 2026
إحالات :
1- شفيع بالزين ، سرديات الذات ، قراءت في كتابةاتالذات التونسية ، دار الأمينة للنشر والتوزيع ، ص 10
2- أحمد فرشوخ ، الطفولة والخطاب ، صورة الطفل في القصة المغربية ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ص
3- المرجع نفسه ، ص 13
4- عقيل بكوش ، الذاكرة الجماعية لتونس المعاصرة ، مجمع لطرش ، ص 72