مع اقتراب منتصف دجنبر،الجماعات الترابية والإدارات العمومية حالة استنفار غير مسبوقة لصرف ما تبقى من ميزانياتها السنوية، في محاولة لتفادي ضياع الاعتمادات المالية التي لم تُنفذ. داخل المكاتب، ترتفع وتيرة العمل، وتتكدس الملفات، بينما تتحول البوابة الإلكترونية للصفقات العمومية إلى ورشة مفتوحة تستقبل عشرات الطلبات كل يوم
**ضغط الآجال يكشف خللاً في تدبير السنة المالية:
تفرض القوانين المالية وضع طلبات الصفقات قبل منتصف دجنبر كآخر أجل للتأشير عليها. غير أن مشكل التأخر لا يرتبط فقط بالآجال القانونية، بل ببداية السنة التي لا تنطلق فعلياً سوى بعد مرور أشهر من المساطر والمصادقات.
وتفيد تقديرات إدارية بأن ما بين 35% و45% من الميزانيات العمومية لا تُصرف إلا في الأشهر الثلاثة الأخيرة، ما يجعل السنة المالية غير متوازنة في تنفيذها.
**مقاولات في الواجهة… وتأخر الأداءات يعمّق الأزمة
على الطرف المقابل، تجد المقاولات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، نفسها في مواجهة مباشرة مع تبعات هذا التأخر، إذ تعتمد بشكل كبير على الصفقات العمومية في الحفاظ على توازنها المالي.
ويقدّر فاعلون اقتصاديون أن متوسط تأخر الأداء يتراوح بين 3 و6 أشهر، وقد يصل في بعض الحالات إلى 8 أشهر، ما يؤدي إلى صعوبات حقيقية في السيولة، ويجعل حوالي 15% من الشركات المتعاملة مع الإدارات عرضة لخطر التعثر أو الإغلاق.
**رقمنة المساطر… خطوة مهمة لكنها غير كافية:
ورغم اعتماد وزارة المالية للبوابة الرقمية، إلا أن الرقمنة لم تُنهِ الاختلالات المرتبطة بتأخر إعداد الدراسات، وضعف التنسيق بين المصالح، واستمرار اعتماد المساطر الورقية في مراحل متعددة.
هذه العوامل تُبقي تنفيذ الميزانية رهيناً بإيقاع غير ثابت، يتسارع فقط عند نهاية السنة.
**دعوات للإصلاح وتنسيق أفضل:
خبراء المالية العمومية يقترحون إعادة ضبط رزنامة السنة المالية عبر:
_المصادقة المبكرة على الميزانيات
_إطلاق الاعتمادات ابتداءً من يناير
_توحيد آجال الأداء إلى 30 يوماً كحد أقصى
_تفعيل الرقمنة الشاملة لمسار الأداءات، وليس فقط مسار الصفقات
وهكذا يتكرر المشهد نفسه كل دجنبر: إدارات تُسابق الزمن لصرف الميزانية، ومقاولات تنتظر مستحقاتها بفارغ الصبر، في دورة سنوية تكشف عن حاجة ملحّة لإصلاح شامل يعيد التوازن للسنة المالية ويحمي النسيج الاقتصادي الوطني.






















