الأربعاء, 22 أبريل, 2026

تربية الطحالب على شواطئ الصحراء المغربية: الذهب الأخضر البحري في معادلة الاقتصاد الازرق العالمي

محمد نجيب زغلول

تقــديم

تعتبر الطحالب كائنات حية تقوم بالتمثيل الضوئي، وهي مسؤولة عن جزء كبير من إنتاج الأكسجين على سطح الأرض، الشمسية لتحويل ثاني أكسيد الكربون والماء إلى سكريات وأكسجين. ومثلها مثل الغابات البرية، فإنها تمتص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي وتُنتج الأكسجين، مما يساهم في تنظيم المناخ وتُعد هذه العملية من أهم العمليات الحيوية التي تحدث على كوكب الأرض.

ومن الجدير بالذكر أن الاعتماد على موارد طبيعية قليلة الاستعمال لإنتاج كتلة حيوية جديدة Biomasse وامتصاص فائض ثاني أكسيد الكربون. إذ للطحالب أن تحتجز لوحدها كمية تصل إلى 30 ضعف مما تمتصه الغابات الاستوائية سنويًا من ثاني أكسيد الكربون. ولهذا السبب، شهدت زراعة الطحالب اهتمامًا متزايدًا في الآونة الأخيرة، خاصة في الدول التي تتمتع بموارد شمسية مهمة، نظرًا لتوفر نسبة عالية من الاشعاع الضوئي والضروري لعملية “إزالة حامضية” مياه البحر”désacidification” التي تتواجد بها الطحالب.

ومعروف عن الصينيين استهلاكهم للطحالب منذ قرون ، وتنقسم هذه الكائنات إلى فئتين رئيسيتين: فمن جهة، الطحالب المجهرية (غير المرئية بالعين المجردة)، مثل السبيرولينا والكلوريلا، والتي تُستخدم بالفعل في المكملات الغذائية، كما تعتبر ذات اهمية قصوى لإنتاج مصادر جديدة للطاقة النظيفة والمواد ذات كطبعة مستدامة؛ ومن جهة أخرى، هنالك الطحالب الكبيرة (المرئية بالعين المجردة) ، البنية أو الحمراء أو الخضراء، وهي مرئية على سواحلنا وتُزرع على نطاق واسع لأغراض غذائية وزراعية، وتستعمل ايضا في الصناعات النسيجية والكيميائية.

***الحلقة الأولى***

معطيات علمية عامة عن الطحالب

تنقسم الطحالب الى فئتين: الطحالب الكبيرة Macro algues التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة، والطحالب المجهرية Micro algues التي تمثل كائنات حية صغيرة وحيدة الخلية تُعرف بالعوالق النباتية Phytoplanctons، وتوجد في المياه العذبة والمالحة وكذلك في التربة الرطبة، وتُعد من أهم مصادر الغذاء للكائنات الصغيرة في الوسط المائي، كما تُشكّل أساس السلسلة الغذائية في الوسط البحري. وتشير التقديرات إلى وجود ما بين مئات الآلاف إلى عدة ملايين من أنواع الطحالب المجهرية، والتي تم توصيف حوالي 47,000 نوع منها الى الآن.

ومن جهة أخرى، عندما تتوفر الظروف المناسبة، تتكاثر الطحالب المجهرية بسرعة كبيرة، مُشكّلة ما يُعرف بـ «الإزهار الطحلبي” “Bloom algale” كما يجدر بالذكر أنه من بين الأنواع العديدة التي تُكوّن العوالق النباتية، هناك بعض الأنواع التي تُنتج سموماً تُعرف بـ «السموم الطحلبية”. وغالبا ما تكون هذه الأخيرة إما ضارة بالحياة البحرية، أو سببًا في التلوث الذي يُلاحظ بشكل متكرر سنويًا في المحاريات، Coquillages مما قد يؤدي إلى منع استهلاكها. كما أظهرت الدراسات أن الطحالب الدقيقة تُساهم في تقليل الاعتماد على المضادات الحيوية والأدوية التي وعادة ما تُستخدم في تربية الأحياء المائية التقليدية، وذلك من خلال تعزيز الجهاز المناعي للكائنات المربأة ومساعدتها على مقاومة الظروف غير الملائمة والعوامل الممرِضة.

السياق الدولي والوطني لسوق الطحالب واهميته الاستراتيجية في تطوير الاقتصاد الازرق المغربي

يشهد السياق العالمي توسعًا ملحوظًا في سوق الطحالب، حيث يُقدَّر معدل نموه السنوي بحوالي 10% خلال العقد القادم، مما يُبرز مدى أهمية الطحالب اليوم كعنصر استراتيجي في الاقتصاد الأزرق ومحفّزٍ لسلاسل قيمة جديدة. وقد أشارت كاتبة الدولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات المكلفة بالصيد البحري، السيدة زكية الدريوش، إلى هذا الأمر، مؤكدة على البعد البيئي لهذا القطاع، حيث ذكّرت بأن زراعة الطحالب تُساهم بشكل مباشر في الحفاظ على النظم البيئية البحرية، وفي الوقت نفسه تخلق فرصًا اقتصادية جديدة للمجتمعات الساحلية. كما اكدت على ضرورة تعبئة جميع الفاعلين من أجل جعل المغرب رائدًا إقليميًا في هذا المجال الواعد، وقادرًا على تلبية الطلب العالمي المتزايد على منتجات الطحالب، مع إعادة التأكيد على التزام الدولة بمواكبة تطوير هذا القطاع من خلال سياسات عمومية ملائمة وإطار قانوني مشجّع على الاستثمار. كما يندرج هذا القطاع بشكل كامل ضمن الاستراتيجية الوطنية لتنمية الاقتصاد الأزرق التي تهدف إلى الاستفادة من الإمكانات الكبيرة للسواحل المغربية بشكل مستدام ومبتكر. وعموما لا تزال زراعة الطحالب غير معروفة على نطاق واسع لدى عامة الناس، لكنها تُعد اليوم رافعة استراتيجية مهمة بالنسبة للمغرب في تطوير الاقتصاد الازرق (مجموع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمحيطات والبحار والبحيرات والموارد المائية). ويُقدَّر حجم السوق العالمي للطحالب بما لا يقل عن 30 مليار دولار أمريكي، مع معدل نمو سنوي يصل إلى 10%، مما يجعل هذا القطاع يجذب عددًا متزايدًا من المستهلكين، خاصة في الدول الغربية، نظرًا لغناها بالبروتينات والألياف والفيتامينات. ولا تقتصر أهمية الطحالب على قيمتها الغذائية فحسب، بل تتعدد استخداماتها التي ما فتئت تتوسع، حيث تشمل التغذية البشرية والحيوانية، والمنشطات الحيوية في الزراعة، ومستحضرات التجميل، والصيدلة، والمنسوجات المستدامة، فضلًا عن البلاستيك الحيوي القابل للتحلل.

وفي هذا السياق، اجتمع لأول مرة في سبتمبر 2025 باحثون ومستثمرون وصنّاع قرار في فندق “اربعة فصول”Four Seasons بالرباط، في إطار حوار وطني خصص لزراعة الطحالب. وقد نظّمت هذا اللقاء الوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء المائية (ANDA)، بحضور مديرتها السيدة مجيدة معارف، إلى جانب المدير الإقليمي لدائرة المغرب العربي ومالطا بالبنك الدولي، الذي أبدى اهتمامًا واضحًا بمواكبة المغرب في تثمين هذا القطاع الذي لا يزال غير معروف على نطاق واسع لدى عموم الناس، لكنه يُعتبر أحد الركائز الاستراتيجية للاقتصاد الأزرق.

يراهن المغرب حاليا على إنتاج 92.000 طن من الطحالب سنويا، وعموما يضم حاليا قطاع تربية الأحياء المائية 183 مزرعة، مع توقعات تحقيق إنتاج مستقبلي يصل إلى 71.000 طن، إضافة إلى خلق نحو 9250 فرصة عمل. أما فيما يخص قطاع الطحالب على وجه التحديد، فهو يشهد تسارعًا ملحوظًا، حيث يوجد حاليًا 70 مزرعة لتربية الطحالب قيد التطوير، مع تعبئة استثمارات متوقعة تصل إلى 400 مليون درهم. اذ من المتوقع ان تخلق هذه الحركية حوالي 850 منصب شغل مباشر على المدى القريب.

وفي هذا السياق، يتمتع المغرب بمؤهلات مهمة، من بينها سواحله التي تمتد على طول 3.500 كيلومتر، إضافة إلى تنوعه البيولوجي البحري الاستثنائي. وقد تم الترخيص لأكثر من 340 مشروعًا في مجال تربية الأحياء المائية، تغطي مختلف الفروع، كما تم تخصيص حوالي 4700 هكتار لزراعة الطحالب الكبيرة، بطاقة إنتاجية يمكن أن تصل إلى 40.000 طن. ويتركّز تطوير قطاع إنتاج الطحالب حاليا في المناطق الساحلية، خاصة بجهة الداخلة-وادي الذهب حيث خصصت له 2376 هكتارًا، وبجهة الشرق (629 هكتارًا)، ومراكش -آسفي (570 هكتارًا)، والعيون -الساقية الحمراء (480 هكتارًا). وبالمقابل، تساهم جهتا الدار البيضاء -سطات (210 هكتارات) وطنجة – تطوان -الحسيمة (45 هكتارًا) بدرجة أقل في هذا النسيج الوطني.

وقد سبق وأكدت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، أن الطحالب أصبحت اليوم عنصرًا استراتيجيًا في الاقتصاد الأزرق ومحفزًا لإحداث سلاسل قيمة جديدة ومن جهته، أشار المدير الإقليمي لدائرة المغرب العربي ومالطا بالبنك الدولي، أحمدو مصطفى ندياي، إلى أن “المغرب، يوفر قاعدة صلبة للاستثمار الخاص”، مسلطا الضوء على ريادة الوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء البحرية، والاستراتيجية المغربية للاقتصاد الأزرق، باعتبارها محركا لتنمية تربية الأحياء البحرية. كما اشار السيد مصطفى ندياي الى أنه في حال تمكن المغرب من رفع إنتاج تربية الأحياء البحرية إلى 300 ألف طن سنويا، فسيكون هذا القطاع قادرا على تحقيق مداخيل تناهز 4.176 مليار درهم أي ما يعادل 450 مليون دولار مع إحداث حوالي 36 ألف منصب شغل مباشر، مما يعزز تموقع المملكة كفاعل رائد على الصعيد الإقليمي والافريقي. كما أشار ايضا إلى أن المغرب يتمتع بمؤهلات مثالية تجعله قادرًا على أن يصبح رائدًا في مجال تربية الأحياء المائية المستدامة بفضل سواحله الواسعة، ومناخه الملائم، وغناه بالنظم البيئية البحرية، فضلًا عن استفادته من ولوج تفضيلي إلى الأسواق العالمية.

وتمثل الطموح المغربي في ولوج أسواق عالمية ذات قيمة مضافة عالية، بحيث أصبحت الطحالب موردًا استراتيجيًا، خاصة في مجال الزراعة المستدامة، من خلال تطوير الأسمدة الحيوية Biofertilisants والمنشطات الحيوية Biostimulants الموجهة للأسواق المغربية والإفريقية، كبديل للأسمدة الكيميائية.

وفي قطاع النسيج، يسعى المغرب إلى الابتكار عبر إنتاج أقمشة ذات أصل حيوي Textiles bio sources، مما يعزز تنافسية المغرب وفق نموذج صديق للبيئة. كما يطمح المغرب في جعل الطحالب المغربية مادة ذات شهرة عالمية مدعومة بالبحث العلمي والابتكار وخصوصا في مجالي التجميل والصيدلة. أضف الى ذلك أهمية إنتاج الطحالب المجهرية -نظرا للإشعاعات الشمسية المواتية-، في إنتاج الوقود الحيوي Biocarburants، والبلاستيك الحيوي Bioplastique، والجزيئات ذات القيمة العالية المستخدمة في معالجة التلوث الصناعي. ومن جهة أخرى، أكدت المديرة العامة للوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء المائية (ANDA)، السيدة مجيدة معارف، أن تربية الأحياء المائية تُعد مكونًا أساسيًا من مكونات الاقتصاد الأزرق، وتساهم بشكل مباشر في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال دعم الأمن الغذائي وخلق الثروة وفرص الشغل.

***يتبــع***

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist