الخميس, 16 أبريل, 2026

اليسار في فقاعة السوشل ميديا

كوثر المقدمي

في زمن السرعة الرقمية لم تعد السياسة تقاس فقط بما يحدث في الميدان بل أيضا بما يعرض على الشاشات الصغيرة. غير أن الفرق بين الحضور الحقيقي والحضور الافتراضي أصبح أكثر وضوحا من أي وقت مضى خصوصا عندما تتحول بعض الفضاءات السياسية إلى ما يشبه الفقاعة الرقمية ضجيج كبير في العالم الافتراضي وصدى محدود في الواقع.
في هذا السياق يبدو أن جزءا من المشهد الذي ما زال يرفع عنوان اليسار يعيش مفارقة لافتة. فبينما كان اليسار تاريخيا مرتبطا بالعمل الميداني والتنظيم المجتمعي والتأطير الفكري أصبح حضوره في بعض الأحيان مختزلا في تدفق الصور والمنشورات والبلاغات التي تصاغ بعناية لتبدو وكأنها إنجازات كبيرة بينما لا يتجاوز أثرها حدود الشاشة.
تبنى في هذا الفضاء الافتراضي سرديات صغيرة عن “النجاح” و“الحضور” و“التأثير” وتضخيم العناوين وحفظ كلام به رنين … لكن المتأمل يكتشف سريعا أن الأمر لا يتعدى في كثير من الأحيان إعادة تدوير للحظة عابرة:
لقاء يقدم كتحول سياسي صورة جماعية تحول إلى حدث أو تصريح يمنح حجما أكبر مما يحتمل أو تضامن لقضية او موقف او مع شخص يضهر بشكل واضح انه مجرد مطية . وهكذا تتشكل إنجازات هلامية أشبه بفقاعات هوائية متطايرة تنتفخ بسرعة في فضاء السوشل ميديا ثم تختفي بالسرعة نفسها.
المشكلة في حد ذاتها ليست في استخدام الوسائط الرقمية فهي أصبحت جزءا من أدوات العمل السياسي المعاصر. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه الوسائط إلى بديل عن الفعل السياسي نفسه لا مجرد وسيلة لنقله. عندها يصبح الحضور الرقمي بديلا عن الحضور الميداني ويصبح التفاعل الافتراضي بديلا عن التنظيم الحقيقي داخل الفضاء السياسي والمؤسسات الحزبية و المجتمع.
وهنا يظهر التناقض بوضوح: خطاب يتحدث عن العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي وقيم المساواة أحيانا… لكنه لا يجد طريقه إلى النقاش العمومي الجاد أو إلى المبادرات المجتمعية الملموسة أو إلى واقع من ينتجون ذالك الخطاب – القول ليس كالفعل …- .
كلمات كبيرة عن التغيير يقابلها أثر صغير بالكاد يرى خارج حدود المنصات الرقمية.
وهكذا تتشكل ظاهرة يمكن وصفها بـ”السياسة الفقاعية”: ضجيج كثيف في الفضاء الرقمي مقابل خفة في الوزن السياسي الحقيقي. فالصورة قد تنتشر بسرعة والمنشور قد يحصد مئات التفاعلات لكن السياسة لا تبنى بالتفاعل الرقمي وحده بل بالفعل الذي يترك أثرا في حياة الناس.
التاريخ القريب لليسار يذكر بأن قوته لم تكن يوما في الخرجات الاعلامية أو الصور بل في قدرته على التنظيم والتأطير والنقاش الفكري العميق. كان حضوره يقاس بما يغيره في الواقع لا بعدد المنشورات التي تتحدث عنه.
لهذا تبدو الحاجة اليوم ملحة للتمييز بين الحضور الحقيقي والحضور الافتراضي. فالأول يبنى ببطء عبر العمل اليومي داخل مقرات الاحزاب والقدرة على التأطير واقناع النخب والحضور اليومي داخل المجتمع، بينما الثاني قد يصنع بسرعة داخل فقاعة رقمية لا تحتاج سوى إلى صورة جيدة وبعض الكلمات المنمقة.
وفي السياسة كما في الحياة الفقاعات قد تبدو جميلة وهي ترتفع في الهواء لكنها في النهاية تظل خفيفة… وسريعة الانفجار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist