الخميس, 2 أبريل, 2026

فيضانات المغرب: حين تتحول الأمطار إلى اختبار قاس للجاهزية والحكامة.

كوثر المقدمي

مرة أخرى وجدت عدد من المدن والمناطق المغربية من بينها أسفي وتطوان وغيرها، نفسها في مواجهة فيضانات مفاجئة خلفت خسائر بشرية و مادية جسيمة، وعطلت الحياة اليومية وأثارت الخوف والقلق في صفوف الساكنة. مشاهد الشوارع الغارقة، والمنازل المتضررة، والسيارات العالقة، لم تعد استثناء عابرا بل باتت تتكرر مع كل تساقطات مطرية قوية، وكأننا أمام سيناريو مألوف يتجدد دون أن تتغير أسبابه أو طرق التعامل معه.
الفيضانات في حد ذاتها ظاهرة طبيعية، لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما تكشف هذه الظواهر عن هشاشة البنية التحتية وضعف التخطيط وغياب الجاهزية الاستباقية. فمدن تغرق مع أولى التساقطات القوية، ومجاري مائية مغلقة وشبكات تصريف عاجزة عن استيعاب كميات الأمطار هي مؤشرات واضحة على اختلالات بنيوية عميقة لا يمكن تبريرها فقط بشدة التساقطات أو التغيرات المناخية.
إن الإشكال لا يكمن في التساقطات المطرية بل في طريقة تدبير المجال. توسع عمراني غير منظم، بناء في مجاري الأودية، غياب رؤية واضحة للتهيئة الحضرية، وضعف الصيانة الدورية للبنيات التحتية، كلها عوامل تجعل من كل موسم مطري تهديدا حقيقيا لسلامة المواطنين والمواطنات وممتلكاتهم. والأسوأ من ذلك أن هذه الاختلالات معروفة ومشخصة منذ سنوات لكنها لا تحظى بالمعالجة الجذرية المطلوبة.
من زاوية أخرى تطرح الفيضانات الأخيرة سؤال الجاهزية المؤسساتية ومدى قدرة مختلف المتدخلين على الاستباق بدل الاكتفاء برد الفعل. فالتدخل بعد وقوع الكارثة، رغم أهميته، يظل حلا إسعافيا لا يعالج أصل المشكل. ما نحتاجه فعلا هو سياسات عمومية قائمة على التوقع والإنذار المبكر وتنسيق محكم بين القطاعات، مع وضوح في المسؤوليات والمحاسبة.
هنا تتجلى أهمية التدبير الاستراتيجي للسياسات العمومية الأمنية الذي لم يعد يقتصر على مواجهة التهديدات التقليدية، بل أصبح مطالبا بإدماج المخاطر البيئية والمناخية ضمن مفهوم الأمن الشامل. فالفيضانات ليست مجرد حدث عرضي بل خطر يمس الأمن الإنساني ويهدد استقرار العيش واستمرارية الخدمات وثقة المواطن في قدرة الدولة على الحماية والوقاية.
كل تخطيط أو عمل عمومي، إذا لم يكن مؤسسا على بعد استشرافي استراتيجي، يظل ناقصا وقابلا للفشل. فالاستثمار في الوقاية، وتقوية البنية التحتية، وإدماج المعطيات العلمية والمناخية في التخطيط الحضري، أقل كلفة بكثير من تدبير الكوارث بعد وقوعها. غير أن منطق التدبير الآني وردود الفعل اللحظية ما يزال يطغى على حساب الرؤية بعيدة المدى.
إن الفيضانات الأخيرة يجب أن تشكل لحظة للمساءلة الجماعية، وإعادة طرح الأسئلة الصعبة حول أولويات السياسات العمومية، وحول مدى جدية الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الحكامة الاستباقية وبناء القدرة على الصمود.
وفي الختام لا يسعنا إلا أن نعبر عن تضامننا الكامل مع كل المتضررات والمتضررين من جراء هذه الفيضانات ومع الأسر التي تضررت من خسارة مساكنها ومصادر عيشها كما نتقدم بأصدق عبارات التعزية والمواساة إلى عائلات الضحايا الذين وافتهم المنية جراء هذه الكارثة الأليمة سائلين الله أن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يلهم ذويهم الصبر والسلوان. رحمهم الله وحفظ بلادنا من كل سوء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist