الإمبريالية لن تقدم لك نفسها على أنها مشروع استغلال، فهي تعمل قبل بدأ التوسع على تبني خطابا أخلاقيا أو دينيا أو حضاريا أو سياسيا لتبرير الهيمنة بينما الدوافع الحقيقة وإن حاولوا تغطيتها فهي معروفة، وسردية المهيمن في الحرب لم يقتصر استعاملها على قوى أو فترات تاريخية دون الأخرى فقد انتقلت مع انتقال مركز الإمبريالية تاريخيا وجغرافيا، من روما وفارس إلى الدول والإمبراطوريات الإسلامية الوسيطة التي قدمت سردية الفتوحات ونشر الدين حيث استعملت الشرعية الدينية والسياسية لتبرير التوسع. إلى اسبانيا والبرتغال في القرنين 15 و 16 وبعدها فرنسا وبريطانيا وهذه كلها توسعت باستعمال مبرر التفوق العرقي والحضاري وإخراج الشعوب من العالم المتوحش إلى العالم المتقدم والمتنور، وهو الأمر الذي ما زالت و.م.أ. تقوم به الان بعد انتقال المركز إليها باستعمال مفهوم السلام.
إذن فخطاب القوى الغربية الأخلاقي الأن لتبرير الحرب على إيران ما هي إلا صيرورة لسرديات حرب تاريخية تستعمل كأداة في يد المهيمن، ما تغير الآن هو أننا في عصر التكنولوجيا والمعلومة ووسائل التواصل الإجتماعي، لذا فإن الرأي العام أو التوجه الشعبي لم تعد تصنعه الحكومات، أو رؤساء الدول أو السياسات العامة لأدي دولة، وإنما تصنعه هذه الوسائل المذكورة والتي تنقل الأحداث بشكل مباشر ونسبيا يمكن القول أنه محايد أيضا لأنه موجه كذلك من قبل أصحاب الشركات الاقتصادية الكبرى وأصحاب هذه المواقع، لكن دائما ما يوحد هنالك مكان للتسربات.
وهذه هي المفارقة الكبرى اليوم هي أن العالم يعيش في عصر مختلف. فمع الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الدولة وحدها قادرة على احتكار السردية. فالمعلومة تنتقل بسرعة غير مسبوقة، والصور تصل مباشرة من ساحات الحرب إلى ملايين الناس حول العالم. وهذا ما يجعل الرأي العام العالمي أكثر قدرة على مراجعة الروايات الرسمية والتشكيك فيها.
والخلاصة الآن من هذا المنظور، فإن الخطاب الغربي الحالي الذي يقدم أي مواجهة مع إيران باعتبارها دفاعا عن السلام الدولي أو الاستقرار العالمي لا يمكن فهمه خارج هذا التاريخ الطويل من السرديات الإمبريالية. فالحروب الحديثة، مثل الحروب القديمة، تحتاج إلى قصة تروى للجمهور، قصة تقسم العالم إلى معسكر الخير ومعسكر الشر، وتحول الصراع السياسي المعقد إلى معركة أخلاقية بسيطة.






















