الخميس, 16 أبريل, 2026

نحو عالم متعدد الأقطاب

بلال حلبوز

صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية صارت أشبه بذلك الحصان غير المروض في الغابة، الذي يستطيع أن يرعى حيث يشاء دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب منه، وإلا تعرض للضرب. وصحيح أيضا أن العالم عاش فترة طويلة من الثنائية القطبية بعد الحرب العالمية الثانية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، إلى حدود سقوط هذا الأخير سنة 1991. بعد ذلك دخل العالم مرحلة الأحادية القطبية، حيث أصبحت الولايات المتحدة اللاعب الأقوى والمهيمن على كثير من القرارات الدولية.
غير أن المفارقة الكبرى أن ما استثمرت فيه قوى دولية أخرى، وعلى رأسها الصين، لم يكن فقط سباق التسلح، بل كان أيضا الاستفادة من أخطاء وحروب الولايات المتحدة نفسها. فالحروب الطويلة والمكلفة التي خاضتها واشنطن في مناطق متعددة من العالم لم تضعف خصومها دائما، بل فتحت المجال لقوى أخرى كي تعيد ترتيب مواقعها وتوسع نفوذها بهدوء.
ولا يمكن لدول كبيرة مثل روسيا والصين أن تقفا مكتوفتي الأيدي وهما تريان حلفاءهما يسقطون واحدا تلو الآخر في مناطق مختلفة من العالم. لقد تحولت الحروب الأمريكية المتكررة إلى صراعات طويلة تستنزف المال والقدرة السياسية والعسكرية. فكل حرب جديدة تعني مزيدا من الإنفاق العسكري، ومزيدا من التوتر مع شعوب ودول أخرى، وهو ما يخلق فراغا تستفيد منه قوى منافسة.
روسيا، على سبيل المثال، وجدت في التوترات الدولية فرصة لتعزيز مكانتها في سوق الطاقة العالمية. فكلما اندلعت أزمة في منطقة حساسة أو تعطلت طرق نقل النفط والغاز، ارتفعت أسعار الطاقة. وبما أن روسيا من أكبر الدول المصدرة للنفط والغاز، فإن هذه الأزمات تتحول بالنسبة لها إلى مصدر أرباح ونفوذ سياسي. كما أن انشغال الولايات المتحدة في جبهات عديدة يمنح موسكو مجالا أوسع للتحرك في مناطق نفوذها، سواء في أوروبا الشرقية أو في الشرق الأوسط، وقد يساعدها ذلك أيضا على تعزيز موقعها في صراعات قائمة مثل الحرب في أوكرانيا.
أما الصين فقد اختارت مسارا مختلفا يقوم على تعزيز القوة الاقتصادية قبل كل شيء. فبينما تنفق الولايات المتحدة موارد ضخمة في الحروب، ركزت الصين على الصناعة والتكنولوجيا وتوسيع تجارتها مع مختلف دول العالم. وقد أطلقت لهذا الغرض مشروعا واسعا لربط آسيا وأفريقيا وأوروبا بشبكات من الطرق والموانئ والاستثمارات، وهو ما منحها حضورا اقتصاديا متزايدا في عشرات الدول. كما أن انشغال الولايات المتحدة بصراعات بعيدة يتيح للصين فرصة أكبر لتعزيز نفوذها في محيطها الإقليمي، خاصة في الملف المرتبط بجزيرة تايوان.
ولا يقتصر الأمر على روسيا والصين فقط، بل إن دولا أخرى بدأت تستفيد من التحولات الجارية في النظام الدولي. فالهند، مثلا، أصبحت وجهة رئيسية للعديد من الشركات العالمية التي تبحث عن مراكز جديدة للتصنيع. كما أن بعض الدول الأوروبية بدأت تميل إلى قدر أكبر من الاستقلالية في قراراتها السياسية والاقتصادية، خاصة عندما تتعارض مصالحها مع السياسات الأمريكية.
وفي هذا السياق برزت خلال فترة رئاسة دونالد ترامب توترات واضحة بين الولايات المتحدة وعدد من حلفائها التقليديين. فقد تبنى ترامب سياسة تقوم على إعطاء الأولوية المطلقة للمصالح الأمريكية، وفرض رسوما تجارية على شركاء اقتصاديين كبار، كما وجه انتقادات حادة لبعض التحالفات الدولية. وقد أدت هذه السياسات إلى تراجع صورة الولايات المتحدة في نظر كثير من الدول، وأعطت انطباعا بأنها أصبحت أقل التزاما بقيادة النظام الدولي وأكثر تركيزا على مصالحها الخاصة.
نتيجة لكل ذلك، بدأ العالم يشهد تحولات تدريجية في موازين القوة. فالقوة لم تعد مركزة في يد دولة واحدة كما كان الحال في السنوات التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي، بل أخذت تتوزع بين عدة قوى كبرى. ومع استمرار هذه التحولات، يبدو أن العالم يتجه شيئا فشيئا نحو نظام دولي جديد يقوم على تعدد الأقطاب، حيث تتقاسم عدة دول النفوذ والتأثير في السياسة والاقتصاد العالميين.
وهكذا قد تكون المفارقة أن بعض الحروب والسياسات التي كان الهدف منها تثبيت الهيمنة الأمريكية ساهمت، بشكل غير مباشر، في تسريع ظهور عالم أكثر توازنا، عالم لم تعد فيه قوة واحدة قادرة على التحكم في مصير النظام الدولي وحدها.
وفي خضم هذه التحولات يبرز سؤال جوهري يتعلق بموقع الدول الإسلامية في هذا العالم المتغير. فهذه الدول تمتلك مقومات هائلة تؤهلها لأن تشكل قطبا سياسيا مؤثرا إذا ما استطاعت توحيد رؤيتها وتنسيق سياساتها. فهي تمتد جغرافيا عبر مناطق استراتيجية تربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتتحكم في أهم الممرات البحرية ومصادر الطاقة في العالم، كما تمتلك ثروات طبيعية وبشرية كبيرة.
إن تشكيل قطب سياسي للدول الإسلامية لا يعني بالضرورة إقامة تحالف صدامي مع القوى الدولية الأخرى، بل يعني قبل كل شيء بناء إرادة سياسية مشتركة تسمح لهذه الدول بالدفاع عن مصالحها واستعادة استقلال قرارها. ويمكن أن يتحقق ذلك عبر تعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، وتطوير الصناعات الاستراتيجية، وتنسيق المواقف الدبلوماسية في القضايا الدولية الكبرى.
إن العالم الذي يتشكل اليوم لم يعد يحتمل الفراغات الجيوسياسية. فإما أن تتكتل الدول في أقطاب قادرة على حماية مصالحها، أو تبقى مجرد ساحات للتنافس بين القوى الكبرى. ولذلك قد تشكل هذه اللحظة التاريخية فرصة للدول الإسلامية لكي تعيد التفكير في موقعها في النظام الدولي، وأن تتحول من مجرد مناطق نفوذ إلى فاعل سياسي واقتصادي قادر على التأثير في مسار الأحداث العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist