تقديم
يبرز الدور الجغرافي الاستراتيجي للمغرب منذ العصور القديمة، وتحديداً مع الفينيقيين والرومان، بوصفه بلداً مسيطراً على المسلك البحري الأطلسي الذي يلتف حول غرب الصحراء ويمتد نحو الدول الاستوائية جنوباً، إضافة إلى كونه نقطة انطلاق لأقصر الطرق العابرة للصحراء. ويبرز هذا الموقع الفريد الأهمية التاريخية للمغرب منذ بداياته الأولى، حيث أدى وظائف جغرافية وتجارية حيوية لم تنقطع عبر الزمن. واليوم، يتجسد هذا الامتداد في “المشروع الأطلسي الإفريقي” باعتباره مشروعاً استراتيجياً للدولة المغربية برؤية مستقبلية، ويقوم المشروع أساساً على مرتكزات اقتصادية كما يعكس الرغبة في ترسيخ توجهات تعزز الحضور الأطلسي للقارة الإفريقية. ويندرج هذا المشروع ضمن المشاريع الكبرى المهَيكِلَة خلال السنوات الأخيرة، مثل ميناء طنجة المتوسط، وميناء الناظور، ومشروع ميناء الداخلة الأطلسي، إضافة إلى مشروع أنبوب الغاز المغرب–نيجيريا. كما يسعى هذا المشروع إلى دعم التعاون جنوب–جنوب، وجعل المغرب بوابة اقتصادية لإفريقيا. ولهاذا المشروع العملاق جذور تاريخية عميقة تعود إلى الفينيقيين والرومان، مرورا بانفتاح المغرب المبكر على المحيط الأطلسي، خاصة في عهد الدولة المرابطية ثم الدولة السعدية، حيث نشطت التجارة البحرية وتوطدت الروابط مع أوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء.ويعكس هذا الامتداد العمق التاريخي للمغرب كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا، وبين البحر والصحراء، وهو امتداد لوظيفة جغرافية وتجارية مارسها عبر قرون، مساهماً في ربط شمال إفريقيا بعمقها الإفريقي، ومسهّلاً حركة التجارة والقوافل بين الشمال والجنوب، وجاعلاً موقعه محوراً للتبادل الثقافي والاقتصادي بين حضارات متعددة. وتؤكد هذه المعطيات أن الأهمية الجغرافية للمغرب لم تكن ظرفية، بل حملت في طياتها عناصر الاستمرارية إلى اليوم، مما يعكس استمرار دوره الاستراتيجي في محيطه الإقليمي والدولي. وهكذا، ظل المغرب مجالاً للتفاعل الحضاري بين إفريقيا وأوروبا، مما عزز أهميته الجيوسياسية عبر التاريخ، ولا يزال هذا الدور مستمراً كحلقة وصل بين المحيط الأطلسي والعمق الإفريقي، في رؤية حديثة تربط الماضي بالحاضر وتستشرف مستقبل الأجيال القادمة.
ترجمة وإعداد: محمد نجيب زغلول
إن الذهب الذي يجمعه السكان الأصليون”indigènes” في إفريقيا الغربية لا يحتل اليوم سوى مكانة ضئيلة في الإنتاج العالمي، وحتى في الإفريقي. الا ان رواسب الذهب في إفريقيا الغربية كانت تُعدّ ، في العصور القديمة وخلال العصور الوسطى، من المصادر الرئيسية للمعادن النفيسة بالنسبة للعالم المتوسطي، مما اسس لعلاقات مبكرة منذ فجر التاريخ بين حوض البحر الأبيض المتوسط والسودان.
وقد اعتبر إ.-ف. غوتييه ، في كتابه المخصص لإفريقيا الغربية والذي نشر في 1935، أن التركيبة الحالية للإنسانية السوداء (آنذاك) لا يمكن تفسيرها دون الأخذ بعين الاعتبار التأثيرات المتوسطية التي، منذ عهد قرطاج، أنعشت المناطق المجاورة لطريقي التوغل التجاري الكبيرين: نهر السنغال ونهر بينويه “Bénoué”. ويُبيّن السيد جيروم كاركوبيينو ، وهو يسعى إلى رسم الخطوط العريضة لتاريخ المغرب القديم، أن أقدم المستعمرات الأجنبية التي أُنشئت على الساحل الأطلسي المغربي لم تكن سوى محطات على الطريق المؤدي إلى السودان .
لقد اكتشف الفينيقيون المغرب “بالمعنى الذي اكتشف به كريستوفر كولومبوس أمريكا”. فمنذ أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد، أقاموا على ضفاف وادي اللوكوس، على بُعد 4 كيلومترات داخل مجرى النهر من مدينة العرائش الحالية، أهم مستعمراتهم في المغرب، والتي أطلق عليها الإغريق اسم ليكسوس، وكانت تقابل مدينة قادِس (قادِش/قادِيز)، التي أُسست في الفترة نفسها تقريبًا على الساحل الإسباني وعلى المسافة ذاتها من مضيق جبل طارق.
ومن خلال هاتين القاعدتين اللتين أُقيمتا عند أطراف العالم آنذاك -والذي لم يكن أمامهما إلا بحر الظلمات (المحيط الاطلسي حاليا)*-، آنذاك كان الفينيقيون يهدفون إلى توسيع تجارة المعادن النفيسة باختراق أراضٍ جديدة، وهي التجارة التي أصبحوا لاحقا سادتها وروادها. ومعلوم اليوم أنهم كانوا يصدرون من قادِس الفضة المستخرجة من مناجم جنوب إسبانيا. ويؤكد المؤرخ ج. كاركوبيينو على تمركز الفينيقيين ليكسوس ليبسطوا هناك، بكل أريحية، شبكة من المفاوضات والرحلات التي كانت تجلب إليها دوريًا ذهب بلاد السودان وفضة الأطلس المغربي. وبعد ستة قرون، أي حوالي سنة 450 قبل الميلاد، اتجهت قرطاج، وريثة صور، بعد أن بلغت أوج عظمتها، إلى الاستقرار بالمغرب لاستعادة السيطرة على مضيق جبل طارق وإعادة تنظيم مسالك التبادل التجاري التي كان الفينيقيون قد أنشأوها لصالحهم.
إن حنّون، الذي نفّذ هذه الحملة، قد خلّد ذكراها في تقريرٍ أعدّه عند عودته، وعُرف باسم “رحلة حنّون” “Périple d’Hannon”. وقد لقي هذا السرد الموجز لتلك المغامرة رواجًا كبيرًا في العصور القديمة؛ غير أنه أثار منذ ذلك الحين بعض الشكوك، كما أن الترجمة اليونانية، وهي النسخة الوحيدة التي بقيت منه، لم تُثر جدلًا أقلّ بين الباحثين المحدثين. ومع ذلك، يظل هذا النص الشهير أقدم وثيقة في تاريخ المغرب، وقد استطاع السيد ج. كاركوبيينو، حين عاد إلى دراسته، أن يستخرج منه أسس حُجّة قوية ومتماسكة، الا أن تسمية “رحلة حنّون” ليست دقيقة؛ إذ لم يُؤلَّف هذا النص ليكون دليلاً ملاحيًا أو، كما نقول اليوم، “تعليمات بحرية”. وكان إ.-ف. غوتييه قد أشار، وكأنه على سبيل المزاح، إلى أن “شركةً منجمية لا تُطلع الشركات المنافسة على تقارير مستكشفيها”، وأنه “لا ينبغي البحث في مثل هذا النوع من الوثائق عن الحقيقة الكاملة دون حذر”.
ويُبيّن السيد ج. كاركوبيينو بالتفصيل ما في هذا السرد من “اعترافات مضلِّلة”، إذ يهدف إلى تمجيد عظمة العمل المنجز، ولا يسعى إلى تسهيل المنافسة الأجنبية، بل إلى تثبيطها. ومن هنا جاءت الحذوفات المتعمدة، والعبارات الناقصة الممزوجة بمعلومات صحيحة، والتي، كما كان مقصودًا من قِبل المؤلف، تمنعنا من تتبّع مساره بيقين في جميع مراحل رحلته.
وفي هذا الأسلوب المتعمّد الغموض، يصبح الهدف الحقيقي للرحلة صعب التحديد. فلم يكن إنشاء المستعمرات البونية في المغرب، أو بالأحرى تعزيزها، سوى إحدى المهام الموكلة إلى حنّون، بل وأقلها أهمية رغم ما قد يبدو. فقد كانت له مهمة أخرى، أساسية في الواقع، لم يُصرّح بهدفها الحقيقي؛ إذ إنه، بعد أن أنزل حمولته من المستوطنين، شرع في استكشاف جريء قاده أولاً إلى نهر السنغال، ثم إلى أعماق خليج غينيا.
لا يمكننا هنا أن نتتبع خطوة بخطوة كل تفاصيل هذا التأويل الجديد لـ”الرحلة البحرية”. فغزارة الحجج وتنوعها وثقلها يجعل منها كتلة متماسكة بلا شقوق، حتى إن بعضهم قد يجدها مثالية أكثر من اللازم. ومع ذلك، كما يقول السيد ج. كاركوبينو عن فيكتور بيرار Victor Bérard الذي حدد بدقة أدق مراحل رحلة أوليس Ulysse ، “عند وضع الصياغة العامة للمشكلة، يتبين أن”، هو أيضاً “ليس عليه إلا عيب كونه على حق أكثر مما ينبغي”.
وبالنسبة لمن قرأ هذا العمل، يصبح كل شيء واضحاً. كان هدف حانون الأساسي هو أن يمنح قرطاج السيطرة على طريق الذهب الأطلسي، الذي كانت صور قد سيطرت عليه قديماً بفضل مستوطني ليكسوس “colons de Lixos “. أما الليكسيون Les Lixites ، الذين لا يخبرنا حانون عنهم سوى أنهم زودوه بالمترجمين، فقد قادوه إلى جزيرة سيرني Cerné ، وهي محطة تجارية على الساحل الأطلسي حيث كان السكان السود يجلبون ذهب السودان (أي بلاد السودان انذاك)، وحيث كانت تُمارس تجارة المقايضة الصامتة التقليدية، كما وصفها هيرودوت ومؤرخ عربي من القرن الثالث عشر الميلادي بالطريقة نفسها. وقد ترك حانون في سيرني اخر مجموعة من المستوطنين، لكنه حرص على عدم الكشف بوضوح عن موقع هذه الجزيرة الغامضة، التي اقترح العلماء المعاصرون لها كل التحديدات الممكنة، والتي يدعونا السيد ج. كاركوبينو إلى وضعها، على الأرجح، في عمق خليج وادي الذهب “la baie du Rio de Oro ” ، حيث يتوافق موقعه وشكله مع وصف “الرحلة البحرية”.وقد قام البرتغاليون، عندما وصلوا إلى وادي الذهب في القرن الخامس عشر وأطلقوا عليه اسمه الشهير، بإعادة إحياء التقليد القرطاجي فقط، دون أن يبتكروا شيئا جديداً.

ومع ذلك، لم يكن حانون موفقاً عندما حاول لاحقاً توسيع نفوذ قرطاج التجاري إلى ما وراء سيرني، على طول سواحل خليج غينيا. إذ لم يتمكن من إقامة علاقات مع السكان ذوي البشرة السوداء في تلك المناطق، وبعد أن تجاوز جبل الكاميرون اضطر إلى العودة وهكذا، فإن المغرب، الذي يسيطر على الطريق البحري الذي يلتف حول الصحراء ويفتح الطريق إلى البلدان الاستوائية، كما أنه يمثل نقطة انطلاق أقصر طريق عبر الصحراء، قد أكد، في مطلع تاريخه، إحدى الوظائف الجغرافية التي لم يتوقف عن أداءها منذ ذلك الحين والتي لا تزال يُعترف بها حتى اليوم..























