خلال المائدة المستديرة حول موضوع “صناعة النشر بين الضفتين: الكتاب كاقتصاد ثقافي وحوار متوسطي”، التي احتضنتها خيمة الندوات يوم الجمعة 3 أبريل ضمن فعاليات عيد الكتاب بتطوان، بمشاركة رندة الجبروني، إلياس ابن عبد النور، عبد الحميد البجوقي، أم هاني الديالي، والضيف الإسباني Raúl Castells، برزت مجموعة من الملاحظات التي تعكس واقع التفاعل الثقافي بين ضفتي المتوسط.

فقد أُديرت المائدة باللغة الإسبانية، وهو ما جعل الضيف القادم من شبه الجزيرة الإيبيرية يشعر وكأنه في بلده، يتقاسم نفس اللغة مع باقي المتدخلين. غير أن هذا الاختيار، رغم وجاهته في سياق الحوار الثقافي المتوسطي، طرح تساؤلات حول مدى مراعاة تنوع الجمهور الحاضر، خاصة في غياب الترجمة الفورية من الإسبانية إلى العربية، ما حال دون استفادة شريحة واسعة من الحضور من مضمون النقاش. الأمر الذي لم ينتبه له منظموا التظاهرة.
ويزداد هذا التساؤل مشروعية بالنظر إلى أهمية الموضوع المطروح، والذي يتناول قضايا حيوية مرتبطة بصناعة النشر كرافعة اقتصادية وثقافية، وكان من الأجدر أن يتاح لجميع الحاضرين التفاعل معه بشكل كامل.
في المقابل، تميزت المائدة بحضور متدخلين متمكنين من اللغة والثقافة الإسبانيتين، ما أضفى على النقاش عمقا وتنوعا، وأعاد إلى الأذهان مرحلة التسعينيات، حين عرفت مدينة تطوان دينامية ثقافية لافتة، خصوصًا خلال الدورات الأولى لعيد الكتاب (1997-1998).
تلك المرحلة تميزت بحضور قوي للكفاءات الثقافية التي لعبت دورا محوريا في إنجاح الأنشطة المشتركة بين المغرب وإسبانيا. ومن بين الأسماء التي طبعت تلك الفترة، يبرز اسم “لطيفو كاسيدي”، الذي كان آنذاك نموذجًا للشاب المثقف المتقن للترجمة الفورية بين الإسبانية والعربية. وقد ساعده في ذلك تكوينه الأكاديمي في الأدب الإسباني بكلية الآداب بمرتيل، حيث كان يتولى إدارة الترجمة الفورية في العديد من اللقاءات، خصوصًا تلك التي تجمع بين الفاعلين المغاربة ونظرائهم الإسبان، مما ساهم في تقريب المسافات الثقافية وتعزيز التواصل.

غير أن تطوان اليوم، ومع بداية الألفية الثالثة، فقدت مثل هذه الكفاءات، بعد هجرة عدد من الأسماء إلى الخارج، من بينها “لطيفو كاسيدي” الذي استقر بالديار الأمريكية.
وفي المجمل، يمكن القول إن هذه المائدة المستديرة، رغم أهميتها، كشفت عن حاجة ملحة لإعادة الاعتبار لآليات الوساطة اللغوية داخل التظاهرات الثقافية، بما يضمن انخراطا أوسع للجمهور، ويعيد لتطوان بريقها الثقافي الذي ميزها خلال فترات سابقة.





















