تقديم
تعود فكرة الربط القار عبر مضيق جبل طارق إلى سنة 1979، خلال أول زيارة قام بها للمغرب العاهل الإسباني الملك خوان كارلوس حيث اجتمع مع العاهل المغربي الملك الراحل الحسن الثاني بمدينة فاس. ومنذ ذلك الوقت، دخل الربط القار بين المغرب وإسبانيا غياهب النسيان لسنوات طويلة. وأسابيع قبل ذلك قدم ميغيل أنخيل موراتينوس وزير الخارجية الإسباني و وزير الخارجية المغربي الطيب الفاسي الفهري مشروعا الى الاتحاد الأوروبي، و صرح وزير الخارجية الإسباني بأن هذا المشروع سيتم تنفيذه على الأرجح سنة 2025، أي بعد 18 سنة من تاريخ طرح المشروع. وفعلا تم الشروع في الدراسات الميدانية الجيولوجية والجيوتقنية وسبر عمق الطبقات الجيولوجية في البحر عبر مضيق جبل طارق، على أساس اتفاقية التعاون الثنائية المبرمة بين المغرب وإسبانيا، بتاريخ 24 أكتوبر 1980 وأخرى سنة 1989، بهدف بناء المنشأة وتأسست شركتان للدراسات؛ الأولى بالمغرب وتدعى الشركة الوطنية لدراسات مضيق جبل طارق، والثانية بإسبانيا، وتسمى الشركة الإسبانية لدراسات المواصلات عبر مضيق جبل طارق، وتعملان إلى جانب معاهد ومؤسسات متخصصة في إجراء الدراسات. وبعد حوالي نص ف قرن لاتزال الفكرة حية ولايزال حلم تحقيقها يساور البلدين الجارين الذي اصبح قاب قوسين اوادنى من انجازه الان….
***************
مؤخرا بعد انطلاق دراسات انبوب النفط الافريقي- الاوروبي طفا الى السطح من جديد موضوع الربط القاري عبر مضيق جبل طارق بين المغرب وإسبانيا إلى الواجهة. وفي آخر اجتماع للمنتدى البرلماني المغربي الإسباني، المنعقد في مدريد أبريل 2020، جرى التطرق إلى هذا الموضوع بالتأكيد على ضرورة استئناف الدراسات حول مشروع الربط القاري بين المملكتين، كما لا يستبعد أن يكون المشروع الضخم ضمن مباحثات الملك محمد السادس و الحكومة الاسبانية في الزيارات المرتقبة إلى المغرب. ومؤخرا افصح رفائيل كارسيا، رئيس الشركة الإسبانية لدراسة الربط القاري عبر مضيق جبل طارق عن إمكانية بناء النفق بكلفة تناهز 8.5 ملايير أورو، مستندا الى دراسة انجزتها جامعة زوريخ السويسرية وشركة عملاقة في مجال بناء الأنفاق. وحسب المسؤول الإسباني، فإن المشروع قابل للانجاز، عبر نفق طوله 38.67 كيلومتراً لربط ضفتي المضيق، على عمق لا يتجاوز 475 متراً. وتركز الخطوة على توقيع اتفاقية مع شركة لتطوير تصميم أولي لآلة حفر الأنفاق، بقيمة 32 مليون أورو، ويواجه هذا المشروع الضخم إشكالية ضعف التمويل، مما يقتضي مشاركة الاتحاد الأوروبي عوض الاعتماد فقط على الحكومتين المغربية والإسبانية اضافة الى ضخ رؤوس أموال خاصة؛ لأن الحصول على ثمار الاستثمار سيكون بعد فترة قصيرة و خصوصا بعد الازمة الاقتصادية العالمية وركود الاستثمارات التي عمقتها جائحة فيروس كوفيد 19 المستجد. ويهدف المشروع اضافة الى نقل المسافرين والبضائع بين القارتين الإفريقية والأوروبية وان يكون جسرا لربط الاتصالات ونقل الطاقة وربط الشمال بالجنوب عبر خط سكة حديدية تربط الدار البيضاء ب مدريد، مما سينعكس بالايجاب على اقتصاديات المحيط الاورومتوسطي عموما.
وخلال اللقاء الرسمي الذي جمع عمدة مدينة طريفة وممثلي الشركة الإسبانية للدراسات الخاصة بالربط القار عبر مضيق جبل طارق SECEGSA ، في 27 نونبر 2020 جددت الشركة الخاصة بالربط القار تأكيدها على استمرار مشروع الربط بين المغرب وإسبانيا عبر النفق، كما اتفق الجانبان على إعداد برنامج متكامل يهدف إلى التعريف بهذا المشروع التاريخي والترويج له على نطاق إعلامي واسع. وأضاف المصدر ذاته أن آخر الدراسات التي أنجزتها الشركة الإسبانية سنة 2018 خلصت إلى تأكيد الجدوى التقنية لهذا المشروع .وللتذكير ينصّ المشروع على إنشاء نفق يبلغ طوله نحو 40 كيلومتراً، يربط بين طنجة ومنطقة Vejer de la Frontera في جنوب إسبانيا، ضمن إقليم قادس بمنطقة الأندلس. ومن المرتقب أن يتكوّن هذا المشروع الاستراتيجي من نفقين سككيين إلى جانب ممرٍّ للخدمات ” galerie de service “، على عمق قد يصل إلى 500 متر. كما سيُقلّص زمن العبور بين الضفتين إلى حوالي 30 دقيقة، بكلفة تقديرية تبلغ 8.5 مليارات يورو على الجانب الإسباني، وفق المعطيات التقنية المتاحة.ويُعدّ عبور منطقة “عتبة كامارينال” “Seuil de Camarinal” من أكثر النقاط حساسية في المشروع، حيث خضع لدراسة أنجزتها شركة Herrenknecht الألمانية، والتي خلصت إلى أن عملية الحفر ممكنة تقنياً، رغم التعقيدات الجيولوجية التي يتميز بها المضيق.
إن أهم ما يعترض سبيل هذا النفق البحري، ليس فقط الصعوبات التقنية ، أو الإمكانيات المالية الضخمة التي يجب اعتمادها ، بل هناك منافعه الاقتصادية، والتي يبدو أنها مغرية في نظر المسؤولين المغاربة والإسبان. ومن زاوية اخرى فان هذا المشروع العملاق يطرح تساؤلا مشروعا بين السياسيين والفاعلين الاقتصاديين عن وقعه الاقتصادي والاجتماعي خصوصا، وأنهناك تخوف من كون إنجازه قد يؤثر على قطاع النقل البحري والتجارة البحرية مما قد يتسبب في بطالة المئات أو الآلاف من عمال الموانئ والبواخر المغربية والإسبانية، وسيدفع العشرات من شركات الملاحة البحرية التي تشتغل ما بين طنجة وموانئ الجنوب الإسباني، إلى الإفلاس. ا ولربما حسب تقديرات اخرى ان ييشكل الربط القار اضافة نوعية لربط الاتحاد الاوروبي بالقارة الافريقية وانه سيشكل حرج الزاوية في لتعزيز الربط اللوجيستيكي الاقتصادي والتجاري بين القارتين برؤية استشرافية وفي هذا السياق الذي يستدعي طرح كل البدائل الاقتصادية العلاقات التجارية بين القارتين ولقد قامت الحكومة الإسبانية برصد اعتمادات مالية جديدة للتحقق من الجدوى التقنية لهذه البنية التحتية الاستراتيجية. ففي منتصف مارس 2026، صادقت السلطة التنفيذية الإسبانية على تحويل مالي بقيمة 1.73 مليون يورو لتمويل الدراسات التقنية. ويأتي هذا المبلغ في سياق دينامية تصاعدية ملحوظة على مستوى الميزانية، إذ انتقلت SECEGSA منذ سنة 2022 من تمويلات رمزية لا تتجاوز نحو 50 ألف يورو سنوياً، إلى ما يزيد عن 9.6 ملايين يورو بشكل تراكمي، وذلك في ظل التقارب الدبلوماسي المتنامي بين الرباط ومدريد.
ومن الناحية الادارية فان اسبانيا تعتزم إسبانيا تتولى تدبير المشروع وفعلا لقد أطلقت الحكومة الإسبانية طلب عروض للتعاقد على تأمين للمسؤولية المدنية، يضم رئيس شركة الربط القار SECEGSA، الجنرال José Luis Goberna، إلى جانب أعضاء مجلس الإدارة، الذين يضمّون ممثلين عن الجانبين الإسباني والمغربي. ومن المرتقب أن يدخل هذا التأمين حيّز التنفيذ في 30 شتنبر 2026، وهو الموعد الذي تراهن عليه مدريد لاستكمال تحيين الدراسة الأولية لمشروع النفق، وإحراز تقدم ملموس في تصميم نفق الاستكشاف المستقبلي. ومؤخرا وقّع وزير النقل الإسباني ونظيره المغربي مذكرة تفاهم تُطلق مرحلة بحث تمتد لثلاث سنوات، مخصّصة لدراسة النشاط الزلزالي والدينامية الجيولوجية لمضيق جبل طارق. كما يُرتقب تنفيذ حملة بحث بحري يقودها المجلس الأعلى للابحاث العلمية الاسباني CSIC خلال النصف الأول من سنة 2026، بهدف إعداد نموذج جيولوجي ثلاثي الأبعاد لقاع البحر.وتسعى مدريد، بحلول منتصف سنة 2026، إلى التوفر على نسخة مُحيّنة من الدراسة الأولية للمشروع، مع تحقيق تقدم في تصميم نفق الاستكشاف. وفي حال كانت النتائج مُشجّعة، قد يتم طرح مشروع هذا النفق في طلبات العروض ابتداءً من سنة 2027. وتشير التقديرات التقنية الحالية إلى أن إنجاز النفق بالكامل قد يتطلب نحو عقدٍ من الزمن.
وعلاوة على التحديات التقنية، بات الأفق السياسي مؤطَّراً بموعد رمزي بارز، يتمثل في التنظيم المشترك لبطولة كأس العالم 2030 من قبل المغرب وإسبانيا والبرتغال. ورغم أن الخبراء يُجمعون على أن النفق لن يكون جاهزاً خلال هذا الحدث، فإن هذه التظاهرة تمثل حافزاً غير مسبوق لتسريع وتيرة انجاز المشروع. وبالنسبة لكلٍّ من الرباط ومدريد، يُعدّ تسريع الدراسات خلال سنة 2026 رسالة واضحة إلى العالم تعكس متانة شراكتهما الاستراتيجية، وطموحهما في تحويل المضيق إلى جسر مادي يربط بين القارتين.





















