الخميس, 16 أبريل, 2026

هل يراعي دعم قطيع الأغنام الامتداد ما بين استفادة المستهلك وبين سياسة المغرب الصاعد؟

محمد نجيب زغلول

مقدمة

تشير المعطيات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة إلى أن مؤشر أسعار الغذاء العالمي بلغ 125.3 نقطة خلال شهر فبراير 2026، مسجلاً أعلى مستوى له، مقارنة بـ124.2 نقطة بعد مراجعتها صعودًا في يناير من السنة نفسها.

ويعزى هذا الارتفاع إلى زيادة أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية، كالحبوب التي سجلت ارتفاعًا بنسبة 1.1%، مرتبطة أساسًا بزيادة أسعار القمح بنسبة 1.8% نتيجة تأثيرات مناخية سلبية، وما ترتب عنها من مخاطر على المحاصيل في بعض مناطق أوروبا والولايات المتحدة، إضافة إلى المشاكل اللوجستيكية في روسيا والتوترات الجيوسياسية في منطقة البحر الأسود. كما ارتفعت أسعار اللحوم بنسبة 0.8% بفعل زيادة أسعار اللحوم البقرية والأغنام.

وبالانتقال إلى المقارنة الإقليمية والدولية، تشير التقديرات القريبة من سنة 2026 إلى أن متوسط استهلاك الفرد من اللحوم الحمراء في دول المغرب الكبير يتراوح بين 15 و18 كيلوغرامًا سنويًا، وهو مستوى يظل معتدلًا مقارنة ببعض الدول ذات الإنتاج المرتفع، مثل الأرجنتين وأستراليا، حيث يتجاوز الاستهلاك 70 إلى 80 كيلوغرامًا سنويًا للفرد. مع ذلك، يمكن اعتبار المغرب، من زاوية النصف الممتلئ يفرمل استهلاك البروتينات الحمراء ضمن مسؤولية عالمية لخفض التلوث عبر خفض مصادر ثاني أكسيد الكاربون.

بل، هو ما يتلاءم مع ما توصي به بعض الدراسات الطبية الحديثة بخفض استهلاك اللحوم الحمراء، لدواعٍ صحية، إلى مستويات أقل لتصل إلى نحو 15 غرامًا يوميًا أي ما يعادل حوالي 5.5 كيلوغرام سنويًا.

وعلى مستوى أنماط الإنفاق، تكشف بيانات سنة 2024 عن تفاوت واضح بين دول شمال أفريقيا في متوسط مشتريات الأفراد من اللحوم الحمراء، حيث تصدرت الجزائر القائمة بمتوسط إنفاق سنوي يبلغ حوالي 150 دولارًا للفرد، تليها تونس بنحو 106 دولارات، في حين سجل المغرب مستوى أدنى، إذ بلغ متوسط الإنفاق حوالي 600 درهم سنويًا للفرد، أي ما يعادل استهلاكًا يوميًا يقارب 14 غرامًا (أو 96 غرامًا أسبوعيًا) او ما يعادل متوسط استهلاك من اللحوم الحمراء سنوياً ما بين 14 و 17 كيلوغرام.

وعلى الصعيد الوطني، يكتسي قطاع تربية الماشية بالمغرب أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة، خاصة في ارتباطه بشعيرة عيد الأضحى، حيث تشير التقديرات إلى ذبح ما بين 5.5 و6 ملايين رأس من الأغنام والماعز سنويًا، يمثل الضأن منها حوالي 92% مقابل 8% للماعز.

كما طفى الى السطح جدل اخر حول صنف الفئات الاجتماعية المستفيدة الحقيقية من سياسات الدعم؟ حيث لوحظ أن الوسطاء والمستوردين او ما تم تسميتهم ب “الفراقشية” هم الأكثر استفادة من ارتفاع الأسعار، مقابل محدودية أثر الدعم العمومي على المستهلك النهائي كآخر نقطة في سلسلة التوريد. لا ضرر في استفادة الوسطاء، ولكن الخوف هو عدم المراقبة على تنفيذ توازن الدعم، مما يخنق شرايين التوزيع المتكافئ، يضمن توصل المستهلك الأخير من الحصة التي خصصتها الدولة، التي لا نشك قيد أنملة في إرادتها القوية في طمأنينة المستهلك بصدد حصته المستحقة. بحيث تتوزع الهموم الشعبية للدولة ما بين الهدف الاجتماعي (وهو رهان يصل صداه للمنافسة مع الجيران وليس فقط استجابة داخلية) لا يتناقض مع الفعالية الاقتصادية للقطاع، كما هو استثمار ثابت يصب في المشاركة السياسية للمواطنين، كلما شعروا أن نيات الدولة وتفكيرها في أوضاع الناس البسطاء لا يستغله الانتهازيون في الطريق، مقابل تقارير وهمية.

لا مانع من عثرات السير، إذا كانت السياسة المالية تهدف إلى توسيع الدورة المالية لخلق مناصب الشغل، وفسح فرص الاستثمار تأسيسا وتطويرا لفائدة توسيع فئة الطبقة المتوسطة في العالم القروي، ومرتبطة بالحاجيات الحضرية وما يتبعه من انتشار الاستبناك وتحديث العلاقات المالية الاستعمالية والتبادلية.

في ميدان اللحوم مفترض هندسة السكة الاقتصادية ثنائية الخطين: خط خلق الأثرياء بدءا من رفع نسبة من السكان فوق مستوى الفقر، وخط خلق الثروة الوطنية الاجمالية، منسجم مع الهدف العام وهو جعل الاقتصاد الوطني اقتصادا صاعدا بلا هوادة.

مما يفرض ضرورة إعادة توجيه السياسات العمومية نحو دعم الإنتاج المحلي، فما الذي يمنع تفعيل مسطرة إحصاء دقيق للقطيع الوطني، وتوفير الأعلاف بأسعار مناسبة، ودعم صغار ومتوسطي الكسابين بشكل مباشر، بما يضمن تحقيق الأمن الغذائي على المدى المتوسط والبعيد. وبالنظر إلى التحول الملحوظ من مغرب الاتكالية والعدمية إلى مغرب المشاريع والكفاءات، لم تعد تقوية المنظومة الرأسمالية الوطنية مناقضة لأهداف سنوية تحصي عدد المغاربة الذين خرجوا من دائرة الفقر، بما يفوق عدد المواليد سنويا.

لقد صادقت الدولة على عقدين سابقين مع ممثلي المهنيين 2009-2014 و 2014-2020، لتحقيق اهداف المخطط الاخضر والذي انتهى أجلهما سنة 2020 . ومن حسن الطالع أن يتحقق هدف تحقيق انتاج 612 الف طن من اللحوم الحمراء بحلول سنة 2020 بنسبة 98 %، بمعدل استهلاك 17.2 كلغ للشخص سنويا وتحقيق رقم معاملات بلغ 27مليار درهم.

لكن، في إطار السياسات الفلاحية، تم توقيع 11 اتفاقية شراكة ضمن استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030” مع سبع فدراليات مهنية، بغلاف مالي يفوق 402 مليون درهم، غير أن نسبة التنفيذ الفعلي للاتفاقيات لم تتجاوز 17%، حيث تم تحويل حوالي 68.5 مليون درهم فقط، مع اعتماد تقييم سنوي لمستوى الإنجاز قبل إطلاق برامج جديدة.

وتشمل هذه الاتفاقيات مجالات متعددة، من بينها تحسين النسل في قطاع الأبقار الحلوب، وتطوير إنتاج قصب السكر، وتعزيز التكوين المهني الفلاحي، ودعم البنيات التأطيرية لمربي المواشي. وفي ماي 2023 تم توقيع عقد برنامج بين الدولة والفيدرالية المهنية للحوم الحمراء، بغلاف مالي إجمالي يناهز 14.45 مليار درهم (7.75 مليار درهم مساهمة من الدولة و6.7 مليار درهم من المهنيين)، ومن اهداف هذا العقد/البرنامج: تحديث قطاع اللحوم الحمراء، تحسين مردودية القطيع، وضمان الاكتفاء الذاتي من خلال استراتيجية “الجيل الأخضر”، اضافة الى رفع الإنتاج بزيادة الإنتاج إلى 850 ألف طن بحلول عام 2030 (زيادة 250 ألف طن مقارنة بعام 2020). ولقد أُسندت قيادة البرنامج إلى لجان مشتركة تشمل لجنة التوجيه الاستراتيجي برئاسة وزارة الفلاحة، ولجنة تنفيذيةيرأسها الكاتب العام بقطاع الفلاحة، ولجنة للمراقبة والتتبعيراسها مدير قطب الانتاج بوزارة الفلاحة،وتضم هذه اللجان ممثلي الفدراليات وممثلي الوزارات الموقعة على العقد لضمان تنفيذ الأهداف المحددة.

و الملاحظ حاليا ان السماسرة والمستوردين هم أكبر مستفيد من غلاء اللحوم بالمغرب بعد صرف مليارات الدعم الحكومي دون أثر ملموس على أسعار اللحوم في السوق الوطنية، وهو ما يعزز الشكوك حول كفاءة آليات التدخل المعتمدة. وباستثناء الحكومة فالكل يتفق اساسا على أن الحلول الحقيقية لهذه الأزمة تكمن في العناية برؤوس الأغنام ببلادنا وليس بالاستيراد، وذلك عبر إحصاء دقيق للقطيع الوطني، بما يسلعد على وضع استراتيجية وطنية مندمجة و ناجعة لحل إشكال التوريد بالسوق الداخلي، إضافة إلى توفير العلف والمواد المركبة المدعومة من طرف الدولة لمربي الماشية، وخاصة منهم من فئة الصغار والمتوسطين، وتوجيه الدعم لهم بشكل مباشر، معتبرا أن أثر هذه الإجراءات وإن لم يتحقق في سنة أو سنتين، إلا أنه سيكون ذو اهمية على المدى المتوسط البعيد .

قطاع اللحوم قبل حكومة اخنوش (2021)

عرف إنتاج اللحوم الحمراء بالمغرب تطورًا ملحوظًا خلال الفترة الممتدة ما بين 2008 و2019، حيث سجل الإنتاج ارتفاعًا بنسبة 51% ليبلغ حوالي 606 آلاف طن سنة 2019، ويُعزى هذا التحسن أساسًا إلى تطور إنتاجية القطيع الوطني. وفي السياق ذاته، شهد متوسط الاستهلاك الفردي من اللحوم الحمراء ارتفاعًا تدريجيًا، حيث بلغ حوالي 17.2 كيلوغرامًا للفرد سنويًا خلال سنة 2019. وقد ساهمت برامج تحسين النسل والتأطير التقني والتكوين المهني، التي نفذتها التنظيمات المهنية بدعم من الدولة خلال الحكومة السابقة بقيادة العدالة والتنمية في إطار عقد برنامج اللحوم الحمراء، لتعزيز مردودية القطيع، إذ ارتفع قطيع الأبقار بنسبة 36% لدى و الأغنام بنسبة 23% خلال نفس الفترة.

غير أن هذا المسار الإيجابي عرف تحولًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث سجل القطيع الوطني تراجعًا حادًا بنسبة 38% مقارنة بسنة 2016، وهو ما انعكس سلبًا على مستويات إنتاج اللحوم الحمراء. ولمواجهة هذا الاختلال وإعادة التوازن إلى السوق، اعتمدت الحكومة الحالية مجموعة من تدابير الدعم العمومي للوسطاء و مستوردي الأغنام والأبقار والماعز والإبل، إضافة إلى اللحوم الحمراء في إطار قوانين المالية منذ 2022 الى حدود 2025 .

سلاسل توريد اللحوم المستوردة إلى المغرب

يُظهر تحليل المعطيات الحالية المرتبطة بسوق اللحوم المستوردة إلى المغرب في أفق سنة 2026 الارتكاز على ثلاثة أقطاب رئيسية، تتمثل في: البرازيل، أستراليا والاتحاد الأوروبي، غير أن هذا الاعتماد يتسم بعدم التوازن، حيث تحكمه فروقات بنيوية تتعلق بالكميات والأسعار والجودة والتكلفة اللوجستية ، اذ تُعد امسافة عاملًا حاسمًا في تحديد التكلفة النهائية من حيث الجوانب اللوجستية، اذ تتراوح مدة الشحن من أوروبا إلى المغرب ما بين يومين الى 5 أيام، مقابل 10 إلى 15 يومًا من البرازيل، و25 إلى 40 يومًا من أستراليا، وهو ما يرفع بشكل كبير تكاليف النقل والتبريد، خاصة بالنسبة للواردات القادمة من أستراليا.

وعلى المستوى الصحي، يتصدر الاتحاد الأوروبي من حيث صرامة أنظمة المراقبة الغذائية، يليه النظام الأسترالي الذي يعتمد على تتبع دقيق لكل حيوان، في حين تأتي البرازيل في مرتبة لاحقة رغم قوتها التصديرية، خاصة بعد تسجيل بعض الأزمات الصحية، مثل إنفلونزا الطيور، التي أثرت بشكل مؤقت على صادراتها. ومع ذلك، تخضع جميع اللحوم المستوردة إلى المغرب لإجراءات مراقبة إضافية عند الحدود، مما يعزز مستوى السلامة الصحية. فمن حيث الكميات المستوردة، تهيمن البرازيل بشكل بارز على السوقين العالمي والمغربي، إذ تتجاوز صادراتها من اللحوم والدواجن ما بين 5 و6 ملايين طن سنويًا، مع تسجيل أرقام قياسية. كما تشير التوقعات إلى نمو صادرات لحوم الأبقار بنسبة تقارب 12% سنويًا، وهو ما يفسر اعتماد المغرب عليها كمصدر رئيسي، حيث تمثل أكثر من 50% من وارداته من اللحوم. في المقابل، يبلغ إنتاج الاتحاد الأوروبي حوالي 6.5 مليون طن من لحوم الأبقار سنويًا، غير أن 96% من هذا الإنتاج يُستهلك داخليًا، مما يجعل صادراته محدودة نسبيًا وموجهة أساسًا للأسواق القريبة، من بينها المغرب. أما أستراليا، فرغم قدرتها التصديرية، فإن حجم إنتاجها يظل أقل من أوروبا، مع تركيزها على تصدير منتجات عالية الجودة. ومن حيث الأسعار، تبدو الفوارق بشكل أوضح، إذ تُعد اللحوم البرازيلية الأكثر تنافسية عالميًا والاقل ثمنا، مما يجعلها مناسبة للاستهلاك الواسع ورغم انها أقل جودة من اللحوم الاسترالية والاوروبية والتي تتراوح أسعارهما بين 70 و 100 درهم.

كشفت أرقام حديثة نشرتها جمعية مصدّري لحوم الأبقار في البرازيل (ABIEC) أن المملكة المغربية استوردت، في العام الماضي، ما مجموعه 4806 أطنان من لحوم البقر برازيلية المنشأ، بزيادة قاربت 3250 طنا مقارنة بسنة 2024، حيث استوردت فقط 1558 طنا، مشيرة إلى أن منتجي اللحوم في البرازيل صدّروا إلى المغرب 58 طنا في يناير الماضي وحده وتعتبر اللحوم البرازيلية، رغم ةجودتها المتدنية، الأكثر حضورا في السوق المغربية لأنها تُستَورد باثمان رخيصة تتراوح بين 35 و 65 درهمًا للكيلوغرام إلا أنها تصل إلى المستهلك أحيانا بأثمان مضاعفة تصل 120 إلى 130درهما. وعموما تُستخدم اللحوم البرازيلية أساسًا لتلبية الطلب الشعبي نظرًا لانخفاض أسعارها، بينما تُوجَّه اللحوم الأوروبية إلى الجزارين والمطاعم، في حين تظل اللحوم الأسترالية محدودة الانتشار وموجهة غالبًا للفنادق والمطاعم الراقية

وعموما فإن المغرب يَعتمد نموذجًا ثلاثي الأبعاد في استيراد اللحوم: البرازيل كمصدر للكميات الكبيرة منخفضة التكلفة، والاتحاد الأوروبي كمصدر يجمع بين الجودة والقرب الجغرافي، وأستراليا كمصدر عالي الجودة موجه لأسواق محددة. غير أن العامل الحاسم في هذا التوازن يظل هو السعر، حيث تشير المعطيات إلى أن الفارق قد يتجاوز 100% بين اللحوم البرازيلية ونظيرتها الأوروبية، وهو ما يفسر هيمنة البرازيل على السوق المغربية رغم تفوق منافسيها من حيث الجودة.

سياق دعم استيراد المواشي في المغرب بين الكلفة المالية وغياب الأثر: قراءة تحليلية في جدل 13 مليار درهم

كيف بدأ الدعم الحكومي  للمستوردين وما هي آلياته ؟

في سياق مواجهة تداعيات الجفاف وارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، شرعت الحكومة المغربية منذ سنة 2022 في اعتماد سياسة استثنائية لدعم استيراد الأبقار والأغنام، والتي تم تعزيزها بشكل ملحوظ خلال سنتي 2023 و2024 واستمرت إلى 2025. وقد تمثلت أبرز إجراءات هذا الدعم في الإعفاء من الرسوم الجمركية ومن الضريبة على القيمة المضافة، إضافة إلى دعم مادي مباشر يُقدّر بـ500 درهم عن كل رأس من الأغنام المستوردة (أي ما يعادل دعما اجماليا يقدر ب 62 مليون درهم) والموجهة للاستهلاك خلال فترة عيد الأضحى. ونتيجة لهذه التدابير، شهدت وتيرة الاستيراد ارتفاعًا ملحوظًا، خلال بداية سنة 2025، حيث تم استيراد حوالي 21800 رأس من الأبقار و124000 رأس من الأغنام، إضافة إلى 704 أطنان من اللحوم الحمراء، وذلك بهدف تعزيز العرض في السوق الوطنية والحد من ارتفاع الأسعار.

غير أن هذا التوجه عرف منعطفًا مهمًا عقب إعلان العاهل المغربي عن إلغاء شعيرة ذبح أضحية عيد الأضحى لسنة 2025، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش العمومي حول فعالية سياسة دعم الاستيراد وطبيعة المستفيدين منها . فقد تصاعد الجدل بشأن طبيعة هذا الدعم ومدى استفادة مختلف الفاعلين منه، خاصة في ظل استمرار ارتفاع الأسعار رغم حجم الامتيازات الممنوحة للمستوردين وارتفاع عدد المغاربة الذين يقتنون أضحية العيد، والذين يقدرون حسب المندوبية السامية للتخطيط حوالي 6 ملايين أسرة. .

وتشير وثائق حكومية وأرقام رسمية تؤكد تقديم الحكومة المغربية دعماً للمستوردين يتجلى في الإعفاء من دفع رسوم الاستيراد، والإعفاء من قيمة الضريبة المضافة، دون أن يؤثر ذلك على الأسعار التي ارتفعت بالتوازي في الأسواق. ومن خلال الوثائق نفسها، تأكد أن الدعم الحكومي الذي استفاد منه المستوردون فقط لم يشمل الأغنام والأبقار فقط، بل وصل إلى استيراد الجمال وأطنان اللحوم الحمراء، لكن دون أن ينعكس ذلك على استقرار الأسعار في الأسواق، بل على العكس ارتفعت أكثر

وتشير الوثائق الحكومية والمعطيات الرسمية أن الدعم الحكومي اتخذ شكلين رئيسيين: أولهما دعم استيراد الأغنام بهدف تأمين العرض خلال عيد الأضحى وضبط السوق، وثانيهما دعم استيراد الأبقار الحية واللحوم الحمراء من أجل تقليص الضغط على الأسعار. غير أن الوثائق الحكومية تشير إلى أن هذا الدعم، الذي شمل الإعفاء من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، لم يقتصر على الأبقار والأغنام، بل امتد ليشمل كذلك استيراد الإبل وكميات مهمة من اللحوم الحمراء. ورغم هذه التدخلات، لم ينعكس الدعم بشكل ملموس على انخفاض الأسعار واستقرارها في السوق الوطنية، حيث استمرت اللحوم الحمراء في الارتفاع، مما أثار تساؤلات جوهرية حول نجاعة هذه سياسة الدعم العمومي وتوزيعه. وفي هذا الإطار، برزت إشكالية حجم تكلفته على ميزانية الدولة، وماهية المستفيدين الفعليين من هذا الدعم العمومي ومدى تحقيقه للأهداف المعلنة في ما يتعلق بضمان التوازن بين العرض والطلب.

وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا التقرير المركب إلى تحليل سياسة دعم استيراد الحيوانات الحية الموجهة للاستهلاك في المغرب، من خلال الإجابة عن مجموعة من التساؤلات المحورية،: كيف ولماذا تفجّر موضوع السماسرة والمستفيدين والمستوردين وعلاقتهم بالاستفادة من الدعم الحكومي؟ وما هي الكلفة المالية لهذه السياسة النيوليبرالية على ميزانية الدولة؟ وإلى أي حد ساهمت في تحقيق انخفاض أسعار اللحوم كما كان متوخى منها وهل ساهمت في استقرار العرض والطلب في سوق اللحوم الحمراء على مستوى السوق الوطنية؟

استنادًا إلى الوثيقة الحكومية المعنونة التي تتضمن المعطيات والبيانات المطلوبة من طرف الفرق والمجموعة النيابية بمجلس النواب في إطار مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2025، يتضح أن الحكومة المغربية اقرت، لأول مرة منذ21 أكتوبر 2022، اعتماد سياسة دعم استيراد الأبقار والأغنام واللحوم الحمراء. وقد ارتكزت هذه السياسة اساسا على إلغاء الرسوم الجمركية وتحمل الدولة للضريبة على القيمة المضافة بالنسبة لكل من الأبقار والأغنام واللحوم الطازجة ايضا، واستمر العمل بهذه التدابير إلى غاية أكتوبر 2024.

وتُبرز المعطيات الواردة في الوثيقة أدناه (الوثيقة 1) ذاتها حجم التكلفة المالية التي تحملتها خزينة الدولة في إطار هذا الدعم خلال ثلاث سنوات (2022-2025). ففيما يتعلق بالأبقار، بلغت قيمة الواردات حوالي 3.6 مليار درهم، في حين تكفلت الدولة بما يقارب 7.3 مليار درهم كرسوم استيراد، إضافة إلى 744 مليون درهم كضريبة على القيمة المضافة، ليصل إجمالي الدعم إلى نحو 8 مليارات درهم. أما بالنسبة للأغنام، فقد بلغت قيمة الواردات حوالي 1.9 مليار درهم، بينما تحملت الدولة ما يناهز 3.8 مليار درهم كرسوم استيراد، إلى جانب 1.1 مليار درهم كضريبة على القيمة المضافة، أي ما مجموعه حوالي 5 مليارات درهم. وتعكس هذه الأرقام الحجم الكبير للموارد المالية العمومية المخصصة لدعم استيراد الماشية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مردودية هذا الإنفاق العمومي ومدى انعكاسه الفعلي على استقرار أسعار اللحوم الحمراء وتحقيق التوازن في السوق الوطنية (الوثيقة 2).

تُظهر الوثائق الرسمية المقدمة للبرلمان من طرف الحكومة أن رقم 13 مليار درهم هو رقم دقيق، يعكس الكلفة الإجمالية للدعم خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر 2022 وأكتوبر 2024. ويتوزع هذا المبلغ بين 8 مليارات درهم مرتبطة باستيراد الأبقار، و5 مليارات درهم بين فبراير 2023 وأكتوبر 2024 مرتبطة بنفس الآلية عند استيراد الأغنام.

 

—– يتبـــــع —- 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist