تقديم:
يعتبر الصراع بين الشرق والغرب من القضايا التاريخية الكبرى التي طبعت مسار العلاقات الدولية بدءا من القرن التاسع عشر والى حدود اليوم ، بابعاد متداخلة يشتبك فيها الاقتصادي بالسياسي والعسكري أحيانا. وقد مثّل طريق الحرير قديمًا نموذجًا للتبادل والتفاعل بين الحضارات خصوصا بين الشرق والغرب، قبل أن يتحول هذا التوازن إلى صراع مع توسع القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر وسعيها لفرض هيمنتها على آسيا. وفي هذا الإطار، يندرج نص «La “Chine et la diplomatie européenne ” للمفكر Élisée Reclus،والذي نشر في 12 غشت 1900 سنة في مجلة l’Humanité Nouvelle والتي كانت تعتبر من المجلات العلمية التي تهتم المرموقة دوليا آنذاك والتي تهتم بباقة واسعة من العلوم الانسانية والذي يكشف من خلاله عن الطبيعة الحقيقية للتدخل الأوروبي في الصين، حيث يبرز أن هذا التدخل لم يكن بدافع نشر الحضارة، بل لتحقيق مصالح اقتصادية والتنافس على الأسواق. كما يوضح أن هذا الاحتكاك بين حضارتين مختلفتين أدى إلى توترات وصراعات عنيفة، عكست رفض الصين للهيمنة الأجنبية. وتتجلى أهمية هذا النص في راهنيته، إذ يمكن ربطه بما يشهده العالم اليوم من تحولات، خاصة مع صعود الصين من خلال مشروع مبادرة الحزام والطريق الذي أطلقته الصين في 2013 ( الحزام الاقتصادي البري من آسيا الى أوروبا عبر السكك الحديدية والطرق السريعة وطريق الحرير البحري من موانئ آسيا الى البحر الأبيض المتوسط) ، والذي يُعدّ إحياءً حديثًا لطريق الحرير، ويهدف إلى توسيع النفوذ الاقتصادي للصين وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية. كما يظهر استمرار هذا الصراع بشكل غير مباشر في الشرق الأوسط، حيث تتداخل مصالح القوى العظمى، ويتجلى ذلك في أزمات معاصرة مثل الحرب في غزة 2023، والحرب الحالية على إيران والتي تعكس أهمية المنطقة كحلقة وصل استراتيجية في التجارة العالمية بين الشرق والغرب. وعليه، يطرح النص إشكالية أساسية: هل تغيّر الصراع بين الشرق والغرب أم أنه يستمر بأشكال جديدة؟ وهو ما يجعل من هذا النص مدخلًا مهمًا لفهم ثنائية تلاقح الحضارات وصراعها بين الماضي والحاضر ومن اجل استشراف مستقبل العلاقات الدولية.
كان دبّ روسيا يمدّ مخالبه الكثيفة ببطء نحو بكين ليستبدل سلطة “القيصر الأبيض” “tsar blanc” بسلطة “القيصر الأصفر” “tsar jaune” فهل يمكن التصور، ولو بنزر ضئيل من المنطق، أنّ هذا الدبّ العنيد سيتخلّى عن غريزته، وأنّه من المكن أن نُنْسِيَهُ فريسته الصينية، في حين أنّه، منذ عهد بطرس الأكبر” Pierre le Grand “، لم يُهمل القسطنطينية فريسته الأخرى لحظة واحدة ؟ وهل تستطيع إنجلترا وفرنسا أن تُخالِفا سياستهما الثابتة، الأولى التي يوجّهها صناعها ومصرفيّوها، والثانية التي تستلهم في الغالب من آبائها القديسين (رجال الدين)؟ وأخيرًا، هل يمكن لألمانيا، التي أعلنت للعالم منذ حين، بلسان إمبراطورها المتبجّح ويلهيلم الثاني Willhelm II ، أنّها ترفع في وجه الصين “قبضتها ذات القفاز الحديدي” “poing ganté de fer” ، أن تكتفي من الآن فصاعدًا التصرف دون تفاخر، بل وحتى دون همجية؟ لقد أوصى ويلهيلم فرسانه بأن يقتدوا بـأبناء أتيلا ” Iluns d’Attila ” وأن يكونوا بدورهم “بلاء الله” «fléaux de Dieu».. ومؤخرًا، أُصيب العسكريون اليابانيون، الذين علّمهم أساتذة أوروبيون قانون الأمم، بالدهشة حين رأوا كيف أنّ الجنود الأوروبيين يلتزمون بهذه «المبادئ السامية» للإنسانية!
مهما تكن النوايا الخفيّة لكلّ واحدة من القوى العظمى المعنيّة، فإنّ هذه القوى تنجرف، بفعل الظروف، ضمن سلسلة من الأحداث التي تجهلها ؛ لذا عليها أن تتحرّك معًا، كأنّما تدفعها يد القدر المحتوم ” fatum ” . فالتحالف مفروض عليها، ويفرضه الخطر الداهم فرضًا. وهذه حقيقة ذات اهمية قصوى غير مسبوقة كونيا. وكما يحلو يردّد أصحاب النزعة الروتينية أن “لا جديد تحت الشمس”، كما المتشائم صاحب سفر الجامعة ” le pessimiste de l’Eclésiaste “. لكنهم مخطئون، كما أخطأ صاحبهم الحكيم من قبلهم. إنّ ما نراه اليوم جديد حقًّا: هذه العصبة التي تضمّ العالم المتحضّر بأسره، من أمريكا إلى اليابان، من أجل مصلحة مشتركة لجميع شعوب الأرض! فللمرّة الأولى منذ انطلاق تاريخ البشر، يظهر تضافر وقائع ذات طابع كوني بامتياز، يحرّك الناس في جميع أنحاء المعمورة. يقال أنّ الثورة الفرنسية لم تحتفل بذكرى مرور عام على اندلاعها في نهاية القرن الذي تلاها! وها هو ذا اليوبيل قد حلّ! فقد أعلنت الثورة الفرنسية «حقوق الإنسان»، ولكن على نحو نظريّ بحت، إذ لم تكن تعرف سوى أناسا في بقعة صغيرة من الأرض. أمّا اليوم، فإنّ القضية تُطرح عمليًّا على نطاق الكوكب بأسره: إذ اهتزّ الجنس البشري برمته لأنّ حقوق الإنسان لم تُحترم على ضفاف نهر بي-هو. إنّ هذا الحدث ذو دلالة واهمية تاريخية، وسيكون من الخطأ أن يتوهّم الدبلوماسيون أنّ حِيَلهم الصغيرة ودقّة مكايدهم يمكن أن يكون لها أثر يُذكر وسط هذه الأمواج العاتية التي تُحرّك الشعوب.
إنّ بعض المتفائلين، الذين ما زالوا يؤمنون برعاية الدول بعد أن كفّوا عن الإيمان بعناية الله، يندفعون إلى تمجيد قيام “الولايات المتحدة لأوروبا واليابان” “Etats-Unis d’Europe et du Nippon ” بمناسبة هذا الاستعراض الجماعي للقوى المدعاة “متحضّرة”، في مواجهة الحكومات الشمولية والفوضوية الغامضة في الصين.
وفي هذا الصدد، يُحبّ هؤلاء أن يستشهدوا بأحداث كريت باعتبارها سابقة من شأنها أن تُشجّعنا على هذا الأمل. لكن، وللأسف، إذا سلّمنا بأنّ قيام “ولايات متّحدة” قد يكون أمرًا مرغوبًا في الظروف الراهنة، حيث تمثَّل الأمم بشخصيات ذات إرادة مطلقة، وبحكّام ذوي حضور وكاريزما قوية مثل ويلهيلم الثاني ونيقولا الثاني، فإنّه يحقّ لنا أيضًا أن نتساءل: أليست حالة كريت بالذات هي المثال الأوضح على المكر والجبن والدناءة؟ فماذا كنه هذه القضية في جوهرها، إن لم تكن أكثر المسرحيات خزيًا، وعرضًا تمثيليًا بالغ المهانة، كان فيه «الممثّلون» من بؤساء اليونان وتركيا وألبانيا وكريت، يُقتلون برصاص حقيقي، ويُقطَّعون في مستشفيات حقيقية؟ لقد كان كلّ شيء مُدبَّرًا سلفًا. فقد تم تعيين الأمير جورج ليصبح حاكم كريت؛ وكان لا بدّ من مكافأته على الضربة التي تلقّاها- بالقبضة أو العصا أو السيف – بدلًا من رفيقه الإمبراطوري خلال زيارته إلى طوكيو. لكن كان من البساطة بمكان أن يُعيَّن مباشرة ويُوضَع على عرشه دون سابق مراسيم، لذلك جرى اللجوء إلى تلك الطقوس الحربية التي تمثّلت في صدام اليونان وتركيا في سهول وجبال تساليا. وقد نُفِّذ المخطّط بإتقان، حتى إنّ أتباع جوزيبي غاريبالدي ذوي القمصان الحمراء أُقحموا في هذا المشهد المسرحي؛ وكان طبيعيًا أنيتم استعراض شجاعة كبيرةمن كلا الطرفين ، وأن يُعلَن الحفاظ على شرف السلطان. وهكذا حققوا ارباحا طائلة في البورصة، وتبادلوا التهاني؛ فقد تمّت الخدعة كما أُريد لها ان تكون. وهذه هي تلك “المهازل الدموية” التي يُجرؤ البعض على تقديمها لنا بوصفها “بشارة” بقيام “الولايات المتحدة الأوروبية”! فلتظل هذه الدول التعيسة متفرّقة إلى الأبد! إنّ الاتحاد الحقيقي للبشر يجب أن ينشأ من أعماق الجماهير، بفعلٍ تلقائيّ من الشعوب الحرّة. وإلا… فلا!
وهكذا، فلا ينبغي أن يساورنا شكّ أن لن يخرج أيّ خير من التحالف القسري للقوى “الأوروبية” ضدّ الصين. فهي تتنافس فيما بينها وتُشك في بعضها البعض ؛ولا يمكن أن تنبثق اية وحدة من هذه المشاعر العدائية. وبما أنها مجبرة على التحالف مؤقتًا مع بعضها البعض، فبالتأكيد ستحقق هدفها العسكري،الا وهو احتلال بكين، كما احتلّت من قبل تيانجين ” Tien-Tsin” . ولا ريب أن جيوشًا قوية وذات قيادة حكيمة، مزودة بمعدات حربية وأسلحة عتيدة، ستنجز – بل وستتجاوز للأسف – مهمة الانتقام والثأر الموكلة إليها… لكن، بعد “سلام بكين”، وبعد احتلال المراكز التي أحرقتها “حركة الملاكمين” وبعض النقاط الاستراتيجية القريبة من الساحل، وعندما يحين وقت اتخاذ قرارات حاسمة تتعلّق بالمستقبل، فإنّ الهمّ الأكبر لهذه القوى العظمى سيكون بلا شكّ: الحيلولة دون أن يجني أيّ طرف من تدخلهم المشترك مزايا أكثر من اللازم . وستجد هذه القوى ترتيبات و صيغًا بارعة وماكرة للتفاهم مع العدو ضد الصديق. وهكذا، سيتم اتخاذ الترتيبات اللازمة لحرمان إنجلترا من الاحتكار التجاري الذي كانت تتمتع به عملياً حتى يومنا هذا، كما سيُحرص نزع الوصاية الدينية التي كانت فرنسا تدّعيها على البعثات الكاثوليكية ، و سيُحرَص وسيُسعى إلى تطويق ألمانيا المندفعة كي تُحدِث ضجيجًا أقلّ وفعلاً أقلّ كذلك. أمّا الخصمان الرئيسيان، اليابان والإمبراطورية الروسية، فلا بدّ من ترك المجال لهما، إذ إنّ لكلٍّ منهما قوّة توسّع هائلة لا يمكن كبحها بالمناورات الدبلوماسية.






















