تحتضنُ مدينة تطوان هذا العام “تظاهرةً كبرى” يُقال لها — بكثيرٍ من اليقين الرسمي —
“عاصمة المتوسط للثقافة والحوار 2026.”
لكن المدينة، في سرّها الخافت، تعرف أن الأسماء أحيانًا لا تُعلن الأشياء…بل تُخفي موتها المؤجل.
في مدينةٍ تُشبه كتابًا تُقلبه الريح، تتناثر الحكايات من بين الصفحات، ولا يجد المعنى من يجمعه.

تطوان…تقف اليوم على حافة استعارةٍ مُرهقة، تبتسم كعادتها، بينما شيءٌ عميق فيها ينسحب بهدوء.
في صباحٍ بدا كأنه يعتذر عمّا يحدث، جلستُ لأكتب…
لا نصًا، بل ما يشبه الوداع المؤجل، كأن الكلمات صارت تعرف مسبقًا أنها لن تُغيّر شيئًا.
من نافذة مقهى قريب من عين بوعنان، رأيتُ المدينة بيضاء…
بيضاء أكثر مما ينبغي، كأنها غسلت ذاكرتها جيدًا، وتركتها تجفّ في الشمس، حتى بهتت.
تطوان… يا لهذه البلاغة حين تنقلب ضد نفسها.
كانت يومًا تُضيء من داخلها، لا تحتاج إلى مناسبة لتقول إنها حيّة، ولا إلى برنامج لتقنعنا بأنها تُبدع.
كان الضوء فيها يُصنع من الحاجة، وكان الصدق
وحده — كافيًا ليهزم كل ضجيج يدعونه بثقافة.
أما الآن…فالمدينة لا تُحلَم، بل تُدار من بعيد..
تُساق كفكرةٍ في ملف، تُختزل في تقارير، تُقاس بنجاحٍ مؤقت، وتُنسى — بإتقان — بعد انتهاء العرض.
أضحك…
لا لأن المشهد مُضحك، بل لأن البكاء صار ترفًا إداريًا غير مُتاح.
أضحك من ذاكرةٍ تُستدعى كديكور، ومن ثقافةٍ تُوزَّع كدعوات، ومن مدينةٍ تُعامل كأنها مشروعٌ مؤقت، لا ككائنٍ له روح.
ثم أتعب…فالسخرية، مثل الضوء الكاذب، تُبهج قليلًا…وتُنهك طويلًا.
وهنا تبدأ الحسرة، تتسلل ببطء، كأنها تعرف هذا المكان منذ زمن.
كنتُ أظن أن الثقافة هنا شجرة، لكنها كانت اليوم تُقتلع كلما تغيّر الظل.
كنتُ أظنها ماءً، فاكتشفتُ أنها صارت شكلًا من العطش المنظم.
في الواجهة…يمرّ البعض بخفة، سريعين كتصفيقٍ مُدرَّب، يعرفون كيف يُصلون،
لا لماذا، لماذا يصلون، ولمن؟
ليس الذنب ذنبهم وحدهم، الخشبة نفسها تغيّرت، والنص لم يعد يُكتب ليُقال، بل ليُمرَّر.
لهذا…
وبكل ما تبقى لي من وضوحٍ هشّ، أُعلن ـ وأنا لا أمثل شيئا ـ انسحابي من هذا المشهد.
لا احتجاجًا…
بل حفاظًا على ما تبقى من دهشةٍ لا تحتمل هذا الترتيب البارد.
أستقيل من ثقافةٍ تُدار كأنها عبءٌ، وتُعْرض كأنها إنجاز، وتُنسى كأنها لم تكن.
أستقيل لأنني لا أُجيد هذا النوع من الخفة، خفة المرور فوق المعنى دون أن أشعر بثقله.
أترك المسرح بأضوائه الكثيرة، ونصوصه المؤجلة، وتصفيقه الجاهز.
وأحتفظ لنفسي بشيءٍ صغيرٍ جدًا، أحتفظ لنفسي بالشك، فهو، على الأقل، لم يُدرج بعد في أي برنامج.
أما أنتِ يا تطوان…
يا مدينةً كانت تُضيء حين كان الضوء نادرًا، وتقول الحقيقة حين كان الصمت أعلى صوتًا، فلكِ مني ما يشبه دعاءً متأخرًا، أو اعتذارًا لا أعرف كيف يُقال:
رحم الله ثقافتكِ…
وغفر لذاكرتكِ ما مُسح منها دون إذنها…
وأبقى فيكِ — إن بقي شيء —
ذلك العناد الجميل، ذلك العناد الذي يجعل المدن تعود، حتى بعد أن يُعلن موتها.
سلامٌ عليكِ… يوم كنتِ نفسكِ، ويوم صرتِ ما يُراد لكِ، ويوم تعودين — إن عدتِ —
إلى أول الحكاية.
كل نفسٍ ذائقة الموت… حتى المدن حين تُفرَّغ من معناها
وتُترك واقفةً… كذكرى.
هذا النص…
ليس سوى محاولةٍ أخيرة، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سؤال:
حين يصبح كل شيءٍ قابلًا للنسيان، من يكتب النعي… ومن يبقى ليُصَدّقه؟





















