تقديم:
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم نحوالاقتصاد الاخضر من اجل كوكب اقل تلوثا ، تعتبر المعادن الاستراتيجية كأحد الركائز الأساسية لإعادة بناء موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية في سياق الانتقال الطاقي العالمي نحو مصادرطاقية نظيفة ومستدامة. وملقد ساهم ارتفاع الطلب المتزايد على التكنولوجيات الخضراءوالطاقات المتجددة والسيارات الكهربائية والتخزين الطاقي، إلى رفع منسوب الأهمية الاستراتيجية للمعادن الاستراتيجية البديلة كالعناصر الأرضية النادرة والمعادن المرتبطة بها. وهكذا تحول التحكم في سلاسل توريد هذه الموارد من مجرد قضية اقتصادية، الى رهان سيادي يحدد موقع الدول ضمن خريطة النفوذ والاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق يعرف العالم فورة صناعية جديدة اوما يسمى بالثورة الصناعية الرابعة، تتدافع الدول العظمى وعلى راسها الصين وامريكا لتأمين مصادر مستقرة ومتنوعة لهذه المعادن الاستراتيجية، سواء عبر الاستثمار في الاستكشاف أو عبر ارساء شراكات دولية متعددة الأطراف. ويُجسد تنظيم الاجتماعات والمؤتمرات الدولية، مثل مؤتمر التعدين الدولي بالرياض والاجتماعات الوزارية حول المعادن الاستراتيجية بواشنطن، هذا الوعي العالمي المتزايد بأهمية هذه الموارد في تحقيق الأمن الطاقي وضمان استدامة التحول الصناعي والتكنولوجي. كما تعكس هذه الدينامية توجهاً نحو إعادة هيكلة سلاسل القيمة العالمية للمعادن، بما يضمن تقليل الاعتماد على مصادر محدودة وتعزيز المرونة الاقتصادية.
ضمن هذا السياق الدولي، يبرز المغرب كفاعل صاعد في مجال المعادن الاستراتيجية، مستفيداً من موقعه الجغرافي وتنوعه الجيولوجي الغني، إضافة إلى استقراره السياسي وانخراطه في شراكات دولية متعددة. فبفضل احتياطاته المهمة من الفوسفاط، وما يرتبط بها من عناصر استراتيجية، إلى جانب الإمكانات الواعدة في مجال العناصر الأرضية النادرة والمعادن البحرية، يرسخ المغرب موقعه ضمن الدول المؤهلة للعب دور محوري مستقبلا في سلاسل التوريد العالمية. كما يعكس حضوره الفاعل في المحافل الدولية وحرصه على تطوير قطاعه المعدني في إطار الاستدامة ومشروعه الطموح للانتقال الطاقي والتطلع التدريجي لولوج ابواب الثورة الصناعية الرابعة، وتملكه وعياً استراتيجياً بأهمية هذه الموارد في دعم التنمية الاقتصادية وتعزيز مكانته الجيوسياسية في عالم يتجه بشكل متسارع نحو اقتصاد أخضر.
البنية الجيولوحجية للمعادن المعادن الاستراتيجية النادرة بالصحراء المغربية:
يتميز المغرب بتنوع جيولوجي فريد يجعله من البلدان الواعدة في مجال المعادن الأرضية النادرة، حيث تتوزع هذه الموارد ضمن عدة بيئات صخرية أبرزها الصخور الكاربونيتية، والصخور القلوية، إضافة إلى البغماتيت. وقد أظهرت الدراسات أن هذه المعادن ترتبط أساساً بصخور الكاربونيتايت الغنية بالعناصر النادرة والنيوبيوم واليورانيوم، و يجمع التنوع الجيولوجي المهم بالمغرب ما بين الموارد المعدنية التقليدية في ميدلت، والإمكانات المستقبلية الواعدة للعناصر الأرضية النادرة في صخور الكاربونيتايت بالصحراء. ويجعل هذا التنوع من المغرب فاعلاً محتملاً في سوق المعادن الاستراتيجية عالمياً، خاصة مع تزايد الحاجة إلى هذه الموارد في الاقتصاد الحديث.
وعموماً، يمكن تصنيف أهم مجالات تواجد المعادن الأرضية النادرة في المغرب إلى ثلاثة أنماط رئيسية: أولها رواسب الكاربونيتايت[1] الغنية بالعناصر النادرة والنيوبيوم، خاصة في الصحراء؛ وثانيها رواسب البغماتيت التي تتميز بتركيزات قد تصل إلى نسب مهمة من العناصر النادرة؛ وثالثها الصخور القلوية المنتشرة في مناطق الأطلس . ويعكس هذا التنوع الجيولوجي الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها المغرب، حيث تشير التقديرات إلى توفره على أكثر من 70 معدناً استراتيجياً، مما يؤهله ليكون فاعلاً مهماً في سوق المعادن العالمية، خاصة في ظل الطلب المتزايد على هذه الموارد في مجالات التكنولوجيا والطاقات المتجددة
تشير بيانات المكتب الوطني للهيدروكربونات والمناجم إلى أن المغرب يمتلك إمكانات كبيرة في مجال المعادن النادرة، والتي لا تزال في مرحلة الاستكشاف والتطوير. وتُعتبر هذه الموارد معادن استراتيجية، لا سيما نظراً لدورها في التحول الطاقي والتكنولوجيات الحديثة. تم تحديد العديد من الرواسب، لا سيما في الصحراء المغربية (درع الركيبات)، حيث غالبًا ما ترتبط المعادن النادرة بمعادن أخرى مثل الحديد أو النيوبيوم أو الكوبالت. تندرج الأعمال الأخيرة التي قام بها المكتب الوطني للهيدروكربونات والمناجم ضمن ديناميكية تهدف إلى الاستفادة من هذه الموارد، مع العديد من مشاريع الاستكشاف التي يتم تنفيذها بالشراكة مع جهات وطنية ودولية. في عامي 2025 و2026، تم إطلاق أو دراسة العديد من المشاريع التعدينية التي تشمل المعادن النادرة، مما يؤكد الاهتمام المتزايد بهذه الموارد في المغرب. وهكذا، على الرغم من أن استغلالها الصناعي لا يزال محدوداً في هذه المرحلة، فإن المعادن النادرة تمثل رهاناً اقتصادياً وجيوسياسياً رئيسياً للتطور المستقبلي للقطاع التعديني المغربي. وتُعدّ صخور الكاربونيتايت من أندر الصخور النارية في العالم، إذ تحتوي على أكثر من 50٪ من المعادن الكربوناتية، وتمثل أحد أهم المصادر الطبيعية للعناصر الأرضية النادرة [2](REE) التي تكتسي أهمية استراتيجية في الصناعات الحديثة. وتتكون هذه الصخور نتيجة انصهار جزئي ضعيف في الوشاح الأرضي، غالباً في سياق تكتوني يتميز بتمدد قاري.
تُعدّ الصحراء المغربية القلب النابض للمعادن الأرضية النادرة ((Terres Rares والمجال الأكثر أهمية من حيث تركزها ، خاصة مناطق أوسرد وامتدادات الدرع الإفريقي القديم (درع الركيبات). ففي هذه المناطق، تم تم اكتشاف مجمعات كاربونيتايتية مهمة ضمن درع الركيبات، وتشكل هذه المجمعات جزءاً من نطاق جيولوجي غني بالمعادن الاستراتيجية. ومن أبرز هذه المواقع مركب تويهينات، الذي يُعدّ مثالاً نموذجياً ، حيث ترتبط التمعدنات بصخور كاربونيتايت وبغماتيت غنية بالعناصر النادرة، وقد تصل نسب هذه العناصر في بعض الرواسب البغماتيتية إلى مستويات مرتفعة نسبياً . كما تضم هذه المناطق مجمعات قلوية وكاربونيتية كبيرة، مثل مجمعات تويهينات وترغات، التي تتميز ببنيات حلقية ضخمة وتراكيز مهمة من العناصر الأرضية النادرة والنيوبيوم،. وتُظهر الدراسات الجيوكيميائية أن هذا المركب غني بالعناصر الأرضية النادرة الخفيفة (LREE) مثل اللانثانوم والسيريوم والنيوديميوم، إضافة إلى عناصر أخرى كالباريوم واليورانيوم والثوريوم. تتميز هذه العناصر بكتلتها الذرية المنخفضة نسبيًا مقارنةً بالعناصر الأرضية النادرة الثقيلة، كما أنها أكثر وفرة في القشرة الأرضية. وتُستخدم بشكل واسع في الصناعات الحديثة، مثل صناعة المغناطيسات، والبطاريات، والتقنيات الإلكترونية، مما يمنحها أهمية اقتصادية كبيرة. كما تحتوي هذه الصخور على معادن حاملة للعناصر النادرة مثل الباستنازيت (Bastnäsite) والمونازيت، إضافة إلى معادن مجموعة البيروكلور الحاملة للنيوبيوم، مما يجعلها هدفاً مهماً للاستكشاف المعدني ، وهو ما يمنح المغرب موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد المعدنية الاستراتيجية العالمية، ممايعزز من فرصه في الاندماج ضمن سلاسل القيمة المرتبطة بالاقتصاد الأخضر.، كما تكتسي هذه الصخور أهمية بالغة خاصة في ظل الطلب المتزايد على هذه العناصر في مجالات الطاقات المتجددة وتطور التكنولوجيا الحديثة ودورها في الانتقال الطاقي ، مما يفسر الاهتمام العالمي المتزايد بها. إلا أن استغلال هذه الموارد يظل معقداً، نظراً لصعوبة المعالجة المعدنية والحاجة إلى تكنولوجيا متقدمة واستثمارات ضخمة.
وحسب المكتب الوطني للمحروقات والمعادن فإن المغرب يتوفر على إمكانات مهمة في مجال العناصر الأرضية النادرة، والتي لا تزال في مرحلة الاستكشاف والتطوير وقد تم تحديد عدة مكامن حيث ترتبط العناصر الأرضية النادرة بمعادن أخرى مثل النيوبيوم أو الكوبالت. وتندرج الأشغال الحديثة التي يقوم بها المكتب ضمن دينامية تثمين هذه الموارد، من خلال العديد من مشاريع الاستكشاف التي تُنجز بشراكة مع فاعلين وطنيين ودوليين. وخلال سنتي 2025 و2026، تم إطلاق أو دراسة عدة مشاريع منجمية تشمل العناصر الأرضية النادرة، مما يؤكد الاهتمام المتزايد بهذه الموارد في المغرب وهكذا، ورغم أن استغلالها الصناعي لا يزال محدودًا في الوقت الراهن، فإن العناصر الأرضية النادرة تمثل رهانًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا مهمًا لمستقبل تطوير القطاع المنجمي المغربي
في المقابل، يظهر الأطلس الكبير، خاصة منطقة تمازرت قرب ميدلت، كبيئة جيولوجية مختلفة لكنها لا تخلو من مؤشرات على وجود العناصر النادرة الا انها بنسبة اقل بالنسبة للصحراء. إذ تحتوي هذه المنطقة على مركبات قلوية وصخور نارية متمايزة، مع وجود بعض التمعدنات المرتبطة بالبغماتيت، غير أن أهميتها الاقتصادية تظل أقل مقارنة بمناطق الصحراء. في المقابل، تتميز منطقة ميدلت بخصائص جيولوجية مختلفة، إذ لا تُعرف بوجود كاربونيتايت واضحة، بل تشتهر بترسبات معدنية تقليدية من الرصاص والزنك والفضة، والتي تشكلت نتيجة عمليات حرارية مائية داخل الصخور الرسوبية. وبالتالي، فإن ميدلت تمثل نموذجاً للمناجم التقليدية، في حين تمثل مناطق الصحراء المغربية مجالاً واعداً للمعادن الاستراتيجية المرتبطة بالكاربونيتايت.
الحزام الكلسي من مضيق جبل طارق الى الحسيمة : ثروة استراتيجية جديدة للصناعات الدقيقة والتكنلوجيا المتقدمة:
يضم الحزام الكلسي بالشمال من مضيق جبل طارق مرورا بتطوان الحمامة البيضاء الى الحسيمة شرقا جبالا شامخة من الصخور الكلسية والتي تسمى الحزام الكلسي في القوميس الجيولوجية المعهودة والتي تضم كنزا من صخر الدولوميت Dolomite الغنية أكسيد المغنيسيوم (Magnesium oxide) ولقد ابانت العينات التي تم معاينتها في الصخور الدولوميت من طرف الكتب الوطني للمحروقات والمعادن في منطقة تطوان وشفشاون. خصوصا في مواقع التنقيب بمنطقة بوزيتون الواقعة على بعد 8 كيلومترات جنوب تطوان ومنطقة إزمامين الواقعة على بعد 14 كيلومتراً شمال مدينة شفشاون. وتحتوي هذه المواقع على دولوميت رمادي فاتح إلى أبيض مائل للصفرة يعود إلى العصر الترياسي الأعلى (مابين 237 – 210 مليون سنة). ولقد أظهرت التحاليل الكيميائية أن الدولوميت في الحزام الكلسي بالشمال تعتبر ذات جودة عالية، حيث تتراوح نسبة أكسيد المغنيسيوم بين 18% و21,5%، مع انخفاض نسبة الحديد.
و يُعدّ أكسيد المغنيسيوم (Magnesium oxide) مادةً استراتيجية تُستخدم في العديد من الصناعات المتقدمة، وذلك بفضل خصائصه الفيزيائية والكيميائية المتميزة، مثل مقاومته العالية جدًا للحرارة، واستقراره الكيميائي، وقدرته الممتازة على العزل الكهربائي.وفي مجال الإلكترونيات المتقدمة، يُستعمل أكسيد المغنيسيوم كمادة عازلة في المكوّنات الإلكترونية، وكدعامة اساسية لبعض أشباه الموصلات. كما يلعب دورًا مهمًا في التقنيات الحديثة مثل السبينترونيك، حيث يُستخدم في أجهزة الذاكرة المتطورة.
أما في قطاع الطاقة، فيُستخدم في المفاعلات النووية كمواد حرارية مقاومة قادرة على تحمّل درجات حرارة مرتفعة جدًا. كما يدخل في أنظمة تخزين الطاقة الحرارية، وفي بعض الأبحاث المتعلقة بالبطاريات من الجيل الجديد وتقنيات الهيدروجين. إضافةً إلى ذلك، يُستخدم أكسيد المغنيسيوم في صناعة المواد المتقدمة، خاصةً في إنتاج السيراميك التقني عالي المقاومة، والذي يُستعمل في مجالات الطيران والفضاء، وكذلك في التجهيزات الصناعية التي تعمل في ظروف حرارية قاسية. وبفضل هذه الخصائص المتعددة، يساهم أكسيد المغنيسيوم في تطوير التكنولوجيات الحديثة، لا سيما في مجالات الطاقة، والإلكترونيات، والمواد عالية الأداء.
جبل الكنز المغمور تروبيك : بين اشواك ترسيم الحدود البحرية المغربية وورود اعتراف الصديق اللدود بمغربية الصحراء:
يقدر عمر جبل تروبيك Tropico Hill بحوالي 120 إلى 130 مليون سنة، أي يعود إلى العصر الطباشيري المبكر ويضم جبل تروبيك اكبر تركيز معدني على كوكب الارض، بما يعادل تركيز 50 ألف مرة من أي موقع أرضي. وتشكّل الجبل مع جزر الكناري البركانية منذ ملايين السنين. وهو اليوم جبل بركاني خامد يتموقع على عمق 1000 متر، ويبعد من أصغر جزر الكناري (جزيرة إل هييرو) التابعة لإسبانيا بنحو 500 كيلومتر. وتشير الدراسات الحديثة أن “تروبيك” غني بالمعادن الاستراتيجية، إذ يضم %10 من الاحتياطي العالمي من التيلوريوم المستعمل في صناعة ألواح الطاقة الشمسية والإلكترونيات، إلى جانب الكوبالت بكمية تناهز 7.1 كيلوغرام عن كل متر مكعب المستخدم في صناعة السيارات والصناعات العسكرية. كما اشارت الدراسات الى أرقام تقريبية لكميات المعادن التي يزخر بها، كالباريوم بنحو 5.6 كيلوغرام، والفاناديوم 3.6 كيلوغرام، وكذلك النيكل 2.9 كيلوغرام والرصاص 2.1 كيلوغرام عن كل متر مكعب. وأكثر من 54 مرة مما تملكه كل دول العالم من الكوبالت، إضافة إلى معادن أخرى تدخل في إطار الصناعات الدقيقة وصناعات المستقبل من صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات وغيرها.
ومنذ 1975ظلت المياه المقابلة للاقاليم الجنوبية بالصحراء المغربية غير محدَّدة الحدود. وبعدما صادق المغرب على اتفاقية الأمم المتحدة “مونتيغو باي” لقانون البحار سنة 2007، وكان ملزما بتحديد جرفه القاري. فالمغرب يعتزم ترسيم حدوده وفقًا لما أقرته اتفاقية الأمم المتحدة للقانون البحري سنة 1982، وكان الحد الأقصى للحدود البحرية المغربية لا يتجاوز جنوبا مدينة طرفاية. وبعد مصادقة المغرب في 16 ديسمبر 2019 على ترسيم حدوده البحرية وموافقة البرلمان المغربي على قانونين يحددان لأول مرة مجاله البحري مع إسبانيا وموريتانيا ليمد حمايته القانونية على فضائه البحري من طرفاية إلى لكويرة، وفي الشمال من طنجة حتى السعيدية على حدود الجزائر. وتضم الحدود البحرية المغربية بعد ترسيمها بشكل قانوني المياه الإقليمية للصحراء المغربية الى حدود الكويرة. القرار يأتي ضمن رؤية مغربية لتعزيز السيادة الترابية القانونية والواقعية على المحيط الاطلسي في المياه الإقليمية.
ولتفادي حدوث اية مشاكل مرتبطة بتداخل الحدود المرسمة دول الجوار ستتم معالجته عبر قنوات وزارة الخارجية من خلال الحوار البناء مع إسبانيا و موريتانيا لحل أي مشكلة قد تنشأ عن ذلك. خصوصا في ما يتعلق بجزر الكناري أو مع منطقة البحر المتوسط في الشمال. كما ان المغرب ليس مستعدا في المستقبل للتفاوض على أي اتفاق دولي لا يشمل سيادتها الإقليمية.
الا ان مشكل تداخل الحدود والصراع على الموارد والثروات سواء البحرية او الباطنية من نفط ومعادن ثمينة تقلق الجار الاسباني اكثر من غيره. اذ صرح رئيس حكومة جزر الكناري أنخيل توريس، إن إسبانيا لن تسمح للمغرب بمس ميل واحد من مياه الكناري . تصريح رافقه نشر سرب طائرات مقاتلات من طراز F18 من نوع التابعة للقوات الجوية الإسبانية فوق جزر الكناري، كرسالة ضغط الى المغرب انذاك . وعلى الجانب الآخر من البحر المتوسط رفض الحزب الاشتراكي الحاكم في إسبانيا اقدام المغرب على ترسيم مياه البحرية عبر بيان 21 دجنبر 2019، الذي اشار فيه الى ان ترسيم الحدود المائية المغربية المجاورة لمدينتي سبته ومليلية، وكذلك لجزر الكناري ينبغي أن يتم ضمن اتفاق مشترك، وليس بخطوة أحادية الجانب. وهدد الحزب الاشتراكي بأن موقفه سيكون حازمًا.
ومما اجج الصراع والاحتقان لدى الجار الاسباني هو التقارب البريطاني-المغربي بعد البريكست ومن المتوقع توسيع الاتفاقيات العسكرية والأمنية مع المغرب حسب بعض المصادر الاعلامية الاسبانية. مما يشير الى عودة التحالف الأنݣلوموريش الذي انقطع منذ عهد الملكة إليزابيث الأولى أيام عهد الأمير أبو العباس أحمد المنصور بالله. ومن أهم المشاريع المرتقبة بين المملكة المغربية والمملكة البريطانية الربط الطاقي في الشمال مع جبل طارق. كما تم إعطاء رخص للتنقيب عن الغاز في ساحل الأطلسي لشمال المغرب بين طنجة والمحمدية . كل هذه المؤشرات الاقتصادية ستجعل الرباط ستستفيذ من اعتراف لندن كاحد الاعضاء دائمة العضوية بمجلس الامن بمغربية الصحراء. اضافة الى دعم بريطانيا لمقترح الحكم الذاتي كحل واقعي، وتساند الجهود الأممية لإيجاد تسوية نهائية للنزاع.
وكان لافتاً مدى القلق الاسباني ورد فعل الاسبان بعدم ترحيب مدريد بالإعلان للاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء، واعتبرت وزيرة الخارجية أرانشا غونثالث لايا، أن القرار الأميركي لا يخدم نزاع الصحراء، بل يزيد في تعقيده، لأنه ينبني على القطبية الأحادية وليس على البحث عن الحل الذي تشارك فيه مختلف الأطراف، سواء القوى الممثلة في مجلس الأمن أو القوى الإقليمية التي لديها علاقة بالنزاع. كما قامت وزيرة الخارجية الإسبانية باتصالات مع الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن كرئيس قادم، من أجل التراجع عن قرار اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالصحراء المغربية من طرف الرئيس الحالي دونالد ترامب.
واعتبرت عدد من النخب السياسية الاسبانية تذمرها وخيبة أملها من التطور الايجابي في العلاقات الدبلوماسية المغربية-الأمريكية، والذي توج باعتراف امريكا كدولة دائمة العضوية بمجلس الامن بسيادة المغرب على الأقاليم الجنوبية للمملكة. كما أنّ تأجيل القمة الثنائية المشتركة بين المغرب وإسبانيا التي كان من المفروض عقدها عقدها في الرباط، 17 ديسمبر 2020، تم تاجيلها حتى فبراير 2021، مباشرة بعد إعلان الرئيس الأمريكي اعتراف الادارة الامريكية بسيادة المغرب على كامل أراضي الصحراء المغربية، وهو ما أربك حسابات الحكومة الإسبانية وانتظاراتها من اجتماع القمة الثنائية، كما سيعطي للحكومة الإسبانية الوقت الكافي لترتيب أفكارها وإعادة حساباتها السياسية في تعاملها مع ملف الصحراء بعيدا عن منطق الانفعال ورد الفعل السياسي خاصة أنّ لمدريد مسؤولية سياسية وتاريخية في إرث هذا النزاع المشترك،
وفي عام 2022، أعلنت اسبانيا تحولًا مهمًا في موقفها من قضية الصحراء المغربية، حيث عبّر رئيس الحكومة بيدرو سانشيس Pedro Sánchez عن دعم بلاده لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، معتبرًا إياها “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل النزاع.. وقد أدى هذا التحول إلى تحسن كبير في العلاقات بين الرباط ومدريد، تُوّج بتعاون اقتصادي وأمني وتعزيز الشراكة الاستراتيجية. وفعلا لقد لوحظ و وخلال سنتي 2025-2026 انفراجا في العلاقات اثر على التدبير المشترك لملف تروبيك ، حيث تم الانتقال من منطق التوتر المحتمل إلى مقاربة قائمة على الحوار والتعاون. ففي إطار الاجتماعات الثنائية رفيعة المستوى التي عُقدت سنة 2025، تم الاتفاق على إعادة تفعيل آليات التشاور، وعلى رأسها اللجنة المشتركة المكلفة بترسيم الحدود البحرية، وذلك في سياق السعي إلى تحديد المجالات البحرية وفق قواعد القانون الدولي. كما تم فتح نقاش عملي حول إمكانية اعتماد صيغ مبتكرة للاستغلال المشترك للموارد للمعادن الاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، أصبح جبل تروبيك محورًا أساسيًا في الحوار الثنائي، نظرًا لقيمته الاقتصادية والجيوستراتيجية المتزايدة. وقد اتجه البلدان نحو تبني مقاربة قائمة على تجنب أي خطوات أحادية يمكن أن تؤدي إلى توتر، مع التأكيد على ضرورة احترام مقتضيات اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار كمرجعية قانونية لتنظيم استغلال الفضاءات البحرية. ويعكس هذا التوجه إرادة مشتركة في البحث عن حلول توافقية تحقق مبدأ “رابح-رابح”، بما يضمن الاستفادة المتبادلة من الموارد البحرية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
****************************






















